Share

92

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-01 14:12:31

تحولت جدران معبد "بو باستيس" العتيق إلى مسرحٍ لجحيمٍ حيّ، يتلوى فيه الظلام كأفاعٍ عملاقة تبتلع كل ما يصادفها من ضياء. لم يعد المعبد محراباً للعبادة، بل أضحى ساحة حربٍ كونية تلتحم فيها السماء بالأرض، وتتصادم فيها الإرادة البشرية مع اللعنات القديمة. الهواء هناك لم يكن نسيماً، بل كان غباراً من السحر الأسود، يحرق الرئات ويثقل الأنفاس، فيما كانت أعمدة الحجر الضخمة تهتز تحت وطأة الطاقة المتفجرة التي ملأت الأركان.

في قلب هذا الاضطراب المزلزل، وقف الأمير "خع إم واست". كان جسده المنهك يرتجف بعنف كشجرة عاتية تضربها الرياح من كل جانب. فجأة، وبقوة نابعة من أعمق نقطة في روحه المعذبة، دفع الساحرة "تابوبو" بعيداً عنه. كانت دفعة مشحونة بيأس رجل يغرق، تسببت في إحداث موجة ارتدادية هزت أركان المعبد كله، فتساقطت الأتربة والشروخ من السقف الحجري كأنما تئن الجدران معه.

تراجعت "تابوبو" خطوات إلى الوراء، وحفيف ثوبها الحريري الأسود يصدر صوتاً يشبه فحيح الأفاعي. لأول مرة، اتسعت عيناها الكاحلتان بذهول حقيقي؛ تلك العيون التي طالما رأت الملوك يركعون تحت قدميها، لم تكن تتوقع أن تجد إرادة تجرؤ على الفكاك من أسرها. لكن دهشتها لم تدم سوى ثانية واحدة، قبل أن تنقلب إلى غضب مستعر، غضب إلهي مشوه صبغ وجهها الفاتن بملامح شيطانية.

"جريء جداً..." همست بصوت حاد، كأنه نصل مسموم يمر على زجاج الروح. "بعد كل ما أغدقتُه عليك... بعد أن فتحتُ لك بوابات الخلود والملذات التي لم يحلم بها بشر... تختار الآن أن تقاومني؟ تختار الفناء على أن تكون مَلِكي؟"

في تلك اللحظة بالذات، لم تكن المعركة الحقيقية تدور على الأرض الحجرية للمعبد، بل كانت تستعر داخل تلافيف عقل "خع إم واست". كان ذلك صراعاً نفسياً وميتافيزيقياً مرعباً، صراعاً بين الرجل والوحش، بين النور الكامن والظلمة الطاغية.

الهوية والأصل والنور ]- ذكريات الشهوة والملذات. - "أنا خع إم واست.. أمير منف"- نداء الخضوع والسيطرة. - "أنا زوج تفنوت.. وأب سى اوزير"

وقف الأمير في وسط المحراب، وقد بدا وكأنه يتمزق من الداخل إلى نصفين. يداه، اللتان طالما خطّتا البرديات المقدسة، امتدتا لتمسكا برأسه بقوة هائلة، غارستين الأظافر في جلده كأنه يحاول منع جمجمته من الانفجار تحت ضغط الأفكار المتصارعة. عيناه كانتا مرآة لهذا الجحيم؛ في ثانية تصبحان سوداوين تماماً، حالكتين كليلٍ بلا نجوم، يعكسان استسلامه للشهوة والظلام، وفي الثانية التي تليها، تشتعل فيهما بقع فيروزية خافتة، كجمرٍ تحت الرماد يرفض الخمود.

انطلقت من حنجرته صرخة روعت أركان المعبد، صرخة لم تكن بشرية بالكامل، بل كانت مزيجاً مرعباً من زئير حيوان جريح وألم إنساني موغل في العذاب:

"اخرجي من رأسي! اخرجي... أنتِ لستِ أنا! أنا لستُ هذا المسخ!"

لكن الظلام داخل عقله كان يقاتل بشراسة ضارية، رافضاً خسارة دميته المفضلة. بدأت ذكريات "تابوبو" تتدفق في وعيه كشلال من نار سائلة. رأى وذاق وشعر مجدداً بتلك الليالي الجامحة، الأجساد المتشابكة في عتمة الغرف السرية، رائحة البخور المسكر، وصوتها الأنثوي الخارق للطبيعة وهو يهمس في أعماق مسامعه: "أنت لي... قدرك مكتوب بدمي... لن تفلت مني أبداً". كانت الشهوة تحاول السيطرة عليه مجدداً، تمتد كجذور نبتة سامة تخنق إرادته، وتسحبه برفق قاتل إلى قاع الهاوية.

"لا...!" صاح الأمير بصوت مبحوح، وهو يضرب صدره بقبضة يده بقوة كادت تحطم ضلوعه، ثم أتبعها بضربة عاتية على رأسه، محاولاً بشتى الطرق إيقاظ ذلك النور الضئيل المنزوي في زوايا روحه.

