Masukفي عالمٍ تحكمه المافيا، لا تُورَّث السلطة بالتاج... بل بالدم. كانت إليزابيث تظن أنها مجرد فتاة سُرقت طفولتها، حتى انقلبت حياتها رأسًا على عقب عندما اكتشفت أن الحقيقة التي أخفاها الجميع عنها أخطر من أي كذبة عاشت بها. بين ماضٍ غارق في الدماء، وأعداء يطاردونها، وعهدٍ محظور دُفن منذ سنوات، تجد نفسها في قلب حربٍ لا تعرف الرحمة. ومع ظهور جيمس، الرجل الذي ربّاها ثم دمّر حياتها، تبدأ الأسرار بالسقوط واحدًا تلو الآخر، ويصبح عليها أن تختار بين إنقاذ من تحب... أو مواجهة قدرٍ كُتب في دمها منذ ولادتها. حين يصبح الدم هو التاج... فمن سينجو عندما تبدأ الحرب؟
Lihat lebih banyakالفصل الأول: مسمار في جدار الصمت
*** وكتبتُ فوقَ جدارِ صمتيَ أسطراً أنَّ الحياةَ غدتْ سجناً ضيقاً ما عدتُ أبحثُ عن ضياءٍ خادعٍ فالليلُ في صدري استبدَّ وأشرقا أنا التي سكنتْ برزخاً من حيرةٍ لا الموتُ يرحمُني.. ولا قلبي استقي ... اليوم، قررتُ أخيراً أن أخطو أكبر وأجرئ خطوة خطيتها في حياتي التي لطالما اعتبرتها جنونا محض واعترافاً بالهزيمة النكراء قررتُ زيارة عيادة الطب النفسي. لم أكن أعلم أن المكان هنا سيكون بهذا الضيق، أو ربما هو حزني الذي يجعل كل المساحات تتقلص حولي. رغم اتساع هذه الغرفة الفاخرة، وأثاثها المنتقى بعناية، وألوانها الهادئة التي اختارها المصممون لتبث "طمأنينة" زائفة في نفوس المتعبين أمثالي، إلا أنني شعرتُ بالجدران تقترب من وجهي لتسلبني ما تبقى من هواء. جلستُ هناك كتمثال من شمع، صلبة من الخارج و منصهرة و ذائبة من الداخل، فوق ذلك المقعد الجلدي ذو الرائحة النفاذة التي تشبه رائحة المكاتب القديمة المحملة بالأسرار. كنتُ أراقب الطبيب "مايكل "بصمت مريب. كان رجلاً خمسينياً يبدو عليه الوقار، يعدّل نظارته الذهبية التي كانت تعكس ضوء المصباح الجانبي، يحجب خلف زجاجها نظراته الفاحصة. يمسك بقلمه الفضي، ويهزه بانتظام، ينتظر مني كلمة واحدة كإشارة للبدء. خيطاً واحداً يربط به عالمي المنهار بعالمه الممنهج. كان الصمت بيننا سيفاً قاضياً، ليس مجرد غياب للكلام، بل كان كياناً مادياً ملموساً، كأنه ضباب كثيف يملأ الفراغ بين مقعدي القريب من مكتبه الضخم. كنتُ في مكان آخر تماماً، أهيم في ردهات ذاكرتي المظلمة، أفكر في "ملمس الوقت اللزج" الذي يمرّ ببطء كأنه يتعمد إحصاء نبضاتي المتعثرة. هنا، في هذه العيادة، يبدو أن الزمن قد توقف تماماً، كروحي التي تعطلت محركاتها منذ زمن طويل ولا أحد يملك مفتاح تشغيلها. قطعتُ شرودي بمراقبة ذبابة كانت تحاول الخروج من زجاج النافذة المغلق؛ تصطدم به مراراً