Share

93

Penulis: Ahmed Habib
last update Tanggal publikasi: 2026-07-01 14:12:38

كان الأمير "خع إم واست" جاثياً على ركبتيه فوق البلاط الحجري الذي تخضب بالدماء والرماد السحري، ملتصقاً بـ "تفنوت" باحتضانٍ يائس، كأنه يخشى أن تذوب ذرات جسدها بين ذراعيه وتتحول إلى سراب. كان جسدها لا يزال يحتفظ بدفء الحياة، ونبضها واهناً كموجة بحرٍ توشك على الجفاف، لكنه منتظم. وجهها الشاحب، الذي كان يوماً بياضه كمرمر المعابد، يحمل الآن خطوطاً خفيفة من ألمٍ يفوق طاقة البشر.

أمسك برأسها بكفيه اللتين كانت ترتجفان بوجل، وقبّل جبينها مرات ومرات، قبلات ممزوجة بملوحة دموعه الساخنة التي كانت تسيل على وجنتيها كالأمطار الغزيرة فوق أرضٍ عطشى. همس بصوت متهدج مكسور، صوتٍ لم يعد يحمل كبرياء الملوك، بل حمل كل ما تبقى له من إنسانية، وندم، وحبٍ طال كبته:

"تفنوت... زوجتي... ضياء عيني وأم ابني... أرجوكِ، لا تمضي إلى حقول القصب وتتركيني وحيداً في هذا القفر. أنا هنا... لقد عاد خع إم واست الذي تعرفينه... لقد أفقتُ من كابوسي وعُدتُ إليكِ. سامحيني على كل سكينٍ غرزتُها في قلبكِ... سامحيني على السنة العجفاء التي سرقتها الغواية منا... سامحيني على الضعف المخزي الذي أذل كرامتي وجعلني مسخاً بين يدي ساحرة..."

مع كل قطرة دمع تسقط من عينيه لتلامس بشرتها، كان يشعر بخفقات قلبها الواهنة تحت كفه العارية. وفي تلك اللحظة الوجيعة، وفي أعمق دهاليز روحه المُستعبَدة، شعر بوخزٍ خفيف لكنه حاد كالنصل. إنه ذلك الوميض الضئيل، الجمرة الفيروزية المقدسة التي أبى الظلام أن يطفئها طوال عامٍ كامل من الأسر المظلم. بدأ ذلك الوميض يتوهج، يتسع، وينبض بقوة زلزلت كيانه.

كان النور يعود إليه؛ لم يكن صعوداً سهلاً، بل كان مخاضاً مؤلماً، مرعباً، وقاسياً، كأنما تُولد روحه من جديد من بين فكي الموت. تدفقت الذكريات في عقله كشلالٍ هادر من الضياء، تحطم سدود النسيان والسحر الأسود التي ضربتها "تابوبو" حول عقله:

ليلة العهد المقدس: رأى نفسه واقفاً مع تفنوت تحت ضوء القمر الفضي الساكب في فناء معبد "بتاح"، حيث امتزجت أنفاسهما بوعود الأبدية.

معجزة الصرخة الأولى: تذكر لحظة ولادة "سى اوزير"؛ صرخة الطفل الأولى التي شقت صمت المحراب، والوميض الفيروزي الخارق الذي أحاط بالمهد كبشارة من الآلهة.

حضن الآب الروحي: تذكر الدفء المهيب في حضن أبيه، الفرعون العظيم "رمسيس الثاني"، عندما عاد خع إم واست من رحلته المظلمة في أعماق "الدوات" (العالم السفلي).

ضحكات الحديقة الشاردة: تذكر رنين ضحكات "تفنوت" وهي تركض بين أشجار الجميز واللوتس في حديقة القصر بـ "منف"، والنسيم يحمل عطرها.

التعويذة الأولى: تجسدت أمامه يد ابنه الصغيرة، الطرية، وهي تمسك بأصابعه المرتجفة وهو يعلمه كيف يخط الرموز المقدسة وأولى تعاويذ الحماية.