كان جسده يتلوى، والدم ينزف من جبينه إثر الضربات، ليسيل على وجهه ممتزجاً بعرقه البارد. ومع كل قطرة دم تسقط على الأرض، كان يستدعي هويته وسلاحه الوحيد: الحقيقة.

"أنا خع إم واست... كاهن بتاح الأعظم!"

"أنا أمير منف وحامي حمى الأرضين!"

"أنا زوج تفنوت العفيفة، وأنا أب سى اوزير الذي يحمل اسمي!"

ضرب رأسه مرة أخرى، والدموع تختلط بالدم، وصوته يرتفع متحدياً الوعي المستعار: "اخرجي! لن أكون الأداة التي تطعن خاصرة عائلتي... لن أؤذيهم حتى لو كان الثمن فناء روحي!"

في عوالم عقله الباطن، كان يرى صورة "تابوبو" وهي تضحك ضحكة هستيرية ساخرة، ممسكة بخيوط إرادته، تحاول توجيه جسده نحو زوجته وابنه الواقفين في المعبد، تدفعه ليصبح الخنجر الذي يمزق لحمه بيده. حاول الأمير في الواقع أن يتقدم نحو جسد "تابوبو" المادي ليهاجمها، لكن السحر شل أطرافه. سقط على ركبتيه فوق البلاط الحجري الصلب، وأخذ يضرب رأسه بالأرض بقوة وهستيرية، تاركاً بقعاً من الدماء على الحجر القديم، وهو يصرخ بيأس خارق: "لا... لا تلمسيهم... أنا لن أسمح لكِ... خذيني أنا، واتركيهم!"

في تلك اللحظة الوجعة، عندما بدا أن الأمير أوشك على الانكسار التام والوقوع في أسر الجنون أو الموت، تحرك شيء آخر في المحراب. لم يكن سلاحاً، ولم يكن تعويذة سحرية، بل كان تجسيداً لإرادة بشرية لا تقل ضراوة عن إرادة الآلهة.

تقدمت الأميرة "تفنوت". كانت خطواتها ثابتة رغم أن الأرض تحتها كانت تمور. تجاهلت صرخات ابنها المخنوقة، وتجاهلت الدوامات السوداء والطاقة المظلمة التي كانت تحيط بـ "خع إم واست" كأشواك غير مرئية تمزق كل من يقترب. ركضت نحوه، مدفوعة بقوة لا يعرفها سوى قلب امرأة ترى عالمها ينهار.

ارتمت بين أحضانه، واحتضنت جسده المرتجف بقوة يائسة، ملتصقة به لتكون درعاً بينه وبين ظلاله. وضعت رأسها على صدره الذي كان يعلو ويهبط كمنفاخ حداد، ونظرت في عينيه المتغيرتين. لم ترَ فيهما المسخ، بل رأت حبيبها، زوجها، وشريك عمرها. وبعاطفة تجاوزت حدود العقل والبشر، رفعت وجهه، وقبلت شفتيه قبلة عميقة، طويلة، قبلة حشدت فيها كل ذكريات أركان بيتهما الدافئ، كل لمسة حب، كل ألم وتضحية قدماها معاً.

رغم الأزيز المرعب للسحر الأسود حولهما، همست بين شفتيه بكلمات كانت بمثابة ترتيلة الخلاص:

"أنا تفنوت... زوجتك التي اختارها قلبك... أم ابنك الذي يحمل فخرك... أحبك بما يتجاوز الموت والوقت... عد إلينا يا حبيبي... أرجوك، لا تتركنا في هذا الظلام."

كانت هذه الكلمات، وتلك القبلة، بمثابة المفتاح السحري الذي حطم الأغلال. في تلك اللحظة الملحمية، لم يعد هناك مكان للشك. انفجر النور من أعماق "خع إم واست".

لم يكن نوراً عادياً، بل كان وميضاً فيروزياً هائلاً، لون الحجر المقدس، لون البعث والحياة عند الفراعنة. انبثق النور من مركز صدره كأن شمساً بكر قد وُلدت في تلك اللحظة داخل روحه لتطهر كل دنس. تقوس جسد الأمير إلى الخلف بفعل القوة الطاردة، وصاح صيحة هزت السموات، بينما بدأ الظلام يتشتت متبدداً من مسامه كأنه دخان أرواح سوداء مرعوبة، تتطوح في الهواء وتتلاشى تحت سوط الضياء.

كان النور الفيروزي يتدفق بقوة مذهلة، يحرق بقع الغواية، ويقتلع جذور سحر "تابوبو" من عقل الأمير وقلبه، معيداً غسل روحه بمياه الطهارة الأولى.

لكن القوى الكونية عندما تتصادم، تترك وراءها ضحايا. في غمرة ذلك الانفجار الروحي والنور القاذف، ودون وعي منه، دفعت الطاقة المتولدة من جسد "خع إم واست" الأميرة "تفنوت" بعيداً. طارت بجسدها النحيل لتسقط على الأرض الحجرية بقوة، وارتطم رأسها بالحجر الصلب بصوت مكتوم حبس الأنفاس.

