Share

لينا

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-05-14 22:19:27

بعض الناس يدخلون الغرفة ويملؤونها بوجودهم، وبعضهم يدخلون ويجعلونك تشعر أن الغرفة أصبحت أصغر بطريقة ذكية ومقصودة.

لينا كانت من النوع الثاني.

جاءت في العاشرة صباحاً بالضبط؛ لا دقيقة قبلها ولا دقيقة بعدها، وهذا وحده أخبرني شيئاً عن طبيعتها.

كانت في الثلاثين أو قريباً منها؛ طويلة، شعرها بني داكن مشدود للخلف بطريقة تقول إن المظهر أداة لا اهتمام. ترتدي معطفاً رمادياً ثقيلاً مناسباً لسيبيريا، لكنه لم يبدُ عليها كأنه أول مرة ترتديه. وعيناها كانتا رماديتين فاتحتين تنظران إليك بطريقة المحامي الذي يسمع
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • سيبيريت   اعتراف كمال

    الرجل الذي يشعر بالزلزال قبل أن تتحرك الأرض تحت قدميه فعلاً، يملك فرصة نادرة: أن يقرر أين يقف، قبل أن تقرر الأرض ذلك بدلاً منه. مرّت الأشهر التالية بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه بدأ يتسارع مع تسارع الأحداث من حولي. الاقتصاد، الذي كان يتدهور ببطء طوال الأشهر السابقة، بدأ ينهار بوتيرة أسرع وأكثر وضوحاً. قيمة العملة المحلية تراجعت بشكل حاد، وأصبحت طوابير الانتظار أمام محطات الوقود ومخابز الخبز مشهداً يومياً اعتاده الناس بمرارة صامتة. في الأسواق، لاحظتُ تغيّراً ملموساً في نظرات الناس — قلق أعمق، حديث أكثر جرأة عن أمور كان يُهمَس بها سابقاً فقط. شعرتُ بأن شيئاً جوهرياً يتزعزع، ليس فقط في دوائر السلطة العليا، بل في نسيج المجتمع نفسه. كمال أصبح أكثر انعزالاً في تلك الفترة. لقاءاتنا قلّت تكراراً، لكنها ازدادت كثافة وتوتراً حين تحدث. في أحد اللقاءات النادرة، وجدته يقف عند نافذة مكتبه، ينظر إلى دمشق بصمت طويل قبل أن يتحدث. «أتعرف يا يوسف، خدمتُ هذا النظام لأكثر من ثلاثين عاماً.» قالها بصوت بعيد، كمن يراجع حياة كاملة في لحظة واحدة. «رأيتُ أزمات كثيرة، وظننتُ أنني أعرف كل أنماطها. لكن هذه المر

  • سيبيريت   عزلة زياد

    الرجل الذي يهدد بكشف أسرارك، لا يفعل ذلك لأنه يملك يقيناً كاملاً، بل لأنه يأمل أن يدفعك للتراجع قبل أن يضطر لإثبات تهديده. جاءت الأزمة إلى ذروتها بعد ثلاثة أسابيع من التوتر المتصاعد. استدعاني عماد بشكل عاجل إلى لقاء سري، بعيداً عن مكاتبه المعتادة، في شقة صغيرة استخدمها مرة سابقة لاجتماعات حساسة. «التحقيق وصل إلى نقطة خطيرة،» قال بمجرد دخولي، بلا أي مقدمات. «أحد المحققين، رجل يعمل لصالح زياد بشكل غير مباشر، حصل على معلومة عن تحويل مالي مشبوه يربط بين شركتك وحساب في قبرص له صلة، وإن كانت بعيدة، بشبكتك البديلة.» شعرتُ ببرودة تسري في عروقي. «كيف وصل إلى هذا؟» «لا أعرف بالتحديد. ربما تسريب من مصدر داخلي، ربما تتبع دقيق لأنماط التحويلات. المهم الآن ليس كيف وصل، بل ماذا سيفعل بهذه المعلومة.» عدتُ إلى الفندق وأنا أحمل ثقل هذا الخبر، أحاول أن أحسب كل الاحتمالات الممكنة. إن وصل هذا الخيط إلى زياد بشكل كامل، فقد يستخدمه ليس فقط ضدي، بل ضد كمال نفسه، كاشفاً شبكة كاملة بُنيت بثقة استثنائية بيننا. اتصلتُ بكمال فوراً، ونقلتُ له كل التفاصيل. استمع بصمت تام، ثم قال بهدوء مقلق أكثر من أي انفعال

