Masukلم تكن إيلي تتخيل أن ليلة واحدة قادرة على تحطيم حياتها بالكامل. اختُطفت من عالمها الهادئ، لتجد نفسها أسيرة في منزل رجل غامض لا تعرف عنه شيئًا… رجل لا يشبه البشر، ولا يرحم ضعفها. في تلك الليلة سُلب منها كل شيء… حريتها، أمانها، وحتى براءتها. لكن ما لم تعرفه إيلي بعد، أن ما حدث لم يكن مجرد جريمة عابرة… بل بداية قدر قديم ارتبط باسمها منذ زمن طويل. قدرٌ سيجعلها هدفًا لقوى خفية، وأسرار دفنتها النبوءات لسنوات. فهل ستبقى مجرد ضحية… أم ستتحول إلى أخطر ما يخشاه الجميع؟
Lihat lebih banyakبينما كانت تسير ببطء على الطريق الضيق، بدأت تغني لنفسها أغنيتها المفضلة بصوت خافت، تمشي وحدها وسط الظلام الكثيف، غير آبهة بصمت الغابة الذي يحيط بها.
وتساءلت في سرها بسخرية هادئة: ماذا يتساءل الجميع دائمًا؟ ولماذا يندهشون لأنها تسير كل ليلة في هذا الطريق المظلم المخيف الممتد بين منزلها والقرية؟ كانت تعرف جيدًا ما يهمسون به خلف ظهرها، فقد اعتادوا الحديث عنها كلما ذكروها، عن المرأة العجوز التي تعود كل ليلة عبر الطريق المهجور وسط الغابة. في الحقيقة كانت تسلك هذا الطريق المخيف لأنه الأقصر، فهي امرأة عجوز لم تعد قدماها تتحملان المسافات الطويلة، والطريق الآخر أطول بكثير رغم أنه أكثر أمانًا. أما السبب الثاني فكان أبسط مما يتخيلون جميعًا، فهي تمشي في ذلك الظلام الدامس دون خوف لأنها ببساطة لا تستطيع رؤية الفرق بين النور والظلام. صرخت بصوت خفيض يحمل سخرية مريرة: من أجل القديسين… أنا عمياء، لا أرى شيئًا أصلًا. كانت روحها تسخر في صمت من ضيق أذهان أولئك الذين يعيشون في القرية، أولئك الذين يخافون كل شيء، وأحيانًا يخافون أشياء لا وجود لها. توقفت فجأة عن السير، فقد التقطت حواسها المدربة تغيرًا خفيفًا في الهواء من حولها، إحساسًا غامضًا جعل جسدها كله يتنبه كأن خطرًا يقترب. شدت أصابعها بقوة حول رأس العصا التي تحملها، تلك العصا المنحوتة على هيئة ثعبان محنط، بينما ارتفعت أذناها تلتقطان أدق الأصوات في الظلام. كان سمعها حادًا بصورة غير طبيعية، ولذلك التقطت بوضوح وقع خطوات خافتة تتحرك حولها في الظلام، خطوات حاول صاحبها أن يخفيها. أدركت فورًا أنها لم تعد وحدها في هذا الطريق، فرفعت وجهها المتجعد نحو السماء المظلمة، وشعرت باضطراب سريع في حركة الهواء حولها لثوانٍ قليلة. كانت لارا تبلغ من العمر سبعين عامًا، لكنها عاشت من الرعب والأسرار ما يكفي لعدة أعمار، لذلك لم يكن الخوف شعورًا جديدًا عليها. قالت بصوتها العميق بلغتها الأم القديمة: مرحبًا بك… لقد عدت بعد خمسين عامًا، لكنني لا أستطيع القول إنني سعيدة بلقائك مرة أخرى. جاءها صوت هادئ بارد من الظلام: كما اتفقنا يا لارا… قبل نصف قرن وعدتِ أن تخبريني اليوم بما أريد معرفته. تذكرت لارا كل كلمة قالتها لذلك الرجل منذ عقود طويلة، حتى تلك النبوءة التي كانت تتمنى لو لم تنطق بها أبدًا. كانت تعلم أن تحقيق تلك النبوءة سيقود إلى