Share

8

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-13 07:53:02

شقت عربة الأمير "خع إم واست" الحربية ظلام الدلتا بسرعة جنونية، وكأنها طائر من حديد ولهب يفر من خطايا منف. كانت الخيول الملكية المغطاة بالدروع البرونزية تنفث زفيراً ساخناً يتكثف في هواء الفجر البارد، بينما كان الأمير واقفاً بكامل قامته الممشوقة ووسامته الحادة، ممسكاً بالأعجمة بيد، وباليد الأخرى يضغط على "كتاب تحوت" المخفي تحت عباءته الجلدية الثقيلة. كان التسارع الرهيب للأحداث يغلي في عقله كالنار؛ فمنذ ساعات فقط كان بين ذراعي "تفنوت" يتلمس دفء جسدها المثير، والآن يجد نفسه مندفعاً نحو عرين أعتى ساحرات الشرق غواية وسحراً.

مع أولى خيوط الفجر القرمزي، بدأت تلوح في الأفق أسوار مدينة "بو باستيس"—مدينة الإلهة القطة "باستت"—حيث تتماوج الأضواء والمشاعل فوق مياه القنوات المائية المحيطة بالمعبد الكبير. لم تكن المدينة نائمة؛ بل كانت تعج بحركة غريبة ومريبة، وتفوح من أزقتها رائحة عطر "تابوبو" النفاذ ذاته، ذلك المزيج الحارق من المر والمسك الأسود الذي بدأ يتسلل إلى رغبات الأمير مجدداً، مستنفراً كل خلية في جسده المفتول لخوض مواجهة لا تشبه معارك السيوف.ترجل خع إم واست عند البوابة الضخمة المصنوعة من النحاس المصقول، فاستقبلته كاهنات المعبد الصغيرات بنظرات شغف وإثارة عارمة، وأجسادهن الممشوقة تتمايل بدلال تحت أثواب الحرير الأسود الشفاف الشبيهة بثوب تابوبو، وكأنهن نسخ مصغرة من الفتنة المتربصة به بالداخل.

لم يلتفت الأمير الشاب إليهن، بل تقدم بخطوات واسعة وعنيفة، وعيناه الحادتان تخترقان الحجب المظلمة للممرات، حتى وصل إلى بهو الأعمدة الكبرى حيث كانت النيران القرمزية تشتعل في مجامر برونزية معلقة، لتبدأ الفصول الأكثر غموضاً وإثارة في هذه الرحلة الملحمية.

في عمق بهو الأعمدة، حيث تلاقت ظلال الحجر بوميض النيران القرمزية، انشقت الستائر الحريرية الثقيلة لتظهر من خلفها الساحرة "تابوبو" بكامل غوايتها التي تفوق طاقة البشر على الاحتمال. كانت تجلس فوق عرش من العاج المنحوت على هيئة نمر أسود، وجسدها الممشوق يتدلى بدلال ساحر يسرق الأنفاس؛ أما ثوبها الشفاف الأسود، فقد بدا في هذه الليلة أكثر رقة وعرياً، يبرز مفاتن قوامها المٹير وبشرتها الصافية التي تعكس ضياء المشاعل، مما جعل الغرفة تفيض بشحنة من الحميمية والإثارة الطاغية التي تستهدف عقل الأمير مباشرة وتتحداه أن يظل ثابتاً.

ارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة دهاء حارة وهي ترى خع إم واست يتقدم بنظراته الحادة ووسامته الفائقة، وصدره العريض يتحرك صعوداً وهبوطاً بفعل حماس الرحلة المتسارعة؛ فوقفت بخطوات وئيدة، وتمايل خصرها النحيل لتقترب منه حتى التقت أنفاسهما الساخنة، وامتدت يدها الناعمة المصبغة بالأحمر القرمزي لملامسة معصمه الصلب الذي يقبض على البردي المشع، مما أشعل في عروقه موجة من اللذة والسحر الأسود المتغلغل.

