LOGINفي صباح السبت قرّرت أمي أن تُعلن حضورها في موضوع الزفاف بطريقة لم تستأذن فيها أحداً. جاءت إلى جناحي في الساعة التاسعة، معها ورقة وقلم وابتسامة من تعرف ما تُريد. قالت: "أريد أن نتحدث اليوم في ما يخص يوم الزفاف. لا شيء آخر، لا مفاوضات ولا وقف ولا قاهرة." نظرتُ إليها. "الآن؟" "الآن." دعوتُ ريم عبر مكالمة مرئية من دمشق، وطلبتُ من يوسف أن يجلس معنا. ثم جاء كرم، وحين رأى الجمع بهذا التكوين غير المألوف قال: "ما الذي يجري؟" قالت أمي قبل أن أُجيب: "نتحدث في الزفاف." جلس كرم. ولأول مرة منذ أشهر رأيتُه يضحك ضحكة تحمل ارتياحاً حقيقياً. بدأت أمي بالورقة والقلم. قالت: "المكان أولاً." قلتُ: "شيء صغير وهادئ." قال كرم: "لا قاعات فندقية." قالت ريم من الشاشة: "ما رأيكم في شيء في الخارج؟ حديقة أو شرفة كبيرة؟" كتبت أمي: مكان خارجي. هادئ. صغير. ثم قالت: "الطعام." قالت أمي بنبرة لا تقبل النقاش: "الطعام أنا." "كله؟" سأل كرم. "الأطباق الرئيسية. لكن السفرة الرئيسية أنا." قال يوسف الذي كان صامتاً حتى تلك اللحظة: "وأنا؟" "ما دوري في ذلك اليوم؟" كان في سؤاله رغبة في الانتماء الإيجابي، أن يكون له دور لأنه
في صباح اليوم التالي للقاء المكتبة اتصلتُ بنور بمجرد أن استيقظتُ، قبل القهوة وقبل أي شيء آخر. قلتُ لها: "عندي ما أُخبركِ به." "أعرف." قالت بهدوء. "طارق المصري أرسل لي رسالة قصيرة البارحة. كتب فيها: اللقاء كان على ما يُرام. ولا أعرف إذا كان هذا جيداً أم لا." "وأنتِ؟ ماذا قلتِ؟" "قلتُ له: حين لا يعرف المرء إذا كان الشيء جيداً أم لا يعني أن الشيء كان حقيقياً. الأشياء غير الحقيقية دائماً واضحة النتيجة." أخبرتُ نور بكل ما حدث في المكتبة بالتسلسل. استمعت بصمت كامل ثم قالت: "أنتِ قلتِ له شيئاً كان يحتاج سماعه منذ وقت طويل جداً." "ماذا تقصدين؟" "قلتِ له إن الوقف يعمل. وأتبعتِ ذلك بتفصيلة واحدة: امرأة أولى جاءت وجلست وشربت قهوة ثم تكلّمت." توقفت نور. "هذه التفصيلة تحديداً تقول شيئاً لم تقوليه عرضاً. تقول إن بيت العتبة مكان يُستقبَل فيه الناس كبشر لا كملفات. وهذا بالضبط ما كان يؤمن به هو في شبابه وظن أنه لا يمكن تحقيقه بالطريقة التي حاول." جلستُ مع هذا التحليل. وأدركتُ أن نور ترى في ما حدث أبعاداً لا أرى كلها حتى وأنا كنتُ في القلب منه. وهذا ليس قصوراً بل طبيعة الأمور: من يكون في قلب الل
جاء طارق المصري بنفسه إلى البرج في الصباح الباكر. قادنا طارق إلى سيارة سوداء خارج البرج. قال قبل أن نركب: "المكان الذي سنذهب إليه ليس اجتماع مكتب. هو مكان يختاره هو دائماً لأول لقاء مع أحد." "وما هو؟" "مكتبة هادئة في حي قديم. يقول إنه يُفكّر بشكل أوضح وسط الكتب." نظرتُ إلى كرم. وكان في نظرتنا المتبادلة إدراك مشترك: رجل يُؤمن بأنه يُفكّر بشكل أوضح وسط الكتب هو رجل لم يتخلّ تماماً عن من كان. وصلنا إلى المكتبة. كانت صغيرة بمعايير مكتبات اليوم، جدرانها مكسوّة بأرفف خشبية عتيقة حتى السقف، ورائحة الورق القديم تملأ الهواء. في الزاوية الخلفية جلس رجل. نظرتُ إليه ولم أشعر فوراً بما توقّعتُ. لم أشعر بخوف ولا بغضب ولا بانبهار. شعرتُ بشيء أهدأ: بأن أمامي إنساناً في الستينيات يجلس بمحاذاة الكتب كأنه ينتمي إليها. نهض حين اقتربنا. طول متوسط وشعر رمادي خفيف وعيون تحملان ذلك النوع من الثقل الذي يتراكم ببطء لا يأتي دفعةً واحدة. صافح كرم ثم صافحني، مصافحة عادية لا تُريد أن تُعلن أكثر مما تقوله. جلسنا. رحّب بنا بعربية واضحة فيها أثر لهجة مصرية خفيفة. ولم يُقدّم نفسه باسم، وكذلك لم يطلب منّا أن نُقدّم
