Share

121

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-04 11:26:02

ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.

تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.

كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.

صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:

"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"

كانت القوة الروحية والمادية التي يطلقها بعل هائلة ومدمرة جداً، لدرجة جعلت أنفاس الجنود تضيق. وبمجرد ظهوره وتجليه، بدأت الوحوش الظلامية التي كانت تذوب وتتمزق تتعافى بسرعة كبيرة وتكبر في الحجم لتصبح أكثر شراسة، وبدأت الرياح العاتية تعصف بأجساد المصريين وتدفعهم للخلف، والبرق يضرب صفوفهم بلا توقف ودون رحمة. تراجع الجيش المصري خطوة إلى الوراء تحت وطأة هذه القوة الإلهية المدمرة، لكنهم رغم الرعب لم ينهزموا ولم يفروا، بل تمسكوا بأسلحتهم وعزيمتهم.

وسط هذا الجحيم المستعر والصواعق التي تتساقط من السماء، وقف الملك مرنبتاح شامخاً في مقدمة مركبتة الحربية رغم إصابة طفيفة في كتفه. نظر بعينين تملأهما الشجاعة والصلابة نحو الكيان العملاق بعل، ورفع سيفه الذهبي الذي لا يزال يلمع تحت ضوء البرق، وصاح بأعلى صوته متحدياً الإله الزائف ومثبتاً قلوب جنوده:

"حتى لو جئتَ أنت بنفسك وبكامل ظلامك وعواصفك... لن نسلمك مصر أبداً! لن تأخذ أرضنا طالما فينا قلب ينبض! سنقاتلك حتى النهاية!"

وعلى الجانب الآخر من المعركة، كان الأمير خع إم واست يقف بكل ثبات، ويمسك بيد ابنه الصغير سى اوزير يشد عليها بقوة وحنان ليمده بالعزيمة. وفي تلك اللحظة الحرجة، بدأت التميمة الحجرية المقدسة — تميمة الإله ست — تنبض بحرارة شديدة وحارقة في يد سى اوزير، وتحول لونها الزمردي إلى لون أحمر ناري يشع بالدفء والقوة، كأنها تعلن أن النداء قد وصل إلى صاحبه الحقيقي في أعالي السماء والدوات.

لقد دخلت المعركة الملحمية الآن مرحلة جديدة تماماً، مرحلة لم تعد بين جيشين من البشر يتقاتلان بالسيوف والرماح من أجل الأرض، بل تحولت إلى مواجهة كونية كبرى ومباشرة بين إرادة البشر وحمات النور، ضد الكيان الإلهي الشرري نفسه.

كان النصر الساحق قبل دقائق قريباً جداً وفي متناول أيدي المصريين، ولكنه أصبح الآن معلقاً على خيط رفيع جداً وغامض، بانتظار ما ستسفر عنه هذه المواجهة الروحية الكبرى التي ستحدد مصير النور والظلام على وجه الأرض إلى الأبد.

لم يظهر الإله "ست" بعد، وظل الأفق خالياً من أي علامة لمدده، بينما كانت الدقائق تمر على الجيش المصري كأنها دهور من العذاب والانتظار المرير.

كان "بعل" يقف شامخاً، كالجبل الأسود فوق قمم التلال الشمالية، وجسده العملاق الضخم يغطي نصف السماء ويحجب أشعة الشمس الدامية بالكامل. كانت عواصفه الهوجاء ورعوده القاتلة تدور حول جسده مثل إعصار كوني مدمر، كأنها جيش مجسد من الغضب والخراب الإلهي. وعندما نظر بعينيه الحارقتين إلى الأسفل، رأى جيشه الحيثي يتقهقر ويتراجع بذعر أمام الضربة الخلفية المفاجئة والذكية التي قادها الأمير "خع إم واست" ومعه الفتى الصغير "سى اوزير".