كانت كل ذكرى من هذه الذكريات بمثابة كتيبة من جنود النور، تحارب جيوش الظلام داخل خلايا جسده بشراسة ضارية، تحرق خيوط العنكبوت السوداء التي نسجتها الشهوة السامة في دمه.

رفع الأمير رأسه ببطء شديد. التفتت رقبته نحو الزاوية التي تقف فيها "تابوبو". في تلك اللحظة، شعر كل من في المعبد أن الهيكل الحجري قد تبدل سيده.

وجه "خع إم واست" لم يعد وجه العبد الخاضع المغيب. اختفى السواد الحالك الذي كان يغمر حدقتيه كبئر نفط سائل. بدلاً من ذلك، كانت هناك شرارات فيروزية متفجرة، تطق من عينيه كالبرق الوعر في ليلة عاصفة لا ترحم. كانت عيناه تحترقان بنار انتقام نقي، نار لم تشهد الأرض مثل ضراوتها من قبل؛ لأنها نار تغذت على الندم المكبوت والكرامة المستباحة.

لم يعد جسده يرتجف من الخوف أو وطأة السحر، بل كان يهتز بفعل غضب ملكي قديم، غضب جينات الفراعنة الحاكمة التي استيقظت في دمه بعد عام كامل من الاستعباد والإذلال المهين. وقف ببطء، وفي وقفته كانت كل عضلة وعصب في جسده تستعيد ذاكرة المجد، تتذكر من هو حقاً. نظر إلى "تابوبو" بنظرة اخترقت طيات سحرها؛ نظرة لم تنظرها بشرية من قبل... كانت نظرة أمير يجلس على عرش الحق، ونظرة زوج طُعن في عرضه، ونظرة أبٍ سُرقت أبوته، ونظرة الحارس الأعظم لمصر الحية.

[ تحول ملامح الأمير ] العبد المغيب ◄◄◄ الملك المنتقم( عيون سوداء غارقة ) ( شرارات فيروزية بارقة )( جسد يرتجف ضعفاً ) ( جسد ينتفض غضباً ملكياً )

"أنا... لن أترككِ تعبثين بمقادير روحي هذه المرة."

خرج صوته في البداية هادئاً، رخيماً، لكنه كان يحمل في طياته هسيساً مرعباً كرعدٍ مكبوت يتصاعد في جوف السحاب الأسود ليوشك أن يشق السماء. تقدم نحوها خطوة واحدة، فاهتزت الأرض تحت قدمه، والشرارات الفيروزية في عينيه تتألق وتتضاعف كأنهما شمسين مصغرتين:

"لن تكون هناك عودة لكِ إلى عالم الأحيائيين مجدداً. سأحمي عائلتي بدمي، وسأحمي أرض مصر العظيمة من رجس شروركِ إلى أبد الآبدين. أنتِ سَرَقتِ عاماً كاملاً من نبض حياتي... سرقتِ براءة ضحكات ابني... سرقتِ دموع زوجتي التي جفت في غيابي... واليوم... هنا في محراب بو باستيس... سأضع حداً لعمركِ الدنس."

تراجعت "تابوبو" خطوة إلى الوراء، وحفيف ثوبها يرتطم بالحجر. اعتلت وجهها الفاتن ملامح صدمة حقيقية وهلع دفين لم تذق طعمه منذ قرون. كانت واثقة، بيقينها المظلم، أنها روضت هذا الأسد، وأنها قيدت عقله بـ "كتاب تحوت" المشوه والشهوات الجسدية التي لا ينفك البشر يغرقون فيها. لكن الوميض الذي أشعلته قبلة "تفنوت" ودموعها كان طاقة كونية تفوق قدرتها على الاستيعاب.

حاولت استعادة قناع السيطرة والبرود، فارتسمت على شفتيها القرمزيتين ابتسامة متوترة، مشوبة بالخوف، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها غاوية: "جريء جداً يا حبيبي ومليكي... أبهذه السرعة تنكر كل ليلة قضيناها معاً في مخدعنا؟ بعد كل تلك الملذات المحرمة التي أغرقتُ روحك وجسدك فيها حتى ثملت... تختار الآن أن ترفع سيفك ضدي من أجل امرأة فانية؟"

لم يكلف الأمير نفسه عناء الرد بالكلمات. كان الرد زلزالاً انفتح من الجحيم.