  • سيبيريت   صدوع تحت السطح

    الرجل الذي يسمع همسات الانهيار قبل أن يسمعها الآخرون، إما أنه يملك حدساً نادراً، أو أنه ببساطة أقرب من اللازم إلى مصدر الزلزال ليتجاهل الإشارات الأولى. مرّت الأسابيع التالية بتوتر متصاعد لم أعرف له مثيلاً منذ وصولي إلى دمشق. التحقيق الذي حرّكه زياد توسّع تدريجياً، لكنه ظل عاجزاً عن الوصول إلى أي شيء حقيقي بفضل الطبقات المعقدة التي بنيتُها حول كل عملية مالية. مع ذلك، شعرتُ بثقل المراقبة المستمرة — سيارات تتبعني أحياناً لمسافات قصيرة، مكالمات هاتفية يبدو أن خطها ليس آمناً كما كان، نظرات حذرة من بعض رجال الأعمال الذين اعتادوا التعامل معي بانفتاح أكبر. في خضم هذا التوتر، بدأتُ ألاحظ شيئاً آخر، أكثر إثارة للقلق من معركتي الشخصية مع زياد — توتر أوسع يتسلل إلى أحاديث الناس العاديين في المقاهي والأسواق. شكاوى متزايدة عن الأوضاع الاقتصادية، همسات حذرة عن خلافات داخل دوائر النظام، أسعار ترتفع بلا تفسير واضح، ونقص مفاجئ في بعض السلع الأساسية. التقيتُ عماد في أحد اللقاءات الروتينية، ولاحظتُ توتراً غير معتاد في طريقة كلامه. «الأمور تتغيّر يا يوسف،» قال بصوت أخفض من المعتاد، حتى رغم أننا كنا و

  • سيبيريت   العاصفة تبدأ

    الرجل الذي يظن أنه ترك الحرب خلفه ليستريح أياماً قليلة، يتعلم أن الحرب لا تأخذ إجازة لمجرد أن أحد أطرافها قرر أن يزور أمه. في اليوم السابع من إقامتي في حلب، اتصل بي ألكسي بصوت متوتر لم أعهده فيه من قبل. «يوسف، تحتاج العودة إلى دمشق. الآن.» شعرتُ بثقل فوري في صدري. «ماذا حدث؟» «زياد. لم يبتلع خسارته بصمت كما توقع الجنرال. حرّك بعض معارفه في الجمارك والضرائب، وبدأ تحقيقاً رسمياً في أصول أموال شركتك. ليس تحقيقاً عادياً — تحقيقاً يبدو مصمماً ليجد شيئاً، لا ليكتشف الحقيقة فحسب.» أغلقتُ عيني للحظة، أحاول استيعاب حجم المشكلة. تحقيق رسمي، حتى لو كان مفبركاً جزئياً، يمكن أن يفتح أبواباً لا أريد لأحد أن يفتحها — أبواباً تؤدي مباشرة إلى تلك البراميل في المستودع، إلى الشبكة البديلة التي بنيتُها لكمال، إلى كل سر حملتُه بثقة طوال الأشهر الماضية. «ماذا يقول كمال؟» «الجنرال يريد رؤيتك شخصياً. قال بالحرف الواحد: أخبره أن العاصفة التي حذّرته منها بدأت تتشكل أسرع مما توقعنا.» أنهيتُ المكالمة وجلستُ وحدي في غرفة الفيلا لدقائق طويلة، أشعر بالتمزق الحاد بين عالمين يطالبانني في اللحظة نفسها — أمي ال

  • سيبيريت   عمي سليم

    الرجل الذي يهرب من ماضيه، يظن أنه يهرب من ذكريات فقط. لكنه أحياناً يهرب أيضاً من أشخاص لا يزالون أحياء، ينتظرون بصبر أن يعود ليواجههم بما تركه خلفه. في اليوم الخامس من إقامتي، استقبلتني أمي بخبر لم أتوقعه: «عمك سليم يريد رؤيتك.» شعرتُ بتوتر فوري عند سماع الاسم. سليم، شقيق والدي الأصغر، كان رجلاً لم تربطني به علاقة جيدة قط، حتى قبل أن أغادر سوريا. كان دائماً يحمل تجاه عائلتنا الصغيرة مزيجاً من الشفقة والازدراء، خاصة بعد وفاة والدي المبكرة، حين تُرِكنا أنا وأمي بلا سند مالي حقيقي، بينما كان سليم يرفض مساعدتنا بحجج واهية متكررة. «لماذا يريد رؤيتي الآن؟» سألتُ أمي. «سمع بنجاحك. أعتقد أنه... يريد أن يعتذر، أو ربما يريد شيئاً آخر. لا أعرف بالضبط.» قبلتُ اللقاء على مضض، أكثر فضولاً مني رغبة حقيقية في المصالحة. وجدتُ سليم في بيته القديم، قد تقدّم به العمر كثيراً منذ آخر مرة رأيته فيها. استقبلني بحفاوة مبالغ فيها، حفاوة جعلتني أشعر بعدم الارتياح أكثر من أي عداء صريح كان سيشعرني به. «يوسف! يا ابن أخي! كم اشتقتُ لرؤيتك!» جلسنا، وبعد دقائق من المجاملات الفارغة، وصل أخيراً إلى ما أراد قوله