"لقد جئت سريعاً يا أميري المحبوب، وكأنك هارب من طهر منف لتذوق أسرار ليلنا المحرم،" همست بصوت رخيم يذوب عذوبة وإثارة، بينما كانت عينانا الواسعتان تلتهمان ملامحه الرجولية القوية وتدعوانه للاستسلام. "كتاب تحوت لا يُفتح بالصلوات؛ بل يفتح هنا، بقرابين العشق المشتعل ومنازلة الروح للروح. فإن كنت جسوراً بما يكفي، فدع عتاد الحرب جانباً، ولتبدأ أولى خطوات العبور في محرابي."

لم يكن الأمير غافلاً عن الخدعة السحرية الممتزجة بالشهوة؛ فرغم الإثارة العارمة التي كادت تعصف بثباته الملكي، إلا أن كبرياءه وقوته العقلية جعلاه يضغط على التميمة الذهبية حول عنقه مستدعياً طاقة حماية مضادة. وبحركة خاطفة، جذبها إليه من خصرها بقوة وعنفوان لتلتصق مفاتنها المٹيرة بصدره المفتول، مواجهاً سحرها الأسود بتحدٍ صارم: "سأخوض منازلتك يا تابوبو، لكن الشروط سأكتبها بيدي، والنور الذي أحمله سيمزق كل غلالة من غدرك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   115

    كانت السفينة الملكية الكبيرة تشق مياه البحر في ليلة هادئة وصامتة. لم يكن هناك أي صوت يقطع هذا السكون سوى ضربات الأمواج الخفيفة التي كانت تصطدم بخشب السفينة برفق شديد، كأن البحر يهمس للجنود ليناموا بسلام. امتد الأسطول المصري في الظلام مثل أسراب من الطيور السوداء الكبيرة التي تسير فوق الماء بدون إشعال أي أنوار، حتى لا يراهم أحد من الأعداء. كان كل شيء يبدو هادئاً ومستقراً من الخارج، والجميع يغطون في نوم عميق بعد أيام طويلة من التعب والتدريب.ولكن، داخل قلب الفتى الصغير "سى اوزير"، لم يكن هناك أي هدوء، بل كانت هناك عاصفة قوية ومخيفة من القلق والتوتر أفسدت نومه تماماً.فجأة، وبدون أي مقدمات، انتفض الفتى الصغير من فراشه واستيقظ وهو يتنفس بسرعة وصعوبة شديدة، كأنه كان يجري لعدة أيام متواصلة تحت أشعة الشمس الحارقة في وسط صحراء قاحلة لا نهاية لها. كان جسده النحيل مغطى بالكامل بالعرق البارد الذي جعل ملابسه تلتصق بجلده، وكانت عيناه الفيروزيتان مفتوحتين على وسعهما من شدة الرعب والصدمة، والدموع تكاد تفر منهما. في تلك اللحظة، كانت يده الصغيرة تقبض بكل قوتها على التميمة السحرية المصنوعة من الحجر — وا

