Share

116

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-03 23:07:15

بعد مرور ساعة كاملة من العمل الشاق والمنظم لتغيير مسار السفن في عرض البحر، اجتمع الثلاثة مجدداً — الملك مرنبتاح، والأمير خع إم واست، والفتى سى اوزير — داخل غرفة القيادة لوضع التفاصيل النهائية لخطة المواجهة القادمة. كان الأمير خع إم واست ينظر إلى الخريطة بتركيز كبير، ويمرر أصابعه فوق طرق السير البرية والبحرية، ثم رفع رأسه ونظر إلى أخيه الملك وقال بصوت هادئ ومليء بالذكاء والحكمة:

"يا أخي مرنبتاح... لقد خطرت في عقلي خطة استراتيجية ذكية قد تقلب موازين قواهم الكبيرة وتلغي تفوقهم العددي علينا. سنقسم جيشنا وقواتنا إلى قسمين منفصلين. أنا سأتولى قيادة القسم المخفي والسري؛ سآخذ معي جميع السحرة والكهنة العظام الذين يملكون معرفة بكتاب تحوت، ومعنا سى اوزير وعشرة آلاف مقاتل من أقوى وأشرس جنود النخبة. سنستخدم قدراتنا السحرية لإخفاء أنفسنا وتحركنا تماماً عن أعين الجواسيس، حتى نلتف من وراء الممرات ونصل إلى خلف جيش الأعداء دون أن يشعروا بوجودنا. سنضربهم من الخلف فجأة مستغلين عنصر المفاجأة الذي سيربك صفوفهم. أما أنت يا ملك مصر... فتأخذ الثلاثين ألف مقاتل المتبقين، وتقود الهجوم الأمامي المباشر بكامل جنودك وسفنك وعجلاتك الحربية عند الشاطئ. بهذه الطريقة، سنطبق عليهم بقوة من الأمام ومن الخلف كالمطرقة والسندان، ونشتت قوة بعل وجيشه بيننا فلا يعرفون أين يقاتلون."

نظر الملك مرنبتاح إلى أخيه طويلاً، وفكر في تفاصيل هذه الخطة الجريئة والشجاعة، ثم انفرجت أساريره وابتسم ابتسامة قوية مليئة بالثقة والفخر وقال:

"إنها خطة شجاعة جداً ومباغتة، وفيها من روح وشجاعة أبانا رمسيس العظيم الكثير.. خطة ذكية تليق بحماية أرض مصر وشعبها. أنا أوافق عليها بكل ثقة وجوارحي يا أخي. سنضرب بعل وجيشه في مكمن قوتهم ونقطع دابر غرورهم. أنت وسى اوزير تقودان الهجوم المخفي والسحري من الخلف، وأنا سأكون السيف الظاهر والقوي في الأمام الذي يتلقى ضرباتهم ويردها بقوة أكبر تحطم عظامهم."

في هذه اللحظة، خطا الفتى الصغير سى اوزير خطوة واثقة نحو أبيه وعمه الملك، ولم يكن في صوته أي أثر للخوف القديم، بل كان صوته حازماً وقوياً يملأ النفس شجاعة، ورفع يده اليمنى التي تمسك بالتميمة الحجرية وقال:

"سأكون معك يا أبي خطوة بخطوة في هذا الهجوم المخفي ولن أتركك. إن التميمة السحرية في يدي تنبض الآن بقوة ودفء متزايد، وهذا دليل قاطع وعلامة واضحة على أن الإله ست يراقب طريقنا في هذا البحر ويعرف صدق نيتنا في حماية الأرض. لا تقلقوا من وحوش بعل وظلامه؛ فعندما تبدأ المعركة الكبرى ويحين الوقت المناسب، سنطلق أنا وأنت يا أبي نورنا المشترك المستمد من الحكمة القديمة لنحرق ظلمات بعل ونبدد وحوشه السحرية ونعيدهم إلى العدم."

