تسجيل الدخولكانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...
انتبهت حينما كسر الرنين المفاجئ لهاتفٍ صمت الغرفة، التفتت بفزع نحو مصدر الصوت، عيناها اتسعتا وهي تحدق في الهاتف المستقر فوق المنضدة بجانب النافذة، لم يكن هاتفها ولا تعرف من وضعه هنا!
يدها امتدت ببطء نحوه، ترددت للحظة وهي ترى الرقم المجهول الذي ظهر على الشاشة....
شعرت بنبضات قلبها تتسارع بشكل مؤلم، يدها ارتجفت بينما ضغطت على زر الإجابة دون تفكير، رفعت الهاتف إلى أذنها وكل ذرة في كيانها تتأهب لما سيأتي....
– ملك...
جاء الصوت من الطرف الآخر كأنه شبحٌ من الماضي:
– أنا معاذ.
تجمدت ملك في مكانها وكل شيء من حولها بدا وكأنه توقف فجأة، دموعها التي كانت محبوسة في عينيها منذ فترة انفجرت بلا تحكم:
– معاذ! أرجوك، أسرع وأنقذني… الحقني يا معاذ!
الصوت على الطرف الآخر حمل ندمًا ثقيلًا:
– اهدئي يا حبيبتي، وتكلّمي بهدوء… ما الذي حدث؟
لم يكن معاذ قادرًا على تهدئة الألم الذي عصف بها، انفجرت الكلمات من فمها دون أن تتحكم بها:
– لقد تم اختطافي يا معاذ! هذا ما حدث، أتفهم ما أعنيه؟ كنت وحدي تمامًا، أحتاج من يقف إلى جانبي... أين كنت؟ لماذا تركته يأخذني؟
تلاحقت أنفاسها ويدها المرتجفة كانت بالكاد قادرة على الإمساك بالهاتف، بينما كان معاذ يشعر بالتوتر من الطرف الآخر استمر في محاولة التحدث بصوت مطمئن وهو جاحظ العينين لا يصدق ما يسمعه منها:
– ملك، أرجوكِ أن تصغي إليّ… أنا لا أفهم ما تقولين، ماذا تعنين بأنكِ اختُطفتِ؟!
كانت ملك جالسة على الأرض وجهها مليء بالدموع والصدمة وقد صاحت بغضب:
– وهل لكلمة "اختُطفت" معانٍ متعددة؟! كنت في حفل خطوبتي، وفجأة وجدت نفسي هنا! كيف تقول لي هذا؟! ألم يشعر أحد بغيابي؟!
توقفت تلهث وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها قائلة بخفوت:
– أم أنت قد.. اتفقت معه ؟!
ثم أدركت شيئًا هامًا جعلها تصمت لحظة ثم أعادت الهمهمة قائلة بتفكُر:
– هذا ليس هاتفي أصلًا، ولا أعلم كيف وصل إلى هنا، ومن أين حصلت على رقمه؟!
نطقت بصدمة ودموعها تتساقط مدرارًا على وجنتيها:
– معاذ... ماذا فعلت بي؟!
حاول معاذ أن يحتفظ بهدوئه، كأنه يسير على حبل مشدود وقال بصوت عميق ومليء بالثقل:
– ملك، مالك لم يختطفكِ، وكل ما تقولينه الآن يعني أنكِ لا تذكرين شيئًا مما حدث، ولا أملك تفسيرًا لذلك ولا أعلم كيف حدث هذا...
مالك تزوجكِ أمام أهلنا جميعًا، وبموافقتكِ الكاملة، وكان أبي شاهدًا على هذا الزواج.
بدت كلماته وكأنها سيف يمزق وعيها!
لوهلة شعرت بأن العالم من حولها يتلاشى، ارتجفت أنفاسها وخرج صوتها مبحوحًا بالكاد يُسمع:
– أنتَ... ماذا تقول؟! أبي... كان هناك؟!
وأنا... وافقت؟!
هذا مستحيل!
لا يُعقل أنني فعلت ذلك بإرادتي!
نبرته كانت ثابتة لكنها لم تخلُ من الحزن والدهشة وهو يرد عليها:
– نعم، يا ملك... بل لم توافقي فحسب، بل كنتِ أنتِ من بادر بكل ذلك، أبي ما كان ليرضى بأمرٍ كهذا، إلا بعدما رأى فيكِ اقتناعًا كاملًا لا شكّ فيه.
تراجعت ملك ببطء وكأن كلمات معاذ تحمل أثقالًا تُجبرها على الانحناء، قبضت يدها على الهاتف وعيناها تتسعان بدهشة ممزوجة برفض عميق، هتفت بصوت يحمل بين طياته غضبًا وقلة تصديق:
– أنت تكذب! كلكم تكذبون!
من المستحيل أن أكون قد وافقتُ على أمرٍ كهذا!