خمَد النور الفيروزي فجأة، وحلّ سكون قاتل في المحراب، لم يقطعه سوى جسد الأميرة الممدد بلا حراك، وعيناها مغلقتان تماماً.

"تفنوت!"

انطلقت الصرخة في نفس اللحظة من حنجرتين؛ حنجرة الزوج الذي عاد إلى وعيه ليجد فاجعته، وحنجرة الابن "سى اوزير" الذي شهد سقوط أمه.

ركض "خع إم واست" على ركبتيه، يجر جسده المنهك نحوها. ارتمى فوقها واحتضن رأسها بدموع انهمرت كالمطر من عينيها اللتين عادتا لطبيعتهما البشرية. أخذ يهزها بقلب مفطور، وصوته يتهدج بنشيج يمزق الصخر:

"تفنوت... لا! ليس بعد أن عدت... لا تموتي وتتركيني في صحراء هذا العالم... أرجوكِ، افتحي عينيكِ!"

بجانبه، كان الفتى "سى اوزير" يجثو على ركبتيه، يمسح بدموعه يدي أمه الباردتين، ويمسد عليهما بحركات يائسة، محاولاً بث الحياة فيهما، وهو يهمس بكلمات طفولية متوسلة لعالم الآلهة ألا يأخذوا منه أمه.

ظن الاثنان، في تلك اللحظات الرهيبة، أن الموت قد انتصر، وأن الثمن الذي دُفع لإقاذ الأمير كان روح الأميرة. كان "خع إم واست" يبكي كطفل ضل في وادٍ مظلم، يقبل جبينها البارد، ودموعه تسقط على وجنتيها الشاحبتين، يصرخ بملء فيه: "عدي إليّ... عدي لي يا تفنوت... خذي روحي بدلاً منكِ، لكن لا تتركيني..."

في تلك البرهة الكاحلة من اليأس، عندما بلغت التضحية البشرية ذروتها، حدثت المعجزة.

بدأ الهواء المحيط بجسد "تفنوت" يهتز، وانبثق نور ذهبي خافت، دافئ كأشعة شمس الصباح، يختلف تماماً عن فيروزية الأمير وعن ظلام الساحرة. وفي وسط هذا الضياء، تجسد طيف الإلهة حتحور، إلهة الحب والجمال والبعث. ظهرت في هيئة شفافة، فائقة الجمال، تفيض بالرحمة والسكينة.

نظرت الإلهة إلى الزوج والابن الباكيين، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة تجمع بين جلال الآلهة وحنان الأمهات. مدت يدها النورانية الشفافة، ووضعت أصابعها برفق على جبين "تفنوت" النازف.

+---------------------------------------------------------+| ترتيلة حتحور || "حبها أقوى من الموت، || تضحيتها شقت حجب العالم السفلي، || ولقلب مثل قلبها... تعود الحياة" |+---------------------------------------------------------+

وما إن نطقت الإلهة بكلماتها حتى سرت قشعريرة ذهبية في جسد "تفنوت". بدأت الأنفاس تعود إلى صدرها ببطء، وتدفق الدفء في أطرافها. تلاشت صورة الإلهة في الهواء تاركة أثراً من عطر اللوتس النادر.

فتحت "تفنوت" عينيها ببطء شديد، وكأنها تعود من رحلة طويلة خلف بوابات الأفق. أول ما رأته كان وجه زوجها، المغطى بالدم والدموع، ينظر إليها بلهفة كمن يرى معجزة الخلق الأولى.

"خع إم واست..." همست باسمه واهنة.

لم ينطق الأمير بكلمة، بل جذبها إلى صدره باحتضان قوي كاد يدمج جسديهما معاً، وبكى، لكنها كانت دموع الفرح والارتياح هذه المرة. انضم إليهما "سى اوزير"، ليرتمي في أحضانهما، مشكلين بأجسادهم الثلاثة حلقة من النور البشري العصي على الكسر وسط خراب المعبد.

على الجانب الآخر من المحراب، في زاوية مظلمة بدأت تضيق بها المساحات، كانت "تابوبو" تقف مراقبة المشهد. كانت ملامحها تشي بغضب عارم وعجز لم تعهده من قبل. السحر الأسود الذي كان يغذيها ويمنحها هيبتها المرعبة بدأ يتقلص ويتلاشى كالدخان أمام طاقة الحب والبعث التي ملأت المكان.

قوتها قد ضعفت، وجبروتها انكسر تحت أقدام عائلة رفضت أن تتمزق. ورغم أن أنفاس المعبد كانت لا تزال ثقيلة، ورغم أن المعركة لم تنتهِ فصولها الأخيرة بعد، إلا أن ميزان القوى قد تغير إلى الأبد.

لقد أثبتت الروح البشرية، في أسمى تجلياتها، أن النور لا يحتاج إلى فيالق ليهزم الظلام... بل يحتاج فقط إلى قلبٍ يرفض الخيانة، وحبٍ يرفض الموت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status