  • سيد الرماد والضوء   114

    ارتفعت نبرة صوت أدنوك حتى كادت حباله الصوتية تتمزق، ورفع سيفه الحيثي المقوس نحو الغيوم المتفجرة بالبرق، وصرخ بأعلى صوته:"الإله بعل العظيم — سيد العواصف والرعد وقاهر الأعماق — معنا في هذه الليلة وفي كل ليلة! هو الذي اختارنا لنكون نصل عقابه، هو الذي وعدنا بالقوة التي تدك الحصون. لن يتركنا نحارب بحديدنا فقط؛ بل سيمطر من السماء البرق الحارق ليحرق أعداءنا في معسكراتهم، وسيرسل من بوابات الظلام جيشاً هائلاً من الوحوش الغيبية ليقاتل في طليعتنا!نعم... سترون بأعينكم سباعاً مخلوقة من الدخان الأسود اللاهب، وطيوراً من الظل الخالص تنقر عيون رماة الفراعنة، وعمالقة من النار المستعرة تخرج من جوف الأرض لتسحق عجلات مصر الحربية وتحيلها إلى رماد!تخيلوا معي ذلك اليوم القريب... الذهب المصري الخالص يملأ خزائن بيوتكم، والنساء المصريات ذوات البشرة الخمرية يخدمن في قصوركم ويركعن عند أقدامكم، والمعابد المقدسة لآمون ورع تُحرق وتتحول إلى ركام أمام أعينكم الذليلة! سنمحو اسم رمسيس من على الجدران والتاريخ، وسنكتب اسم بعل على مسلاتهم بالدم المصري القاني!"تحرك أدنوك على المنصة، ونظر إلى الوجوه المترددة لبعض القادة

  • سيد الرماد والضوء   113

    في أقصى أرض الشمال الباردة، حيث تنحت الطبيعة جبالها كأنياب التنانين الكاسرة، وتجمد الصقيع في مسام الصخور الحجرية الشاهقة، وقفت مدينة "خاتوشا" العظيمة، عاصمة الإمبراطورية الحيثية وحصنها المنيع. كانت المدينة تبدو في ذلك النهار كعملاق مكبل بالحديد، قابعة تحت سماء ثقيلة ملبدة بغيوم داكنة مائلة للسواد، كأنها قطع من الفحم المحترق تتدافع في الأعالي. لم تكن الرياح مجرد نسمات باردة، بل كانت تعوي بين الممرات الضيقة وأبراج الحصون كالذئاب الجائعة التي تبحث عن طريدة، بينما كان البرق يمزق أحشاء الغيم كل لحظة، فيلقي بوميضه الأزرق المرعب على الجدران الجرانيتية الشاهقة، كأن الإله "بعل" نفسه — سيد الرعد والخراب — قد قرر أن يشهد من عليائه على ما يطبخ في رحم المدينة من دمار.في الساحة الكبرى، الفسيحة كصحراء حجرية، والتي تمتد أمام معبد بعل المهيب ذي الأعمدة الضخمة المنقوشة بوجوه الثيران والوحوش المجنحة، كان المشهد يحبس الأنفاس. اجتمع هناك جيش هائل، لُحمة وسداة من الحديد والدم، يربو تعداده على ستين ألف مقاتل. كانت الصفوف المتراصة تمتد كالأنهار السوداء التي لا نهاية لها، يرتدي جنودها دروعاً برونزية ثقيلة صُ

  • سيد الرماد والضوء   112

    بينما كان الأخوان مستغرقين في حديثهما، تحرك ظل صغير وخفيف من وسط عتمة السطح واقترب منهما بخطوات هادئة لا تكاد تُسمع. كان الفتى المعجزة "سى اوزير"، مرتدياً رداءه الكهنوتي الأبيض، وممسكاً بيده التميمة المقدسة التي كانت تنبض بضوء خافت للغاية بين أصابعه.وقف سى اوزير إلى جوار والده وعمه الملك، ونظر إلى الأفق البحري الواسع قبل أن يقول بصوته النقي الذي يحمل وقاراً أكبر من سنوات عمره:"لقد فعلتَ الصواب يا أبي بترك أمي هناك. إن طاقة بعل التي أشعر بها الآن تتصاعد من الشمال ليست طاقة جيوش بشرية عادية، بل هي رغبة عارمة في ابتلاع كل ما هو طاهر. لو كانت أمي معنا هنا، لكانت المعركة الروحية مزدوجة، ولكان بعل قد حاول استغلال نورها لكسر قلوبنا. وجودها في طيبة هو الركيزة التي تثبت الأرض تحت أقدامنا ونحن في غربتنا."التفت الملك مرنبتاح نحو ابن أخيه، وعيناه تلمعان بتقدير كبير لهذا الفتى الذي طالما أدهش رمسيس العظيم نفسه، وقال بنبرة مشجعة:"تحدث يا سى اوزير... أخبرنا بما تقوله لك حواسك وعين تحوت. هل تشعر بنوايا العدو خلف هذا الضباب؟"أومأ سى اوزير برأسه ببطء، ورفع التميمة قليلاً لتواجه الرياح الشمالية الق