سرّ الملك مرنبتاح بكلام ابن أخيه الذكي، والتفت نحو النافذة الكبيرة المطلة على البحر، ينظر إلى المياه المظلمة التي كانت تشقها مقدمة السفينة الملكية بسرعة كبيرة، وقال بصوت عميق يحمل كل مسؤولية الملك الحقيقي وحامي البلاد:

"هذه المعركة القادمة يا أبنائي ليست مجرد حرب عادية من أجل الغنائم أو المجد الشخصي؛ إنها دفاع مقدس عن كل ما بناه أبونا رمسيس العظيم على مدار سنوات طويلة من التعب والعرق، ودفاع عن أمن كل طفل وامرأة في الوادي. سنحمي مصر بكل ما نملك، وسنحافظ على نورها وحضارتها ضد هذا الظلام.. حتى لو كلفنا ذلك حياتنا وأنفاسنا الأخيرة، فلن نسمح للأعداء بدخول أرضنا."

كان الأسطول المصري الكبير يسرع الآن ويمخر عباب البحر بهمة عالية في ظلام الليل الدامس، متجهاً بخطى ثابتة نحو نقطة المواجهة الحاسمة التي ستحدد مصير البلاد ومستقبل الحضارة كلها. كان الأمير خع إم واست يجلس بجانب ابنه الصغير، يمسك بيده ويشد عليها بحنان أبوي كبير، بينما كان يفكر للحظات في زوجته الوفية تفنوت التي تركها تحرس القصر والعرش في مدينة طيبة، ويتذكر وصية والده الراحل بأن يحفظوا قلب العالم. أما الملك مرنبتاح، فقد كان يقف شامخاً وقد وضع يده القوية على مقبض سيفه الذهبي، مستعداً بكل قوته وشجاعته العسكرية لقيادة الهجوم الأمامي القوي ومواجهة الأعداء وجهاً لوجه.

وفي نفس الوقت، في مناطق الشمال الباردة والوعرة، كان جيش الأعداء بقيادة الملك أدنوك ووحوش بعل يتقدمون ببطء وثقة زائدة وغرور أعمى نحو الجنوب، وهم لا يعلمون أبداً أن الجيش المصري الذكي قد غير مساره بالكامل، وانطلق بكل قوته وشجاعته ونوره ليلتقي بهم في وسط الطريق ويصنع عاصفته الخاصة التي ستحطم أحلامهم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

  • سيد الرماد والضوء   124

    وفجأة... وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة ذروة جحيمها وضيقها، انطلقت ضحكة مدوية وعميقة في الأفق البعيد. لم تكن ضحكة عادية، بل كانت ضحكة عميقة، غاشمة، وقوية للغاية اهتزت لها السماء والأرض معاً، وتوقف معها صياح الوحوش وقرع السيوف لشدة مهابتها.في تلك اللحظة بالذات، سرت قشعريرة باردة ومفاجئة في كامل جسد العملاق بعل. اتسعت عيناه الزرقاوان الحارقتان من شدة الصدمة والمفاجأة، وارتعدت يداه الضخمتان اللتان كانتا تطلقان البرق، وتراجع خطوة إلى الوراء وكاد يسقط فوق التلال الحجرية. نظر حوله بذعر حقيقي لم يذق طعمه منذ عصور، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومملوء بالرعب والخوف المكتوم:"تلك الضحكة المرعبة... أنا أعرف صاحبها جيداً ولا أخطئه... ذلك الصوت المهيب... لا... لا يمكن! هذا لا يمكن أن يحدث الآن! كيف ترك معركته الكونية وجاء إلى هنا؟!"ومع نهاية همساته المذعورة، ظهرت في وسط ساحة المعركة عاصفة رملية مهيبة وهائلة الحجم، تدوّي بصوت قاصف ومرعب كأنها نهاية العالم وأيام الفناء. كانت الرياح المحملة بالرمال الذهبية والحمراء تدور بسرعة فائقة، وشقت الأرض شقاً كبيراً لتفتح في وسطها بوابة نارية حمراء ضخمة تشع بلهيب

  • سيد الرماد والضوء   123

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   122

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   121

    ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"كانت الق

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status