وتكراراً بطنين يائس ومزعج، تماماً كما أفعل أنا مع فكرة "البقاء". شعرتُ بنفور مفاجئ من هذا الطنين، فقلتُ بنبرة باردة وجافة: "هل لديك مبيد حشري هنا؟!" بدا وكأن سؤالي باغته، هزّ وقاره قليلاً، لكنه سرعان ما تدارك أمره بابتسامة مهنية باهتة. نهض وأخرج عبوة كيميائية مضادة للحشرات، رشها في زاوية النافذة حتى سكن ذلك الطنين، ثم عاد إلى مقعده، شبك أصابعه أمام وجهه وقال ببرود مماثل: "والآن يا إليزابيث.. هل تتكرمين وتخبريني، لماذا نحن هنا اليوم؟" سألني بصوتٍ رخيم، فيه بحة تآلف مصطنعة، محاولاً كسر الجمود الذي جمدت فيه أطرافي. لم أجب. شعرتُ أن الكلمات في حنجرتي تحولت إلى قطع زجاج جارحة؛ إن نطقتُ بها سأدمي نفسي قبل غيري. شعرتُ برغبة في الضحك، ضحك مرّ يشبه البكاء، لأن السؤال بحد ذاته كان عبثياً وسخيفاً. لماذا نحن هنا؟ هل هناك سبب منطقي دعاني للمجيء سوى أنني لم أعد أحتمل ثقل كوني موجودة في عالم لا يحترم وجودي ولا يعبأ بي؟ سوى أنني سئمتُ من حمل جثتي فوق كتفي كل صباح؟ بدلاً من الكلام، مددتُ يدي المرتعشة قليلاً إلى حقيبتي السوداء، وأخرجتُ دفتراً صغيراً مهترئ الحواف، يفوح منه عبق الخيبة، ووضعته على الطاولة الرخامية بيننا ببطء شديد، وكأنني أضع قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. نظرتُ إلى عينيه مباشرة، وقلتُ له بصوتٍ خافت، بدا غريباً حتى على مسامعي: "لا أستطيع الكلام أيها الطبيب مايكل.. الحبال الصوتية لدي لم تعد تملك القدرة على الاهتزاز. لكنني كتبتُ لك كل شيء هنا، في هذه الصفحات التي استنزفت ما تبقى من دمي.. كتبتُ ما أشعر به قبل أن يتبخر. إنها ليست مجرد كلمات، إنها شهادة وفاتي.. أو ربما رسالة...رسالة انتحار لم أخطط لها، بل خطها حزني بالنيابة عني." أخذ مايكل الدفتر بوقار مبالغ فيه، وكأنه يمسك بمخطوطة أثرية. ساد صمتٌ ثقيل، صمت يشبه ذلك الذي يسبق العواصف الرعدية في تشرين. كانت عيناه تتحركان خلف النظارة فوق سطوري التي نزفتُها بمرارة في ليالٍ ليلاء. بدأ يقرأ، وكان صوت تقليب الورق في هدوء الغرفة يشبه طعنات خفيفة في صدري. "اليوم الأول... لم أكن أتصوّر، ولو للحظة، أن أصل إلى هذا الحدّ من الانطفاء." توقف مايكل عند كلمة "الانطفاء"، وكأنها مسمار علق به بصره. رفع رأسه ونظر إليّ بعمق، باحثاً عن بقايا نور في عينيّ: "إليزابيث، الانطفاء كلمة قوية جداً وتوحي بالظلام المطلق. هل هو انطفاء الرغبة في العيش؟ أم انطفاء الأمل في التغيير؟" أغمضتُ عينيّ، واستحضرني ذلك الشعور الخانق: "كنت دائمًا أنظر بتعجّب إلى أولئك الذين يسكبون مشاعرهم فوق الورق، ويتصرفون كأن الحروف قادرة على ابتلاع أوجاعهم... كانوا يكتبون ليتخلّصوا من ثِقلهم، لينسوا، ليمحوا من أفكارهم ثقل الطنين المزعج.. أما أنا، فالأمر مختلف تمامًا." شرحتُ له بصمتي المطبق، وبنظراتي الهاربة من وجهه، أنني كلّما لامست يدي الورقة، يتعمّق حزني أكثر، وكأن الكتابة تفتح لي باباً سرياً إلى قبو داخلي مظلم، لا يقود إلا إلى عتمة أخرى، ظلام دامس بلا نهاية ولا أمل في أن يشعله ضوء في آخر النفق. الحزن لم يعد زائراً ثقيلاً في حياتي، بل صار رفيقاً قديماً، ثابتاً، وفيّاً على نحو مزعج ومخيف.. رفيقاً يرفض أن يتركني مهما حاولتُ الهرب أو التظاهر بالنوم. عاد مايكل للقراءة، غائصاً في محيط كآبتي: "الجميع يعلم أنني لست بخير، لكن لا أحد يملك حيلة لإنقاذي. وإن نظرتَ إلى حياتي من بعيد لظننت أنها مكتملة، خالية من النواقص. لدي أمّ حنونة، وأب... ليس لطيفاً، صحيح، لكنه يظلّ أبي." هنا، داهمتني ذكرى قديمة كأنها حدثت بالأمس، ذكرى ذلك "الجدار الصامت" الذي يفصلني عن العالم. (فلاش باك: الذكرى الأولى) كان عمري عشر سنوات فقط. عدتُ من المدرسة منتشية، حاملةً شهادة تقدير تزينها الأختام الحمراء. كنتُ أركض في الرواق، أنفاسي تتسارع نحو الصالون حيث يجلس والدي. كان غارقاً في قراءة جريدته اليومية، والدخان يتصاعد من سيجارته ليصنع غيمة رمادية كثيفة حول رأسه، كأنها حصن يمنع وصول أي مشاعر إليه. وقفتُ أمامه، ألهث، ومددتُ له الورقة بابتسامة طفولية عريضة كانت تملأ وجهي أملاً. نظر إلى الشهادة لثوانٍ معدودة، لم يبتسم، لم يقل "أحسنتِ"، ولم يربت على كتفي. بل اكتفى بهز رأسه بآلية قاتلة، وقال ببرود هزّ أركان طفولتي: "واجبكِ أن تكوني متفوقة.. لا داعي لكل هذا الصخب، اذهبي وساعدي أمكِ." في تلك اللحظة، شعرتُ بأول مسمار يدق في قلبي الصغير. شعرتُ أن نجاحي، حزني، وجودي، صراخي الصامت.. كله لا يحرك ساكناً في ذلك الجدار الجليدي المسمى "أبي". أفقتُ من ذكرياتي المريرة على صوت مايكل الهادئ: "تحدثي لي عن هذا الأب 'غير اللطيف'.. كيف يشكل هذا الجدار الصامت جزءاً من عتمتك الحالية؟" ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بمرارة تملأ حلقي. فكرتُ في أمي، في حنانها الفائض الذي يشبه الضمادات البيضاء الرقيقة فوق جروح غائرة. "أنظر إلى أمي، فأرى الحنان في عينيها يتحول إلى نصل من الذنب يمزقني، لأنني أعجز عن منحها الطمأنينة التي تستحقها. أرى في عينيها تساؤلاً مكسوراً صامتاً يقتلني كل يوم: 'أين ابنتي التي كانت تضحك؟'