مصير مظلم لفتاة بريئة، فتاة لا ذنب لها في كل ما سيحدث. لكنها أيضًا مدينة لهذا الرجل بحياتها، فقد أنقذها في ذلك اليوم المشؤوم قبل خمسين عامًا عندما كانت على وشك الموت. صحيح أنها فقدت بصرها في ذلك اليوم، لكنه أنقذ روحها من ظلمة شر رهيب كان يقترب منها في تلك اللحظة. قالت بحزن وشفقة: إنها بريئة من كل هذا، ولا علاقة لها بما تريد أن تمتلكه. جاءها صوته ساخرًا، مغلفًا بنعومة خطيرة تخفي قوة لا يستهان بها: وهل تعتقدين أن البراءة والرحمة لهما مكان في عالمنا… أيتها الساحرة؟ بالطبع لا مكان لهما في عالمنا. تنهدت لارا ببطء، فهي تعلم جيدًا أن قلبه المظلم لا يعرف الشفقة، وأن رفضها سيكلفها روحها فورًا. قالت بصوت غامض منخفض: ستجد ما تبحث عنه في الغرب… عند مقبرة الطائرات المشؤومة… ولكن احذر جيدًا. وفي اللحظة التي نطقت فيها كلماتها اختفى لون عينيها تمامًا، وتحولتا إلى بياض خالص بلا بؤبؤ، كأن روحًا أخرى استيقظت داخل جسدها. بدأ الضباب يتجمع حولها فجأة، وتضاعف صوتها بشكل غريب، كأن شخصين يتحدثان من داخل جسد واحد في اللحظة نفسها. قال الصوتان معًا بصدى مخيف: احذر أيها الخالد… إن لم تحصل على ما تريد قبل اكتمال القمر القادم، فلن تحصل على شيء… وستفقد كل شيء. ساد الصمت للحظة قصيرة، وكأن الغابة نفسها توقفت عن التنفس. ثم أكمل الصوتان معًا: مع اكتمال القمر القادم ستخرج اليرقة من شرنقتها… وستطير بعيدًا عن يديك ومخالبك القاسية إلى الأبد. أغمضت لارا عينيها بقوة، واختفى البياض فجأة من عينيها، وكأن الروح الغريبة التي سكنت جسدها قد غادرته. وبسرعة غير طبيعية بدأ الضباب يتلاشى من حولها، فعرفت فورًا أن الشيطان قد رحل. كانت تشعر أنه أسرع من الريح الآن، مندفعًا نحو هدفه للحصول على ما يريد… حتى لو كان ثمن ذلك حياة تلك الفتاة المسكينة. وقفت لارا في مكانها لحظات طويلة قبل أن تتحرك أخيرًا نحو منزلها العتيق في عمق الغابة. تمتمت لنفسها بصوت حزين: يا له من مصير مظلم ينتظرك يا إيلي… أيتها الفتاة المسكينة. كانت تعرف أن الفتاة تعيش في مدينة بعيدة، مدينة سجنوها فيها سنوات طويلة دون أن يعرف أحد حقيقتها. وصلت لارا إلى منزلها القديم، ووقفت أمام الباب الخشبي تنظر إلى القمر المعلق في السماء. همست بصوت خافت: حان وقت تحقيق النبوءة. انتهى طريق لارا المظلم عند باب منزلها، لكن طريقًا أكثر ظلمة بدأ في اللحظة نفسها لفتاة أخرى لا تعرف شيئًا عن المصير الذي يقترب منها. لم تكن لارا تعرف النهاية الحقيقية لذلك الطريق، خاصة عندما يكون الصياد رجلًا خرج من قلب الجحيم نفسه.شهقت مايا واتسعت عيناها حتى خُيل إليه أنها نسيت كيف تتنفس.بقيت تحدق فيه، بينما ارتجفت شفتاها بعنف.ثم خرج صوتها همسًا يكاد لا يُسمع:أخت؟أومأ برأسه، وابتسم ابتسامة امتزج فيها الفرح بالحسرة.نعم...شقيقتك التوأم وُلدتما في الليلة نفسها وفرق بينكما القدر في اليوم نفسه.انهمرت دموع مايا من جديد وضعت يدها على فمها وهي تهز رأسها بعدم تصديق.