Share

159

Penulis: Ahmed Habib
last update Tanggal publikasi: 2026-07-16 15:24:56

امتدت التحضيرات والطقوس الرسمية في معبد الأقصر لتتحول إلى احتفال شعبي صاخب غمر الساحات المحيطة بالصرح العتيق. ومع هبوط الليل واكتمال بدر "الأوبت" في كبد السماء، أُشعلت المشاعل والمشاحن الزيتية الكبرى لتلقي ظلالاً برونزية دافئة على جدران المعبد والنخيل المحيط به.

بدأت طبول الفرح تضرب بإيقاعات متسارعة، وصارت الصنوج والنحاسيات تدوي بنغمات تهز النفوس، بينما تقدمت مجموعة من الراقصات المكرسات لأداء الرقصة الطقسية الشهيرة للإلهة حتحور؛ رقصة تجمع بين الجلال والرشاقة لتجسيد البهجة والخصوبة في أرض كمت.

كانت الموسيقى تأسر القلوب وتدفع الأجساد للتحرك طوعاً مع الإيقاع. ووسط تلك الحلقة الكبرى من البهجة، كان الأمير الشاب سى اوزير يقف ب ثيابه الأميرية الفاخرة، وعيناه الفيروزيتان لا تزالان تلاحقان طيف الأميرة الشمالية المتنكرة "أناتيرا" التي كانت تتمايل برقة مفرطة مع رداءها الكتاني الموشى بالذهب، وتبدو بين الحشود كأنها درة فريدة خطفت الألباب.

شعر سى اوزير بطاقة العيد تسري في عروقه، وبدافع خفي امتزج فيه نبل الفرسان بشغف الشباب، خطا خطوات وثابتة نحوها، وشق صفوف الحاضرين حتى وقف أمامها مباشرة. انحنى أمامها بوقار وأدب جم، ومد يده القوية نحو كفها الناعمة، وقال بنبرة صوت دافئة ورزينة تحمل دعوة ملكية:

> "يا أميرة أناتيرا... إن الليلة ليلة فرح وتجديد للحياة في وادينا، والموسيقى تدعونا لنشهد مجد حتحور. هل تتفضلين وتمنحيني الشرف بأن تشاركيني هذه الرقصة المقدسة أمام البلاط والشعب؟"

اتسعت عيناها الخضراوان بتظاهر المفاجأة والخجل العذري الرفيع، وأحمرت وجنتاها تحت كحلها الملكي. وضعت كفها الحريرية الصغيرة فوق كفه الدافئة، وانحنت برأسها الصغير قائلة بنبرة تفيض عذوبة ورقة:

> "إنه لشرف عظيم يفوق حلمي يا أميري النبيل... سأراقصك بقلب ممتن لكرمك."

>

خطوا معاً نحو مركز ساحة الرقص، وتحركت الأجساد بإيقاع متناغم، بطيء ومدروس يتماشى مع دقات الطبول الحانوتية وصوت الناي الشجي. كانت أناتيرا تتحرك برقة متناهية تبرز انحناءات قوامها الأنثوي المكتمل، وتلتف حوله كغزال وادع، بينما كان سى اوزير يتقدمها بثبات الشجعان ووقار الملوك. ومع كل اقتراب والتفاتة تفرضها حركات الرقصة، كان يدور بينهما حديث خافت لم يسمعه سوى سكون الليل.

التفتت أناتيرا نحوه ونظرت في عمق عينيه الفيروزيتين، وقالت بهمس لاهث:

> "أنا لستُ بارعة في طقوس رقصكم المقدس يا أمير سى اوزير... في بلادي الشمالية، كانت رقصاتنا صاخبة وقاسية كالجبال، أما هنا... فأشعر كأنني أتحرك فوق سحاب من النور والوقار. أخاف أن تخونني خطاي أمام جلالك."

>

ابتسم سى اوزير ابتسامة دافئة بددت ارتباكه، وقال بنبرة ملأها الحنان:

> "خطواتكِ تحاكي حركة اللوتس فوق مياه النيل يا أناتيرا... أنتِ تتحركين ببراعة ورشاقة تجعلني أظن أنكِ ولدتِ في رحاب معابدنا. لا تخافي، فأنا معكِ لضبط الخطى وحمايتكِ من أي عثرة."

تناغمت حركتهما مجدداً، واقتربت بجسدها منه بحجة تتبع إيقاع الصنوج، فلفحت أنفاسها الساخنة وعطرها النادر بشرة وجهه، وتابعت حديثها المراوغ والمدروس بعناية إلهية:

> "إن حنانك الليلة، ونظرات والدتك الأميرة تفنوت الحانية لي في الموكب، يجعلاني أنسى مرارة الغربة تماماً. لقد بدأتُ أشعر بيقين أن مصر لم تأخذ مني عائلتي الراحلة، بل وهبتني عائلة أعظم وأجمل تصون روحي... هل تعتقد يا أميري أنني سأظل دائماً محل ترحيب في قلوبكم؟"

>

نظر إليها سى اوزير، وشعر برغبته وشغفه المكتوم يهزان حصونه الروحية من جديد أمام هذا الاعتراف الرقيق، لكنه أجاب بوقاره المعهود وحكمته الرمسيسية الشامخة:

> "أنتِ لستِ ضيفة عابرة يا أناتيرا... لقد وهبكِ الفرعون أمانه، وعائلتي ترى في شغفكِ وذكائكِ نموذجاً فريداً لنبلاء الشمال الخاضعين لتاجه. إن مكانكِ بيننا يتأكد في كل يوم بفضل أدبكِ وتفوقكِ العلمي في معهد بتاح. صوني هذا النور في قلبكِ، وستجدين أن أرض كمت ستفتح لكِ كل أبواب مجدها وطمأنينتها."

>

ابتسمت أناتيرا ابتسامة خجولة خادعة، وانحنت بجسدها في الحركة الأخيرة للرقصة لتقترب أصابعها من يده لثوانٍ خاطفة، بينما كانت في أعماق روحها المظلمة والحاقدة، تضحك الإلهة "عنات" ضحكة باردة خبيثة؛ لأنها عرفت بيقين كوني أن بذور الشوق الحار والتعلق قد تغلغلت بعمق أشد في وجدان الأمير الشاب،

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • سيد الرماد والضوء   170

    تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي

  • سيد الرماد والضوء   169

    لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب

  • سيد الرماد والضوء   168

    لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت

  • سيد الرماد والضوء   167

    مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا

  • سيد الرماد والضوء   166

    ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status