. هذا الذنب يا مايكل، أثقل من الحزن نفسه. أما أبي.. فهو الحاضر الغائب. القوة الصامتة التي لا تشعر بها إلا حين تضغط على صدرك لتكتم أنفاسك. الفجوات بيننا لا تُسدّ بالكلمات، بل بالصمت الذي يزداد اتساعاً وجفاءً كل يوم." أكمل مايكل القراءة بصوت مسموع هذه المرة، كأنه يريدني أن أواجه أصداء كلماتي في الفراغ: "كل ما أدركته أخيرًا هو أنني بدأت أكتب شيئًا يشبه رسالة انتحار... دون أن أخطّط لذلك. كل شيء تغيّر... حتى الشمس — التي ظننتها وفية لا تخون — ستغدر يومًا، وستغرب من الغرب لتعلن النهاية." رفع مايكل حاجبيه بدهشة مكتومة: "ربطتِ انطفاؤكِ الشخصي بنهاية العالم الكبرى.. هل تشعرين حقاً أن عالمكِ الداخلي قد انتهى بالفعل؟" أجبتُه بكلمات المذكرة التي حفظتُها بنبضي: "يقولون إن الكتابة 'تحرير للأرواح النائمة'، لكنني أشعر أنها 'قيد' حديدي يزداد ضيقاً. كل كلمة أضعها هنا هي مسمار إضافي يثبّتني في مكاني، يمنعني من التظاهر بأن الأمور على ما يرام. تلك 'الأنا' التي كانت تضحك بالأمس، تبدو لي الآن كغريبة ساذجة التقيت بها في زحام قديم؛ أعرف ملامحها جيداً لكنني لا أتذكر كيف كانت تشعر، أو كيف كانت تتنفس بلا ثقل." بدأ مايكل يحلل حالة "الموت بالتقسيط" التي ذكرتُها. أخبرته كيف أنني أتأثث بالحزن في حنايا بيتي، كيف أفرش به مساحات قلبي، وكيف جعلتُ منه ملاذي الأخير ووطني الوحيد. "مايكل، هل تفهم معنى أن يكون الحزن هو أثاث بيتك ومنزلك؟ أن لا ترى في الزوايا إلا الهزائم؟ أن يكون صمت أمي هو الدعاء المكتوم الذي لا يصل، وصمت أبي هو الحكم بالإعدام الذي نُفذ بالفعل؟" توقف مايكل عن التدوين لبرهة. وضع قلمه جانباً ونظر إليّ بعينين بشريتين، متخلياً عن قناع الطبيب. "إليزابيث، أنتِ تقفين في منطقة برزخية، كما قلتِ.. بين الرغبة في التلاشي وبين الاضطرار للبقاء. أنتِ تتقنين تمثيل دور الأحياء ببراعة مذهلة، لكنكِ هنا الآن، وهذا يعني أن هناك جزءاً صغيراً جداً منكِ، ربما مختبئ خلف كل هذا الركام، لا يزال يريد الضوء." هززتُ رأسي نفياً ببطء: "لا يا مايكل.. الشمس ستشرق غداً من المشرق كعادتها، وستكذب علينا مرة أخرى وتوهمنا بالبدايات الجديدة. لكنني هناك لا زلت، في غرفتي المعتمة، أعلن أنني اكتفيت من الضوء الذي لا يدفئ، ومن الحنان الذي لا يرمم، ومن الحياة التي تتطلب منا مجهوداً خرافياً فقط لنبدو 'عاديين' في أعين الآخرين." أغلق مايكل الدفتر بلطف شديد، وكأنه يغلق تابوتاً يضم أغلى ما أملك. ساد هدوء مطبق لم يقطعه سوى صوت أنفاسي التي بدأت تتسارع كأنني أركض في ماراثون من الوجع. شعرتُ أنني استنزفتُ كل طاقتي في هذا البوح، وكأنني أفرغتُ روحي على طاولته الرخامية. "إليزابيث.. لقد