انفجرت المعركة بشراسة أسطورية لم يشهد المعبد، بل ولم تشهد "منف" كلها، مثيلاً لها في غابر الأزمان.

أطلقت "تابوبو" يدها في الهواء، فاندفع من كفيها طوفان من المادة السوداء اللزجة، تحولت في ثوانٍ إلى أفاعٍ عملاقة مشوهة، حراشفها من الفحم الملتهب، وأنيابها تقطر سمّاً أسود يغلي بالنيران. اندفعت الأفاعي نحو خع إم واست لتمزقه وتلتهم روحه.

بسرعة خارقة تخطت حدود القدرة البشرية، قفز الأمير في الهواء. في يده، لم يكن هناك سيف حديدي، بل استدعى سيفاً أثيرياً صُنع من خالص طاقة النفس والمتولد من المعرفة العميقة لكتاب تحوت. لمع السيف بنور فيروزي متجدد، يشع ضياءً يحرق العتمة. هبط كالصاعقة، وبضربات متلاحقة سريعة كالبرق، بدأ يقطع رؤوس الأفاعي الظلامية. ومع كل قطرة نصل، كانت الأفاعي تتلاشى في شرارات نارية زرقاء تشتعل في الهواء وتصدر عويلاً كأرواحٍ معذبة تتبخر.

كان يقاتل بغضب ملكي كاسح؛ لم تكن الضربات مجرد حركات سيف، بل كانت تفريغاً لسنوات من الألم المكبوت، والذل الذي تجرعه، والندم الممزق، والحب الذي حُرم منه.

"أنتِ دمرتِ حياتي وجعلتِني خائناً لنفسي!" صاح بصوت زأرت له جدران المعبد، وهو يطيح برأس أفعى ضخمة كادت تندفع نحو جسد "تفنوت" الملقى. "أنتِ سَرَقتِ سنة كاملة من عمري وأنا حي كالميت! سرقتِ ضحكات طفلي! سرقتِ حضن زوجتي الدافئ!"

كانت "تابوبو" تتحرك وسط المعركة بأناقة مرعبة وخفة جنية عتيقة. كان جسدها الفاتن ينحل جزئياً ليتحول إلى دخان أسود كثيف يفلت من ضربات سيفه، ثم يعود ليتجسد في مكان آخر. كانت تطلق من فمها وعينيها لهيباً أسود كالحاً، نيراناً لا تحرق الجسد بل تحرق الروح والذاكرة. كانت تضحك ضحكات هستيرية صاخبة وهي تقاتل، لكن ضحكتها كانت تفضح توتراً خفياً، نبرة خوف من رجل لم يعد لديه ما يخسره.

صرخت وسط دوي السحر: "أنت من اخترتني في ذلك اليوم المشؤوم! أنت من جئت إلى عتبة داري تبحث عن المعرفة المطلقة والجمال الذي لا يشيخ! أنت من استسلمت لقبلاتي وألزمت نفسك بعهدي!"

تلقى خع إم واست لهيبها الأسود بدرع من الطاقة الفيروزية شع من كف يسراه، ورَد بضربة سيف هائلة أحدثت موجة صدمية شقت أرضية المعبد الحجرية إلى نصفين، وصرخ متمرداً:

"كنتُ مخدوعاً بستائر سحركِ وزيف وعودكِ... أما اليوم... وبدموع زوجتي ونور ابني... أنا حــــــــر!"

وصلت المعركة إلى ذروة مرعبة من الألم والجهد الإلهي. كان خع إم واست يستنزف كل قطرة طاقة بقيت له من علوم "كتاب تحوت" المقدس. ومع كل ضربة سيف، كان يشعر بالخيوط السوداء والروابط الروحية اللعينة التي كانت لا تزال تمتد من قلب تابوبو لتحاول الالتصاق به مجدداً، وهي تنقطع وتتطاير كأشلاء منسوجة من الكوابيس.