جاءت نور في صباح اليوم التالي وجلسنا معاً، كرم وأنا ونور، في غرفة الاجتماعات الصغيرة التي صارت تحمل في هوائها كل شيء تحدّثنا فيه خلال هذه الأشهر. قالت نور: "قبل أن نتحدث عن أي تفصيل لوجستي للقاء، أريد أن أُعطيكما كل ما جمعتُه عن الرجل الذي لا يُرى. لأن من تلتقيه لأول مرة وقد اطّلعتَ على سيرته يختلف عن من تلتقيه وأنت لا تعرف عنه شيئاً." "تفضّلي." "رجل في منتصف الستينيات، من عائلة متوسطة الحال في القاهرة، درس القانون في الجامعة وكان من المتميزين في دفعته. في سنواته الأولى بعد التخرج عمل في منظمات حقوق الإنسان في مصر ثم في المنطقة، وكان يُعرف في تلك الأوساط برجل يؤمن بما يفعل أكثر مما تتطلبه الوظيفة. ثم في منتصف التسعينيات، بعد حدث لم أستطع تحديد طبيعته بدقة، توقف عن العمل الحقوقي وانتقل إلى ما هو عليه الآن." "وما الذي حدث في التسعينيات؟" سأل كرم. "هذا ما لا أعرفه بالكامل. لكنني أعرف أنه في تلك الفترة خسر شيئاً جعله يُعيد النظر في كل ما كان يُؤمن به. والناس الذين يُعيدون النظر بهذه الجذرية لا يفعلون ذلك لأن قناعاتهم الفكرية تغيّرت. يفعلون ذلك لأن الواقع خذل تلك القناعات بطريقة شخصية
في اليوم الخامس والثلاثين من فترة التوقف، حين كنّا بدأنا نشعر أن الصمت وصل إلى منتهاه الطبيعي الذي لا يحتاج إعلاناً بل يُحسّ بنفسه، وصلت رسالة من طارق المصري عبر قناتنا المعتادة. لكن هذه المرة لم تكن مكتوبة بخط اليد ولا بالطباعة المعتادة. كانت صوتيةً. هذا لم يحدث من قبل. فتحتُها وأنا جالسة في مكتبي الصغير في ذلك الصباح الهادئ. صوت طارق المصري جاء بنبرة مختلفة عن كل ما سمعتُه منه في اللقاءات الأربع: لم يكن نبرة المفاوض ولا نبرة الرسول ولا حتى نبرة الإنسان الذي يُفكّر بصوت مرتفع كما رأيناه في اللقاء الرابع. كانت نبرة من يقول شيئاً قرّر قوله وانتهى. قال: "شام وكرم، أكتب إليكما هذه المرة بصوتي لأن بعض الكلام يفقد شيئاً حين يتحوّل إلى نص مكتوب. قضيتُ فترة التوقف في تفكير لم أكن أتوقع أن أُجريه. وتوصّلتُ إلى شيء أُريدكما أن تعلماه قبل أن نلتقي في اللقاء الخامس. الرجل الذي يقف وراءنا يريد أن يلتقيكما مباشرةً. ليس عبري. مباشرةً. لم يطلب ذلك من قبل في أي ملف خلال سنوات طويلة. وقد طلبه في ملفكما." توقف في التسجيل لثانيتَين. ثم أكمل: "أنا لا أضغط عليكما لقبول هذا. وإن رفضتما فلن يُغيّر ذلك شي
طلب كرم من أمي أن تمنحه نصف ساعة، وفعل ذلك دون أن يُخبرني مسبقاً، وكان هذا الاختيار وحده يحمل من الدلالة ما يكفي لأفهم أنه لم يكن قراراً مرتجلاً بل مدروساً بطريقته الهادئة التي لا تُعلن عن نفسها. علمتُ حين جاءتني أمي في مساء يوم الأربعاء. طرقت باب جناحي بطريقتها التي تعرفها من عرف طريقة طرقها، ثلاث طرقات متباعدة بفاصل ثانية بين كل اثنتَين. دخلت وجلست في المقعد المقابل لي دون أن تنظر حولها كمن يُعاين المكان، بل كمن يعرف ما جاء لأجله ويريد الوصول إليه بأقل ما يمكن من المقدمات. وضعت يدَيها على ركبتَيها بهدوء خاص بها، هدوء لا يعني غياب الانفعال بل إتقان إخفائه حتى اللحظة التي يختار الظهور. ثم قالت بنبرة عادية تماماً: "كرم جلس معي اليوم." نظرتُ إليها. "متى؟" "قبل الظهر بساعة. طلب نصف ساعة وجلس نصف ساعة بالضبط ثم قام وخرج." "وماذا قال؟" أمسكت يدَيها ببعضهما في حضنها بحركة تُشبه حركتها حين تجمع أفكارها قبل أن تُعطيها للكلام. "قال إنه يُريد أن تعلمي أنه يُريد شيئاً أكثر مما تعطيه الكلمات المعتادة في مثل هذه المواقف. قال إنه يُريد أن أُباركَه وأنتِ معه. ليس من باب المجاملة ولا من باب الإ


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://yfbwww.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