قلتِ إن الحزن هو الشيء الوحيد الذي لم يغدر بكِ.. والشيء الوحيد الذي يشبهكِ تماماً. في جلستنا القادمة، سنحاول أن نبحث معاً عن 'إليزابيث' الأخرى، تلك الغريبة التي التقيتِ بها في الزحام القديم. هل تعدينني أن تستمري في الكتابة؟" نظرتُ إليه، وكان الحزن لا يزال يتأثث في أعماقي، يفرش سجاده الأسود في كل ركن. لم أعده بشيء، لأنني حين أكتب، لا أكون أنا من يمسك بالقلم، بل حزني هو من يؤلف، هو من يملي عليّ خيباته، لا أنا. أخذتُ دفتري بصمت، ووضعتُه في حقيبتي كأنني أخبئ سراً مقدساً، وقمتُ لأغادر الغرفة، تاركةً ورائي مسماراً آخراً في جدار ذلك الصمت اللعين الذي يملأ عيادته. خرجتُ من المبنى، وكانت الشمس تتهيأ للغروب، تودع السماء بألوان دامية. نظرتُ إليها بتحدٍّ، متسائلةً في سري: "متى ستخرجين من الغرب؟ متى تعلنين النهاية التي أنتظرها بفارغ الصبر؟" لكن الشمس، كعادتها، ظلت صامتة وهادئة، تاركةً إياي أتخبط في "ملمس الوقت اللزج" وحدي. مشيتُ بخطى ثقيلة نحو موقف الحافلات، كانت الحافلة تقارب على الرحيل، ركضتُ بآلية واستقليتها، جلستُ بجانب النافذة وأسندتُ رأسي إلى الزجاج البارد. بدأتُ أفكر بمرارة: هل فعلتُ الصواب عندما كشفتُ عن حقيقتي العارية لذلك الطبيب الذي يدعى "مايكل"؟ هل سيستطيع حقاً ترميم ما حطمه الصمت، أم أنه سيصبح مجرد شاهد آخر على موتي البطئ؟ تنهدتُ بعمق بينما كانت الحافلة تشق طريقها في زحام المدينة، وأنا أغرق أكثر في زحام نفسي الذي لا يهدأالفصل المائة والثالث والستون: وَعْدُ الحَارِسِ... وَذُعْرُ الزَّوْجِ ✧***إِذَا ضَاعَ عَقْلُ الوَرْدِ فِي لَيْلِ مِحْنَةٍتَوَلَّى الوَفِيُّ حِمَايَةً وَتَسَتَّرَاوَمَا كُلُّ مَنْ يَبْكِي يُرِيدُ شَفَقَةًفَقَدْ يَبْكِي الأَسَدُ الَّذِي مَا تَكَسَّرَاإِذَا رَدَّتِ الأَيَّامُ طِفْلًا لِأَهْلِهِتَحَيَّرَ قَلْبٌ بَيْنَ مَا كَانَ وَانْدَثَرَاوَيَبْقَى الوَفَاءُ عَلَى العُهُودِ مُقَدَّسًاوَلَوْ حَاصَرَتْهُ الفِتَنُ... وَتَكَاثَرَاظلَّ آرثر واقفاً في مكانه......لم يتحرك. لم ينبس ببنت شفة.كانت أصابعه ترتجف ارتجافاً خفياً لا يراه إلا من يعرفه حق المعرفة، فوق زناد بندقيته الساخنة، بينما بقيت عيناه تحدقان في الفراغ أمامه، كأن عقله، عقل المحارب الذي خاض مائة معركة، يعجز عن استيعاب معركةٍ واحدة... معركة ذاكرة أميرته.وراء ظهره...كنت أنا.أميرته الضائعة .الأميرة الصغيرة التي حملها يوماً على كتفيه لتشاهد احتفال الربيع من فوق أسوار القصر، والتي كانت تضحك وتشد شعره بيديها الصغيرتين... والتي وعدها يومها، وهو يركع على ركبة واحدة، بأن يحميها ويخلص لها حتى آخر نفس.