إذن...لم أكن وحدي؟ لم أكن يتيمة حقًا؟ كان لي عائلة. كان لي أخت طوال هذه السنوات؟قال مكسيم وعيناه تفيضان بالدموع:لم تكوني وحدك يومًا.. كان لكِ أب يبحث عن سبب الفراغ الذي يسكن قلبه دون أن يعرف أنه يبحث عن ابنته وكان لكِ أخت كبرت وهي لا تعلم أن نصف روحها مفقود.شهقت مايا، وانفجر البكاء من صدرها مرة أخرى.كانت تبكي بحرقة، وكأن كل سنوات الوحدة خرجت دفعة واحدة.كم مرة وقفت خلف نافذة الملجأ تراقب الأطفال يركضون إلى إخوتهم؟كم مرة جلست وحدها في الأعياد، تتمنى فقط أن يكون لها شخص واحد تناديه باسمها بحب؟كم مرة تخيلت، قبل أن تنام، أن لها عائلة في مكان ما...ثم كانت تستيقظ لتقنع نفسها أن الأحلام لا تتحقق؟ واليوم...اكتشفت أن كل ما كانت تتمناه...كان حقيقيًا. لكن ا
بينما وعلى الجانب الآخر...كان مكسيم يعبر مع مايا أحد الممرات القديمة التي لا تظهر إلا في الليالي التي يكتمل فيها نور القمر، وكانت أشجار الصنوبر العتيقة تمتد على جانبي الطريق كحراس صامتين، تتمايل أغصانها مع الريح، بينما يغمر الضوء الفضي الأرض فيرسم أمامهما طريقًا بدا وكأنه خُلق منذ آلاف السنين انتظارًا لهذه الليلة.لم يكن بينهما حديث ولم يكن الصمت بينهما صمت راحة بل كان صمتًا مثقلًا بعشرين عامًا من الفقد، وعشرين عامًا من الذنب، وعشرين عامًا سرقتها تعويذة واحدة من قلب أبٍ وأمٍ وطفلتين.سارا خطوات طويلة.ثم...توقف مكسيم فجأة.شعرت مايا بحركته، فتوقفت هي الأخرى، والتفتت إليه باستغراب.كان ينظر إليها.لا...كان يحاول أن يحفظ ملامحها.ملامح ابنته التي حُرم من رؤيتها وهي تخطو أولى خطواتها... وهي تنطق أولى كلماتها... وهي تكبر عامًا بعد عام بعيدًا عنه.ارتجفت أنفاسه.ولأول مرة منذ رأته...رأت مايا الدموع تلمع في عينيه.خفض رأسه قليلًا، ثم قال بصوت خرج مبحوحًا، كأنه ينتزع الكلمات من قلبه انتزاعًا:-هناك حقيقة... لم يعد يحق لي أن أخفيها عنك أكثر من ذلك.ظل قلبها يخفق بعنف.لا تعرف لماذا...لكنها ش
في اللحظة نفسها التي كان فيها مكسيم يعبر البوابة برفقة مايا، كانت ليلة أخرى تثقل فوق قلب إيلي.لم يغمض لها جفن منذ رحيل كتياس.كانت تجلس وحدها قرب النافذة، بينما يتسلل ضوء القمر إلى الغرفة فيرسم خيوطًا فضية على الأرض، لكن حتى ذلك الضوء بدا عاجزًا عن اختراق الظلام الذي استقر داخلها.منذ أن تركها...لم تستطع أن تستعيد أنفاسها.كلما أغمضت عينيها، عاد صوته يهمس في أذنها، وعادت كلماته، وعاد ذلك الشعور القاسي الذي انتزع منها إحساسها بالأمان.ضمت ذراعيها حول جسدها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من الارتجاف، لكن جسدها خانها مرة أخرى.لم تكن ترتجف من البرد...بل من الذكرى.انحدرت دمعة فوق خدها دون أن تشعر.ثم تبعتها أخرى ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم تحاول أن تخفي بكاءها.خرج صوتها مكسورًا، يكاد لا يُسمع:- لماذا أنا؟ظل السؤال معلقًا في صمت الغرفة.لا أحد أجابها.لكن عقلها أعاد إليها آخر ما قاله كتياس قبل أن يرحل..."الأريتريا... عند الملكة."أغمضت عينيها بقوة. هل يكون خلاصها هناك؟ هل تذهب بنفسها؟هل تخاطر بحياتها لتسرق الأريتريا قبل أن يعود إليها مرة أخرى؟إن كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة لتتح
