Share

73

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-24 20:35:28

مرت الأشهر بعد الوداع المرير كأنها سنوات من العذاب البطيء. كان قصر منف ومعبد بتاح الكبير يغرقان في صمت ثقيل يشبه الموت. لم تعد هناك احتفالات، ولا أغاني، ولا حتى أصوات الأطفال في الحدائق. كان الشعب يعلم أن الأمير خع إم واست قد ضُحي به، وكانوا يقدمون القرابين في كل المعابد، يدعون لعودته، لكنهم كانوا يعرفون في قرارة أنفسهم أن الظلام قد ابتلعه.

كان الفرعون رمسيس يجلس كل ليلة في قاعة العرش الفارغة، متكئاً على عصاه، عيناه غائرتان، ووجهه يحمل تجاعيد الحزن الذي أكله حياً. كان يهمس باسم ابنه بصوت مكسور، وأحياناً يبكي في صمت دون أن يراه أحد. كان الرجل الذي قهر الإمبراطوريات يشعر بالعجز التام لأول مرة في حياته.

تفنوت كانت ترفض الخروج من غرفتها. كانت تجلس بجانب سرير زوجها الخالي، تحتضن ثيابه، وتبكي حتى يجف حلقها. كانت ترفض الأكل، وتنام قليلاً، وكلما أغلقت عينيها كانت ترى وجهه يبتسم لها، يحتضنها، يهمس لها كلمات الحب في ليالي السلام القديمة.

أما سى اوزير، فقد أصبح شبحاً صامتاً. كان يقضي أيامه ولياليه في المعابد، يحاول استدعاء الآلهة، ينزل إلى أعماق الدوات المحمية، ويعود خائباً كل مرة، جسده نحيلاً وعيناه حمراء من الإرهاق والدموع المكبوتة.

في اليوم الثالث والأربعين بعد اول سنه من الوداع، اجتمع الكهنة الكبار في فناء معبد بتاح الكبير للصلوات الجماعية إلى رع العظيم. كانت الشمس تغرب بلون أحمر دامي غامض، والكهنة يرددون الأناشيد بأصوات مكسورة، يدعون بكل ما أوتوا من قوة.

فجأة... انفجر نور ذهبي هائل في وسط الفناء، أقوى من نور الشمس نفسها، يملأ المكان بدفء إلهي غير مألوف. ظهر **رع العظيم** في هيئته الكاملة — إله الشمس، ذو رأس الصقر المهيب، جسده يشع بنور أبيض-ذهبي لا يُطاق، يحمل قرص الشمس بين قرنيه، وعيناه تحترقان بنار إلهية نقية وعميقة.

سقط الجميع على ركبهم، بما فيهم الفرعون رمسيس الذي كاد ينهار من شدة العاطفة. تقدم رع خطوة واحدة، ونظر إلى العائلة الملكية بعينين مليئتين بالرحمة والحكمة، ثم تكلم بصوت يرج أرجاء المعبد كله:

"**اسمعوني يا أبناء الكنانة... لقد استمعت إلى صلواتكم. لقد وجدتُ أنا والإله ست طريقة... طريقاً خطيراً ومجهولاً لفصل اتحاد تابوبو مع أبوفيس. هذا الاتحاد هو مصدر قوتها الآن، وهو السبب في استمرار التعويذة.**"

ارتجف الفرعون رمسيس، ورفع رأسه بأمل خافت، وسأل بصوت مرتجف:

"يا رع العظيم... ما هو هذا الطريق؟ هل هناك أمل لابني؟"

نظر رع إليهم طويلاً، كأنه يزن كلماته بعناية، ثم قال بصوت عميق يحمل غموضاً وخطورة:

"**الطريق يتطلب من حفيدك سى اوزير حامل دماء ابيه الذي يجرى في عروقه أن يذهب في رحلة إلى أعماق العالم الآخر، إلى قلب الدوات حيث يدور الصراع الأبدي. سيكون عليه أن يجتاز تحديات لا تُوصف، بوابات مظلمة مليئة بأسرار ومخاطر لا يمكنني الكشف عنها كلها الآن. الطريق مليء بالألم، بالوهم، بالتضحية... وقد لا يعود حياً.**"

ساد الصمت المذهول. نظر سى اوزير إلى الإله بعينين مليئتين بالعزم رغم الخوف، وقال بصوت حازم:

"سأذهب... مهما كان الثمن."

نظر رع إليه بإعجاب خفي، ثم أضاف:

"**إذا نجح... . سيكون هناك فرصة... فرصة ضيقة وخطرة... لقطع الاتحاد من الداخل. وسنساعده في اختراق ابو فيس لكن تذكروا... هذا الطريق قد يغير كل شيء.**"

اختفى رع العظيم تاركاً نوراً ذهبياً يملأ المكان للحظات طويلة، ثم تلاشى تدريجياً، تاركاً وراءه أملاً خافتاً ممزوجاً بالغموض والرعب.

بكى الفرعون رمسيس بحرقة، واحتضنت تفنوت ابنها بقوة، وكان سى اوزير يقف صامتاً، عيناه تلمعان بعزم جديد رغم الدموع.

كان هناك أمل... لكنه أمل محفوف بالمجهول والموت المحتمل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

  • سيد الرماد والضوء   124

    وفجأة... وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة ذروة جحيمها وضيقها، انطلقت ضحكة مدوية وعميقة في الأفق البعيد. لم تكن ضحكة عادية، بل كانت ضحكة عميقة، غاشمة، وقوية للغاية اهتزت لها السماء والأرض معاً، وتوقف معها صياح الوحوش وقرع السيوف لشدة مهابتها.في تلك اللحظة بالذات، سرت قشعريرة باردة ومفاجئة في كامل جسد العملاق بعل. اتسعت عيناه الزرقاوان الحارقتان من شدة الصدمة والمفاجأة، وارتعدت يداه الضخمتان اللتان كانتا تطلقان البرق، وتراجع خطوة إلى الوراء وكاد يسقط فوق التلال الحجرية. نظر حوله بذعر حقيقي لم يذق طعمه منذ عصور، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومملوء بالرعب والخوف المكتوم:"تلك الضحكة المرعبة... أنا أعرف صاحبها جيداً ولا أخطئه... ذلك الصوت المهيب... لا... لا يمكن! هذا لا يمكن أن يحدث الآن! كيف ترك معركته الكونية وجاء إلى هنا؟!"ومع نهاية همساته المذعورة، ظهرت في وسط ساحة المعركة عاصفة رملية مهيبة وهائلة الحجم، تدوّي بصوت قاصف ومرعب كأنها نهاية العالم وأيام الفناء. كانت الرياح المحملة بالرمال الذهبية والحمراء تدور بسرعة فائقة، وشقت الأرض شقاً كبيراً لتفتح في وسطها بوابة نارية حمراء ضخمة تشع بلهيب

  • سيد الرماد والضوء   123

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   122

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   121

    ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"كانت الق

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status