  • سيد الرماد والضوء   111

    كانت الليلة غارقة في عتمة حالكة وسكون مهيب على سواحل الإسكندرية؛ ذلك الثغر الشاب الذي بدأ يتحول تدريجياً إلى خط الدفاع الأول عن شمال الوادي. لم يكن يقطع هذا الصمت المطبق سوى ترجيع أصوات الأمواج الهادئة وهي تلاطم هياكل السفن الحربية الخشبية بنغمة رتيبة تشبه دقات قلب ينتظر قدره.امتد الأسطول الملكي المصري فوق صفحة الماء كأنه ظل تنين عملاق رابض في الظلام، مئتا سفينة حربية جُهزت بأفضل ما جادت به مصانع السلاح في طيبة ومنف والدلتا. كانت السفن تحمل على متنها أربعين ألف مقاتل من صفوة فيالق الجيش، جنوداً لم يعرفوا في حياتهم معنى التراجع. رفع البحارة الأشرعة السوداء الكبيرة بناءً على أوامر سرية مشددة، لتندمج الأجسام الخشبية الضخمة مع سواد الليل الحالك، وتتحول الحملة كلها إلى أشباح تمخر العباب دون أن تترك أثراً تلمحه أعين الجواسيس.على أسطح تلك السفن، كان الجنود يقفون صفوفاً متراصة كالمسلات. لم يكن هناك صخب، ولا قرع للطبول، ولا زئير للشعارات الحماسية. كان كل مقاتل يشخص ببصره نحو السواحل المصرية التي بدأت تتوارى وتغيب خلف حجب الضباب والظلام تدريجياً. كانت تلك النظرات تحمل مزيجاً غريباً من الشجن و

  • سيد الرماد والضوء   110

    ابتسم خع إم واست ابتسامة خفيفة مليئة بالقلق وقال بنبرة هادئة:"لقد وعدنا الإله "ست" بالفعل بأنه سيساعدنا في الوقت المناسب، وأعطانا تميمته السحرية. لكنني أخاف من شيء واحد يا أخي... إن الإله "ست" مشغول دائماً في معركته اليومية ضد أفعى الفوضى "أبوفيس" ليحمي الشمس. كيف سيترك هذه المعركة الكبرى ليأتي إلينا؟ قد يتأخر مدده... أو قد لا يستطيع الحضور."اقترب مرنبتاح من أخيه، ووضع يده على كتفه بقوة وثقة وقال:"أعرف ذلك جيداً.. لكننا لا نستطيع الانتظار إلى الأبد. أبونا رمسيس العظيم لم يكن ينتظر الأعداء، بل علمنا أن الدفاع الحقيقي يكون بالهجوم والاستعداد. سأقود جيوشي عبر البحر، وسننزل من السفن فجأة لنضرب بقوة ونسحق كل من يقف أمامنا. وإذا ظهر بعل، سنواجهه وجهاً لوجه. أنت وابنك "سى اوزير" ستكونان معي بسحركما، والتميمة ستكون في يد الفتى... وثق أن الإله "ست" سيأتي عندما يرى أن الوقت قد حان."نظر خع إم واست إلى أخيه الملك طويلاً، ورأى في عينيه شجاعة وإصراراً كبيراً، فتنهد وقال:"إن عزيمتك قوية جداً يا مرنبتاح. حسناً... سأكون معك ولن أتركك. لكن دعنا نخطط للأمر بدقة؛ سنختار أفضل الجنود والمقاتلين، وسأست

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status