لم تستطع مايا أن تحبس دموعها أكثر. ما إن انتهى جاك من كلماته، حتى اندفعت نحوه دون تفكير، وارتمت بين ذراعيه كأنها تحتمي بقلبه من كل ما يحدث حولها.شدها إليه بقوة. قوة رجل يعرف أن اللحظة القادمة ستنتزع نصف روحه.دفن وجهه بين خصلات شعرها، وأغمض عينيه طويلًا.كان يحاول أن يحفظ رائحتها...دفء جسدها...ارتجافة أنفاسها...وكأن قلبه يخبره أن الفراق القادم لن يكون قصيرًا كما يتمنى.أما مايا، فقد كانت تسمع نبضات قلبه المتسارعة، وكل نبضة منها كانت تمزق شيئًا داخلها.همست بصوت اختنق بالبكاء: -سامحني...شدها إليه أكثر وقال بسرعة وكأنه يخشى أن تسمع كلمة أخرى غير هذه:-لا تعتذري...أرجوك لا تعتذري. أنتِ لم تخطئي في شيء.رفعت رأسها إليه.كانت الدموع تغطي وجهها وقالت:-أشعر وكأنني أتركك وحدك.ابتسم ابتسامة موجوعة، ثم رفع يده ومسح دموعها بإبهامه.-لا...أنتِ تذهبين حتى تعودي وأنا سأنتظر تلك العودة مهما طال الزمن.ارتجفت شفتاها.-وإذا تأخرت؟أجابها دون لحظة تردد:-سأظل أنتظر.-وإذا تغير كل شيء؟ابتسم بحزن.-سأبحث عنك من جديد.ولو اضطررت أن أعبر كل الممالك ولو حاربت العالم كله ولو بقيت وحدي فلن أتوقف حتى أج
ساد الصمت في الغرفة الثقيلة بعد تلك اللحظة المظلمة.بقيت إيلي ممددة فوق الفراش، تحدق في السقف بعينين زجاجيتين، وكأن عقلها يرفض استيعاب ما حدث للتو، بينما أنفاسها المضطربة وحدها تكسر سكون المكان.همست بصوت مبحوح، كأن الكلمات تخرج من جرح مفتوح داخلها:لقد امتلكني كما قال… وسلب مني كل ما أملك.ثم أدار
وفجأة ظهرت أنياب طويلة حادة بين أسنانه وتحول لون عينيه إلى رمادي بارد مخيف، بينما ازداد جلده شحوبًا، وغارت وجنتاه بحدة، ليصبح وجهه أقرب إلى قناع مرعب خرج من أسطورة مظلمة.شهقت إيلي بفزع وهي تراه ينقض على عنق السيدة بسرعة مفترس جائع، وغرز أنيابه في عروقها بلا رحمة، فانفجرت الدماء دافئة، تتدفق بينما
لم تحب إيلي الحفلات يومًا.الحفلات تعني الناس والناس تعني النظرات والهمسات والضحكات التي تعرف جيدًا أنها تدور حولها.لهذا اختارت الركن الأكثر ظلمة في القاعة، حيث لا يراها أحد تقريبًا، وتركت أضواء الحفل تلقي ظلالها على الجدار أمامها.هناك في تلك الظلال الراقصة، استطاعت للحظات أن تتخيل عالمًا آخر… عا
بينما كانت تسير ببطء على الطريق الضيق، بدأت تغني لنفسها أغنيتها المفضلة بصوت خافت، تمشي وحدها وسط الظلام الكثيف، غير آبهة بصمت الغابة الذي يحيط بها.وتساءلت في سرها بسخرية هادئة: ماذا يتساءل الجميع دائمًا؟ ولماذا يندهشون لأنها تسير كل ليلة في هذا الطريق المظلم المخيف الممتد بين منزلها والقرية؟ كا






Ulasan-ulasanLebih banyak