  • سيبيريت   كريم

    الوجه الذي عرفتَه طفلاً، حين تراه رجلاً، يحمل لك مرآتين في آن واحد: مرآة تُريك من كنتَ، ومرآة أخرى تُريك بوضوح أشد من كنتَ تخدع نفسك بشأنه. في اليوم الثالث من إقامتي في حلب، خرجتُ للتجول في الحي القديم وحدي. كنتُ أمشي بلا وجهة محددة حين سمعتُ صوتاً يناديني باسمي الكامل، اسم لم يستخدمه أحد منذ سنوات طويلة. «يوسف حمدان؟ يا الله، أنت حقاً يوسف؟» التفتُّ فوجدتُ رجلاً في عمري تقريباً، وجهه يحمل ملامح بدت مألوفة بشكل غامض حتى تذكرتُ فجأة — كريم، صديق الطفولة الذي كنا نلعب معاً في زقاق ضيق خلف بيتنا القديم، قبل أن تفرقنا الحياة كل في طريق مختلف تماماً. «كريم! لم أتوقع أن أراك هنا.» عانقني بحرارة صادقة، ثم تراجع خطوة ليتفحصني من رأسي حتى قدمي بنظرة مليئة بالدهشة. «انظر إليك! يبدو أنك أصبحتَ رجلاً مهماً. سمعتُ أنك سافرتَ إلى روسيا، لكن لم أتخيل... هذا.» أشار بيده إلى ملابسي، إلى الساعة التي أرتديها، إلى السيارة المنتظرة على بُعد أمتار. جلسنا في مقهى قديم كنا نزوره معاً في المراهقة، وتبادلنا الحديث عن سنوات طويلة من الانفصال. أخبرني كريم عن حياته — زواج، ثلاثة أطفال، عمل بسيط في محل أدوا

  • سيبيريت   نيكولاي كان هنا ولم يعد

    بعض الصباحات تبدأ عادية. وهذا هو أقساها. استيقظتُ في الثامنة. الضوء يدخل من النافذة بالزاوية المعتادة. موسكو خارجاً تتنفس بإيقاعها الصباحي. أصوات بعيدة، محرك سيارة، ريح خفيفة على الزجاج. رائحة القهوة لم تكن في الهواء. خرجتُ من غرفتي. الصالة فارغة. الطاولة نظيفة تماماً. لا كوب، لا جريدة، لا أثر

  • سيبيريت   ما يتوقف

    الأشياء الكبيرة لا تنكسر دفعة واحدة. تنكسر بالطريقة التي ينكسر بها الجليد في الربيع — ببطء، من الداخل، حتى تطأه يوماً وتجد أن ما كان صلباً لم يعد يحمل. في الصباح الأول بعد انتهاء أندريه، أشعل نيكولاي سيجارته كالمعتاد. لكنه لم يُنهِها. لاحظتُ ذلك بطرف عيني — أشعلها، أخذ منها نفساً واحداً، ثم أطفأ

  • سيبيريت   إعادة الهيكلة

    الإمبراطورية التي لا تُنظّم نفسها، تنهار من الداخل قبل أن يهدمها أحد من الخارج. ​في الصباح الباكر، وقبل أن يرن أي هاتف، جلستُ وحدي في المختبر. لم أكن أعمل، كنتُ أنظر فقط. نظرتُ إلى الأجهزة والطاولات والبلورات البيضاء المرصوفة على الرفوف؛ نظرتُ لكل شيء بنيتُه هنا وفكرتُ في سؤال لم أسأله لنفسي بهذا

  • سيبيريت   الثمن

    بعض القرارات لا تُتخذ بالعقل؛ تُتخذ بشيء أعمق من العقل، بمعرفة مَن أنت ومَن تريد أن يعرفك الآخرون. ​في الصباح، كنا ثلاثتنا في المختبر: أنا ونيكولاي وفاسيلي. الخريطة مفرودة على الطاولة المعدنية، وتيمور على الهاتف يُتابع الشحنة لحظة بلحظة. قال تيمور: "الشاحنة على الطريق الغربي، ضخمة، تحمل ما يقارب ن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status