أأنت تحاول خداعي؟ تريدني أن أُصدّق أكاذيب مالك… كما صدّقتها أنت؟!
رد معاذ محاولًا السيطرة على التوتر المتصاعد:
– ملك، أنا أدرك أن الأمر ثقيلٌ عليكِ، خاصة بعدما علمتِ أنه متزوجٌ من ثلاث، وله مِلك يمين، وربما هذا ما جعلكِ مشوشة...
لكن عليكِ أن تهدئي وتحاولي أن تُفكّري بعقلٍ صافٍ، فما حدث جرى أمام أعين الجميع، والجميع شهد عليه.
صراخها انفجر كبركان غاضب، يملأ الفراغ من حولها:
– لستُ بحاجةٍ إلى التفكير! كلُّ شيءٍ واضحٌ أمامي! مالك اختطفني، واستغلكم جميعًا، وأنتم تركتموني وحدي لأنكم تخافونه! لا تظنّوا ولو للحظة أنني قد أُصدّق كلمةً واحدةً مما تقولونه!
أغلقت المكالمة بعنف ودفعت الهاتف بعيدًا عنها، جلست وهي ترمي بجسدها على الأرض، يداها ترتعشان وعقلها لا يهدأ، كانت كلماته تطرق رأسها كجرس متكرر وكل ما شعرت به كان مزيجًا من الصدمة والخوف والغضب العارم...
رن الهاتف مرة أخرى، صوته كان يقطع السكون المشحون من حولها، نظرت إليه بتردد ثم أمسكته و أجابت بصوت مثقل بالمرارة والانكسار:
– ماذا تريد ثانية، يا معاذ؟ أترغب في الدفاع عن الخيانة التي ارتكبتموها بحقي؟
كان صوت معاذ على الجانب الآخر أكثر هدوءًا، لكنه حاد كالسيف:
– ملك، أنا لا أدافع عن أحد… أنتِ أختي الوحيدة، وأغلى ما أملك في الدنيا، وأبي… أنتِ تعرفين مكانتك عنده، تعرفين جيدًا.. ولا أصدق أنكِ تظنين أننا بعناكِ لمالك، أو أننا خفنا منه وسكتنا.
كان عقله يكاد ينفجر من التفكير وهو يردف:
– لا بد أن تصدقي أن ما أقوله هو الحقيقة، حتى وإن بدا لكِ غريبًا أو غير منطقي، لكنه ما حدث فعلًا، وأنتِ وحدكِ التي لا تتذكرين.
قاطعت كلماته بصراخ مشحون بالوجع:
– أيّ حقيقةٍ تعني؟! أنّكم وقفتم مع مالك ضدي؟! أنّكم سلّمتموني إليه؟!
– معاذ، كنتُ في خطبتي، وكنتُ أُعدّ لحياةٍ جديدة… وفجأة أفتح عيني فأجد نفسي هنا؟!
– ثمّ تأتي وتقول إنني وافقت على الزواج منه؟!
مستحيل!
تردد للحظة وكأن الكلمات تخونه ثم قال بصوت عميق محاولًا السيطرة على انفعالاته:
– ملك... إنني أُقدّر تمامًا ما تشعرين به، لكن ما حدث كان بإرادتك، ولو لم يكن مالك يرفض التصوير بشكلٍ قاطع، لالتقطت لكِ صورة وأنتِ معه، وبحضور المأذون بينكما..
مالك لم يكن ليجرؤ على الإقدام على أمرٍ كهذا وأنتِ ترفضينه.
كانت كلماته كأنها خناجر تغرس في صدرها، ارتجفت، شعرت بأنفاسها تضيق، تمتمت بصوت مبحوح مليء بالإنكار:
– هذا غير ممكن... أنت تكذب! لا يمكن أن أكون قد وافقت! لا يمكن أبدًا!
حاول تهدئتها مرة أخرى لكن نبرته بدت أقل ثقة هذه المرة:
– يا ملك، أنتِ بحاجة إلى وقتٍ لتفكّري بهدوء وتسترجعي ما حدث جيدًا، يبدو أنكِ فقدتِ جزءًا من ذاكرتك، ولا أفهم كيف حدث ذلك، لكن ما جرى سيبقى الحقيقة، ولن يتغيّر.
أغلقت المكالمة مجددًا ودون أن تسمع حرفًا أخر منه، ولكن هذه المرة كانت تعاني من أعمق بالانكسار، ألقت الهاتف بعيدً وأخذت تحدق في الفراغ، كانت كل كلمة قالها معاذ تمزقها ببطء وكأنها سم زاحف يغزو كيانها...
اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
في هذه الأثناء، في الطابق السفلي من القصر، كانت غرفة العمليات أشبه بخلية نحل يغلي داخلها التوتر.الشاشات الضخمة كانت تعرض مسارات متحركة لنقاط حمراء تقترب ببطء ولكن بثبات عبر الطرق الوعرة المحيطة بالجرف الصخري الذي يقع عليه القصر.انفتح باب غرفة العمليات بعنف، ودخل مالك بخطوات عاصفة، تاركاً خلفه ملك في الغرفة بعد أن أصدر أوامر صارمة لثلاثة من أفضل حراسه الشخصيين بعدم مفارقة باب غرفتها تحت أي ظرف من الظروف، وتأمين المخرج السري للحالات الطارئة.توقفت الأعين كلها عند دخوله.كان قد خلع معطفه، وشمّر عن ساعديه، وظهر مسدسه الشخصي المثبت في غمد جلدي تحت إبطه، مظهراً استعداده الكامل للمواجهة الحتمية.تقدم نحو الطاولة الرئيسية التي يتوسطها مجسم رقمي ثلاثي الأبعاد للقصر والمناطق المحيطة به.نظر إلى رئيس الفريق الأمني وقال بنبرة عسكرية قاطعة لا تقبل الجدال:— أين أصبحت الفرق التي أرسلناها؟ هل تم تطويق الإحداثيات التي حددتموها؟تقدم الضابط المسؤول، والتعرق يبدو واضحاً على جبينه رغم برودة التكييف في الغرفة، وأشار بيده إلى نقطة محددة على الخريطة الرقمية:— سيدي،
عاد الصمت ليحتل ممرات القصر، لكنه لم يكن ذلك الصمت الذي يبعث على السكينة، بل كان صمتًا يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، صمتًا محملًا برائحة البارود غير المرئي، والذكريات الميتة التي عبعبَت في أركان المكان إثر تلك الصورة اللعينة التي ظهرت على الشاشة.تحرك مالك خطوة تلو الأخرى نحو الغرفة التي ترك فيها قلبه، ونصفه الآخر، وامرأته التي جاهد طويلاً ليحميها من شياطين عالمه.كانت ملامحه قد تحجرت، وكأنها نُحتت من صخر صوانٍ بارد، يداه اللتان كانت تنبضان بالدفء قبل قليل استقرتا الآن في جيبي معطفه، وقد انقبضت أصابعه بقوة حتى كادت أظافره تخترق جلده.في عقله، كانت طبول الحرب تُدق بعنف.الرجل الذي ظن أنه واره الثرى مع ماضيه الأليم، الرجل الذي دفع من عمره ودمه ليغلق ملفه، عاد ليتنفس من جديد، عاد ليقف على بُعد مسافة لا تتجاوز خطوة واحدة من عرينه.توقف أمام باب الغرفة.أدار المقبض ببطء، وكأنه يخشى أن ينقل عدوى القلق والخراب الذي يغلي في صدره إلى داخل هذا الملاذ الصغير.حين انفتح الباب، كانت ملك لا تزال واقفة في مكانها عند الشرفة، كتمثال من مرمر صاغته يد فنان هائم.لم تكن
(2)دخل يامن الغرفة فجأة كما لو كانت الرياح تدفعه بقوة، تسارعت خطواته بطريقة تُعبر عن كل ما يعصف به من غضب وكراهية، كان وجههُ مشدودٌ وعيناه غارقتان في عاصفة من الغضب، لكن لسانه كان عاجزًا عن إطلاق الكلمات في البداية، أغلق الباب خلفه بعنف حتى أن الصوت الذي خرج من إطباقه قد انتزع الحياة من الغرفة..ك
الهواء كان يملأ أروقة القصر كأنه يحمل ثِقل اللحظة، ومالك يتقدم بخطوات واثقة رغم الهدوء القاتل الذي يغمر المكان، السجاد الفاخر تحت قدميه لا يصدر صوتًا لكنهُ شعر بصداه في قلبه، كان هاتفه في يده اليمنى أنامله تحيط به بحذر كأنه يزن الكلمات التي عليه قولها قبل أن يبدأ المكالمة، ضغط على اسم معاذ ثم قرّب
في غرفة مظلمة وسط مكان لا يعرفه إلا من اختبر تلك الطرق السرية، كانت الأجواء مشحونة برائحة العرق والبارود، والإضاءة الخافتة تكشف فقط عن ملامح الوجوه المشدودة، والخوف المبطّن بالغضب..وفي منتصف الغرفة، تصاعد صوت اصطدام قوي، تبعه تدافع وهمسات عالية، قبل أن ينفجر أحدهم صارخًا:- هذه ليست الصفقة التي ات
تراجعت بخطوات ثقيلة إلى داخل غرفتها، تُغلق باب شرفتها خلفها وكأنها تُغلق بابًا على مشاعر وأفكارٍ أرادت أن تهرب منها مرارًا، جلست على حافة الفراش حيث أغطية الحرير التي تحمل عبق الصعيد تحتضنها كأنها تذكّرها بأنها هُنا بعيدة عن كل ما عرفته يومًا، أراحت رأسها على كفيها تأخذ نفسًا عميقًا بدا وكأنه محاول