الأميرة التي كانت تختبئ خل
الفصل المائة والثاني والستون: طِفْلَةُ العَرْشِ... وَدُمُوعُ الحَارِسِ ✧***إِذَا عَادَتِ الذِّكْرَى بِقَلْبِ مُعَذَّبٍتَصَدَّعَ صَخْرُ الصَّبْرِ وَانْهَارَ مَا سُتِرَاوَمَا كُلُّ دَمْعٍ يَنْهَمِلُ مِنْ مُقْلَةٍضَعْفٌ... وَلَكِنْ بَعْضُهُ أَوْجَعُ الخَبَرَاإِذَا نَادَتِ الطِّفْلَةُ حَارِسَهَا الوَفِيَّأَجَابَتْهَا أَرْوَاحُ الوَفَاءِ وَمَا غَدَرَاوَيَبْقَى الأَمِينُ عَلَى العُهُودِ مُرَابِطًاوَلَوْ شَابَ رَأْسٌ... وَأَثْقَلَ العُمْرُ الأَثَرَا...ساد القصر صمتٌ ثقيل... صمتٌ جنائزي.صمتٌ بدا وكأن الزمن نفسه خضع له، وانحنى أمامه على ركبتيه. فلم تعد تُسمع في تلك الغرفة سوى فرقعة الأخشاب المحترقة في الأروقة البعيدة، وهدير النيران وهي تلتهم ما تبقى من أجنحة القصر، وأنفاس رجالٍ يبكون بصمت.أما أنا...فكنت أحدق في الوجوه المحيطة بي بعينين يملؤهما الذعر الصافي، ذعر طفلةٍ استيقظت لتجد نفسها في أرضٍ لا تعرفها.وجوه...لا أعرفها.وجوهٌ غريبة، ملطخة بالدم والرماد، تقترب مني، تناديني باسمي، باسمي أنا، بينما قلبي يرفض تصديق أنها تنتمي إلى عالمي. عقلي يصرخ أن هذا كابوس ..كابوس حقيقيتراجعتُ
الفصل المائة والحادي والستون: نَهْضَةُ الوَرِيثَةِ... وَصَوْتُ الدَّمِ ✧***إِذَا نَادَى الدَّمُ العَرِيقُ وَرِيثَهُأَجَابَتْهُ أَرْوَاحُ الجُدُودِ وَأَبْصَرُواوَمَا مَاتَ حَقٌّ فِي الزَّمَانِ وَإِنَّمَايُؤَخِّرُهُ الدَّهْرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُإِذَا انْفَكَّ خَتْمُ السِّرِّ عَنْ صَدْرِ وَارِثٍتَهَاوَتْ حُصُونُ الكَذْبِ وَانْهَارَ السِّتْرُوَيَبْقَى دَمُ الأَحْرَارِ يَكْتُبُ عَهْدَهُوَلَوْ أَطْبَقَتْ فَوْقَ الرُّؤُوسِ المَقَابِرُ...ساد القصر صمتٌ غريب، عجيب، صمتٌ لم يعرفه منذ أن شُيّدت جدرانه قبل ثلاثة قرون.لم يعد يُسمع سوى خشخشة الأخشاب المشتعلة في الأجنحة البعيدة، وهدير النيران وهي تلتهم الستائر المخملية، وتكسر زجاج النوافذ، بينما بقي الجميع جامدين في أماكنهم، كتماثيل شمعية نُسيت في معبدٍ محترق، كأن الزمن نفسه توقف عن الدوران احتراماً لما يحدث.أما أنا...فلم أعد أشعر بشيء.اختفى الألم الذي مزق عروقي قبل لحظات، واختفى معه صراخي، حتى ذلك النبض الأزرق المجنون الذي كان يهز جسدي كزلزال هدأ شيئاً فشيئاً، وتحول إلى دفءٍ هادئ، لطيف، كبحرٍ ثار طويلاً ثم استسلم أخيراً للسكون واستقر