اشتعل الغضب في صدر الكيان الشرري، فرفع يديه الضخمتين نحو السحاب المتفجر، وصرخ بصوت زلزل أركان الأرض وتحطمت معه صخور التلال:

"كفى عبثاً وتطاولاً أيها الفانون! أنا بعل... سيد العواصف والدمار ومقيد الملوك! سأريكم الآن قوتي الحقيقية التي ستجعل نيلكم يجف من الرعب!"

وفي تلك اللحظة، انفجر برق أحمر مرعب من أصابعه الطويلة، وانشقت السماء شقوقاً سوداء عميقة كأنها بوابات تفتح على قاع الجحيم. ومن داخل تلك الشقوق، خرج جيش رهيب ومخيف من وحوشه الظلامية الشيطانية، كائنات أسطورية مرعبة لا قبل للبشر بمواجهتها أو رؤيتها على وجه الأرض.

كانت هناك سباع عملاقة ذات أجساد مشكلة من الدخان الأسود الكثيف والنار المتقدة، أجنحتها الضخمة الممزقة تمزق الهواء من حولها، وأنيابها الطويلة تقطر سماً أسود يمرض الروح ويميّت العزيمة قبل أن يمزق الجسد. ورافقها طيور ظلالية هائلة الحجم تنقض من الأعالي كالصواعق الخاطفة، تخطف الجنود المصريين بمخالبها وتطير بهم عالياً ثم ترمي بأجسادهم من ارتفاعات شاهقة لتتحطم على الصخور.

ولم يتوقف السيل عند هذا الحد؛ بل خرجت عمالقة من الرمال المتحركة المسلحة بمخالب حديدية طويلة تقطع الدروع، وأفاعٍ عملاقة مرعبة تتقيأ ناراً سوداء لافحة تذيب الدروع النحاسية والسيوف كأنها شمع تحت اللهيب.

تحولت أرض المعركة في ثوانٍ معدودة إلى جحيم مستعر، وأصبح الجيش المصري يقاتل كائنات غيبية تفوق قدرات البشر العادية بكثير. كانت هذه الوحوش تندفع بلا رحمة وسط الغبار، تمزق الصفوف المنظمة، وتلتهم الجنود الأشداء وهم أحياء، ويصرخون بأصوات مرعبة ومفزعة تجمد الدم في العروق وتخلع قلوب الشجعان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

  • سيد الرماد والضوء   124

    وفجأة... وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة ذروة جحيمها وضيقها، انطلقت ضحكة مدوية وعميقة في الأفق البعيد. لم تكن ضحكة عادية، بل كانت ضحكة عميقة، غاشمة، وقوية للغاية اهتزت لها السماء والأرض معاً، وتوقف معها صياح الوحوش وقرع السيوف لشدة مهابتها.في تلك اللحظة بالذات، سرت قشعريرة باردة ومفاجئة في كامل جسد العملاق بعل. اتسعت عيناه الزرقاوان الحارقتان من شدة الصدمة والمفاجأة، وارتعدت يداه الضخمتان اللتان كانتا تطلقان البرق، وتراجع خطوة إلى الوراء وكاد يسقط فوق التلال الحجرية. نظر حوله بذعر حقيقي لم يذق طعمه منذ عصور، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومملوء بالرعب والخوف المكتوم:"تلك الضحكة المرعبة... أنا أعرف صاحبها جيداً ولا أخطئه... ذلك الصوت المهيب... لا... لا يمكن! هذا لا يمكن أن يحدث الآن! كيف ترك معركته الكونية وجاء إلى هنا؟!"ومع نهاية همساته المذعورة، ظهرت في وسط ساحة المعركة عاصفة رملية مهيبة وهائلة الحجم، تدوّي بصوت قاصف ومرعب كأنها نهاية العالم وأيام الفناء. كانت الرياح المحملة بالرمال الذهبية والحمراء تدور بسرعة فائقة، وشقت الأرض شقاً كبيراً لتفتح في وسطها بوابة نارية حمراء ضخمة تشع بلهيب

  • سيد الرماد والضوء   123

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   122

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   121

    ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"كانت الق

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status