كانت ذكرياته الحقيقية تعود لتشحن سيفه بنور متجدد مع كل ومضة: ليلة الزفاف، صرخة الابن، حضن رمسيس العائد من الموت، وضحكة تفنوت في حديقة اللوتس. كل ومضة ذكرى كانت بمثابة وقود مقدس يغذي النار الفيروزية، وكل ذكرى كانت بمثابة شمس تحرق وتذيب مساحات الظلمة داخل المعبد.

استشاطت "تابوبو" غضباً بعد أن رأت حصونها تتهاوى. تخلت عن مظهرها الأنثوي الفاتن، وتحولت بالكامل إلى ظل عملاق، وحش هلامي أسود يمتد ليمر عبر جدران وسقف المحراب. انطلقت من هذا الظل عشرات الأيدي السوداء الطويلة، ذات الأظافر الحادة، محاولة خنقه، ومحاولة الوصول إلى "تفنوت" و"سى اوزير" لتمزيقهم أمامه كأخر ورقة ضغط.

لكن الأمير كان قد تحول إلى إعصار من النور لا يمكن إيقافه. كان يقف كالطود العظيم أمام عائلته، يقطع الأيدي الظلامية سيفاً تلو سيف، ويصرخ بأعلى صوته الذي تضخم كأنه صوت ملوك مصر الراحلين جميعاً يتحدثون من حنجرته:

"لن أدعكِ تؤذين عائلتي مرة أخرى! لن أدعكِ تدنسين أرض مصر بظلالكِ العفنة ما دام في صدري عرق ينبض!"

وفي لحظة تاريخية خاطفة، لحظة تلاقت فيها الإرادة البشرية مع الفرصة السانحة، جمع خع إم واست كل ما يملك من قوة روحه وجسده، وقفز في الهواء قفزة أسطورية نحو قلب الظل العملاق. اخترق دفاعات السحر الأسود المتساقطة كالمطر، ووجه طعنة نافذة بكلتا يديه بسيفه الأثيري الفيروزي، ليغرز النصل في كتف وصدر التجسد المادي لـ "تابوبو".

انطلق من جوف الساحرة عويل مرعب صم الآذان، عويل شق جدران المعبد وتسبب في انهيار بعض الأعمدة الجانبية. تراجعت إلى الوراء وهي تتخبط، وجسدها يعود لشيرته البشرية مستندة إلى حائط المعبد، بينما كان يسيل من جرحها دم أسود غريب، لزوجته تحرق الأرض الحجرية حيثما سقطت.

كانت المعركة لا تزال في أوج غبارها، والأنقاض تتساقط، لكن الميزان كان قد حُسم. النور الفيروزي والذهبي كان يتصاعد من جسد الأمير ومن أركان المحراب كأمواج طوفان جارف، بينما كان الظلام يتراجع، ينكمش، وينسحب رويداً رويداً إلى الزوايا الضيقة والظلال الشاحبة كأنه وحش يحتضر.

على الأرض، وبدعم خفي من بقايا البركة الذهبية للإلهة حتحور، كانت الأميرة "تفنوت" تبدأ في فتح عينيها ببطء شديد. التفتت برأسها المثقل، لتجد زوجها واقفاً كالبطل الأسطوري في الأساطير القديمة، يحيطه الضياء الفيروزي من كل جانب، وسيفه يقطر من دماء الظلام. نظرت إليه، ورغم التعب والألم، التمعت عيناها بأمل جديد، أمل أعلن صراحة أن ليل السنة العجفاء قد انقشع، وأن الفجر قد بزغ أخيراً على ضفاف روحهما المنهكة.

كانت المعركة تلملم فصولها في ذروتها الدرامية الكبرى... والنور، بكل ما أوتي من قوة الحق والذكرى، كان يعلن انتصاره الساحق على الظلام في قلب معبد بو باستيس العتيق.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status