الفصل المائة والستون: نَبْضُ الدَّمِ... وَخَتْمُ اللَّعْنَةِ ✧***إِذَا صَاحَ دَمُ الحَقِّ فِي جَسَدِ الوَرِيثِتَهَاوَى زَيْفُ الخِدَاعِ وَانْكَشَفَ السِّتْرُوَمَا كُلُّ بَلَاءٍ يَقْتُلُ الرُّوحَ فِي المَهْدِفَقَدْ يَصْنَعُ الأَلَمُ القُلُوبَ إِذَا صَبَرُواإِذَا أَفْصَحَ التَّارِيخُ عَمَّا طَوَاهُ دَهْرًاتَبَدَّدَ لَيْلُ البَاطِلِ المُسْتَتِرُوَيَبْقَى الوَرِيثُ وَإِنْ تَكَسَّرَ جَسَدُهُيُقَاتِلُ حَتَّى آخِرِ النَّفَسِ وَيَنْتَصِرُ...ظلَّ الضوء الأزرق ينبض فوق القلادة الملتصقة بعنقي كقلبٍ ثانٍ حُشر في صدري قسراً.لم يكن ضوءاً... كان نبضاً حياً.كل نبضةٍ كانت تمزق جسدي من الداخل، ترسل موجةً من النار الباردة تسري في عروقي، حتى خُيّل إليَّ أن عظامي تتشقق واحدة تلو الأخرى، وأن دمي لم يعد دماً، بل معدناً منصهراً يغلي ويُصهرني معه كانت كل لحظة تمر كنت أشعر بأني أتمزق وأتبعثر لم يسعني إلا الصراخ وكنت بالفعل أصرخبل وأصرخ كثيراً صراخٌ حاد، مبحوح، يكاد يقطع أحبالي الصوتية، صراخٌ لم أعد أسمعه أنا نفسي من شدة الألم.لم أعد أسمع صوت المعركة، ولا صراخ الجنود الذين بدأوا ينسحبون واحدا ت
الفصل السادس: "تراتيل الغبار وعواء الذئب الساكن"***يَا حَامِلَ الهَمِّ.. هَلْ لِلرُّوحِ مُتَّسَعُ وَفِي زَوَايَا الحَشَا.. نِيرَانُ تَنْدَلِعُ أَمْشِي وَظِلِّي.. عَلَى الجُدْرَانِ يَنْكَسِرُ وَفِي عُيُونِي.. كُلُّ الصَّبْرِ يُنْتَزَعُ نَادَيْتُ مَنْ رَحَلُوا.. وَالصَّوْتُ يَرْجِعُ لِي كَأَنَ
الفصل الخامس: "في أمتار الروح الأخيرة"!! يَقُولُونَ صَبْرًا.. وَالحَرِيقُ بِأَضْلُعِي وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ يُطْفِئُ مَا مَعِي؟ أَنَا المَوْجُ بَعْدَ الجَزْرِ.. حَلَّ نَحِيبُهُ أَنَا النَّايُ.. مَهْمَا غَنَّ لَيْسَ بِمُسْمِعِي رَحَلْتُمْ.. وَخَلَّفْتُمْ فُؤَادًا مُمَزَّقًا يُسَائِلُ عَنْكُمْ..
الفصل الرابع: مأساة "المرأة الحديدية"***أَنَا غُرْبَةٌ مَلأَتْ كِيَانِيَ بَعْدَمَا فَقَدَ الفُؤادُ مَنَارَهُ وَمُرْشِدَهْ يَمْشِي النَّهَارُ عَلَى جِرَاحِي نَازِفًا وَاللَّيْلُ يَبْسُطُ فِي حَنَايَايَ يَدَهْ أَنَا لَوْعَةٌ خَفِيَتْ عَنِ الأَبْصَارِ بَلْ صَارَتْ لِقَلْبِيَ مَنْزِلًا وَمَرْصَد
الفصل الثالث: زلزال "اللا" الأخير!!***خُذْنِي إلَيْكَ فَإِنَّنِي الحُزْنُ الذِي مَا عَادَ يَقْوَى أَنْ يَعِيشَ بِمُفْرَدِهْ أَنَا ذَلِكَ الصَّمْتُ المُعَذَّبُ فِي المَدَى أَنَا طَائِرٌ.. حَرَقَ الزَّمَانُ لَهُ يَدَهْ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ سَكَبْتُ مَوَاجِعِي وَبَنَيْتُ مِنْ أَرَقِي.. جِدَاراً
Ulasan-ulasanLebih banyak