LOGINلم أتحرك في البداية.
بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا. الملك طلب رؤيتي. يا إلهي... تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام. "أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر." نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري. خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني. "إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض. لم تنظر إليّ وهي تجيب: "إلى جناح الملك." كادت قدماي تتوقفان عن الحركة. جناح الملك؟ التفت إليها بحدة، لكن وجهها بقي جامدًا كالحجر، وكأنها لم تقل شيئًا يستحق كل هذا الهلع. تابعت السير بصمت، أما أنا فشعرت أن صدري يضيق أكثر مع كل خطوة. لماذا يريدني في جناحه؟ هل اشتكى للملكة من وقاحتي؟ هل عرف أنني لم أنحنِ له كما يجب؟ أم أنه تذكر الطريقة التي كلمته بها في الممر، وقرر أخيرًا أن يعلمني الفرق بين ملك وخادمة؟ يا إلهي... ليت الأرض تنشق وتبتلعني الآن. توقفنا أخيرًا أمام بابين شاهقين من الخشب الداكن، تحرسهما مشعلتان كبيرتان وجنديان جامدا الملامح. انحنت العجوز قليلًا ثم قالت للحارس الأقرب: "الخادمة سيلا." أومأ الرجل برأسه ودفع الباب ليفتح ببطء. في تلك اللحظة، تمنيت لو أستطيع الفرار. تمنيت لو أستطيع العودة إلى غرفتي، أو إلى بيتنا البائس، أو حتى إلى محل الملابس الحقير في الحي... أي مكان في العالم إلا هنا. "ادخلي." همست العجوز وهي تدفعني برفق من كتفي. ابتلعت ريقي ودخلت. أُغلق الباب خلفي بصوت خافت، فارتجف قلبي في صدري. كانت الغرفة واسعة إلى حد أربكني. السقف مرتفع، والستائر الثقيلة تتدلى من النوافذ الطويلة، ورائحة خشب دافئ ممزوجة بعطر خفيف تملأ المكان. لم تكن غرفة نوم عادية كما تخيلت، بل أقرب إلى قاعة خاصة؛ مكتبة على أحد الجدران، وخريطة كبيرة معلقة على جدار آخر، وطاولة واسعة فوقها عدد من الأوراق والشموع. وكان هو واقفًا عند النافذة، يدير ظهره لي. للحظة، لم أرَ فيه الملك الذي يدخل بتيجان ومواكب، بل رجلًا طويل القامة يملأ المكان بهيبة مزعجة حتى وهو صامت. كانت كتفاه عريضتين على نحو لافت، وقامته مستقيمة كأنها لا تعرف الانحناء. وحين استدار نحوي ببطء، انعقد نفسي في صدري. يا إلهي... اللعنة، كيف لم ألحظ هذا من قبل؟ كان وسيمًا على نحو قاسٍ، لا ذلك الجمال الناعم الذي يبعث الراحة، بل جمال حاد يربك النظر إليه. بشرته قمحية فاتحة، وخط فكه واضح وصلب، وأنفه مستقيم كأنه نحت بعناية. أما عيناه... فكانتا أكثر ما أربكني؛ رماديتين مائلتين إلى الزرقة في ضوء المشاعل، ثابتتين على نحو يجعل من ينظر إليهما يشعر وكأنه مكشوف بالكامل. شعره أسود كثيف، أقصر قليلًا عند الجانبين، بينما انسدلت بعض الخصلات فوق جبينه بلا ترتيب كامل، كأنها زادت ملامحه صرامة بدل أن تخففها. كان قد خلع رداءه الملكي الثقيل، واكتفى بثياب داكنة بسيطة، لكن بساطتها لم تنزع عنه هيبته، بل جعلتها أوضح. بدا أقل بهرجة من ظهوره في غرفة الملكة، وأكثر خطورة. رجل لا يحتاج إلى تاج فوق رأسه ليعرف الجميع أنه الآمر هنا. ارتجفت أصابعي من جديد. للحظة، فكرت أن أبقى صامتة حتى يلتفت هو، لكنني خشيت أن يعدّ ذلك وقاحة جديدة، فتمتمت بصوت بالكاد خرج من حنجرتي: "طلبتني... يا مولاي؟" ثبت عينيه عليّ فورًا، بنفس النظرة الطويلة المربكة التي رأيتها في الممر، كأن وجودي يثير فيه سؤالًا لا يجد له جوابًا. "اقتربي." قالها بهدوء، لا بصوت غاضب كما توقعت، لكن ذلك لم يخفف رعشتي. تقدمت خطوتين فقط، ثم توقفت. لم أكن مستعدة للاقتراب أكثر من رجل يستطيع، بكلمة واحدة، أن يقطع رأسي ويواصل عشاءه بهدوء. رفع حاجبه قليلًا، وكأنه لاحظ ترددي، ثم قال: "أأنت خائفة مني إلى هذا الحد؟" كذبت فورًا: "لا." ابتسم ابتسامة قصيرة، ساخرة على نحو أزعجني. "إذن لِمَ ترتجف يداكِ؟" خفضت بصري بسرعة إلى أصابعي، فوجدتها بالفعل ترتعش فوق أطراف الفستان. لعنت نفسي في سري وضممت يدي خلف ظهري حتى لا يراهما. ساد صمت قصير قبل أن يتحرك مبتعدًا عن النافذة، ثم اتكأ بطرفه على الطاولة وأعاد السؤال الذي طرحه عليّ أول مرة، لكن بصوت أبطأ هذه المرة: "من أنتِ يا سيلا؟" رمشت باستغراب. "لقد أخبرتك... أنا سيلا." "هذا اسمك، لا جواب سؤالي." قالها وهو يراقب وجهي بدقة. "من أين جئتِ؟ من الذي أدخلك القصر؟ وكيف انتهى بك الأمر خادمة لدى الملكة؟" ارتبكت. لم أكن أتوقع هذا النوع من الأسئلة. ظننت أنه استدعاني ليوبخني أو يعاقبني، لا ليستجوبني عن حياتي. رفعت رأسي نحوه بحذر وقلت: "أنا من الأحياء الجنوبية، يا مولاي. أمي خياطة، وصاحب محل الثياب هو من رشحني للعمل هنا بعد أن طلب القصر خادمة جديدة." "الأحياء الجنوبية..." كررها ببطء، وكأن الكلمات وحدها لا تكفي. "وأبوك؟" تصلبت ملامحي دون إرادة. "مات." لم أضف شيئًا. لم أحب يومًا الحديث عن أبي، ولا عن موته، ولا عن الجنود الذين تركوا في بيتنا كراهية لم تنطفئ حتى الآن. لكن الملك لم يبدُ كمن سيفلت الأمر بهذه السهولة. ضيق عينيه قليلًا وقال: "كيف مات؟" رفعت نظري إليه بحدة خفيفة قبل أن أتمكن من منع نفسي. "في شجار مع جنود المملكة." خرجت الجملة باردة، إلا أن ما تحتها كان ساخنًا بما يكفي ليحرقني. أدركت فورًا أنني ربما قلت أكثر مما يجب، فعضضت على شفتي، لكن الوقت كان قد فات. ظل يحدق بي لثوانٍ طويلة، ثم استقام عن الطاولة واقترب خطوة واحدة. "ومع ذلك جئتِ للعمل في القصر." "لم يكن لدي خيار." قلتها قبل أن أفكر، ثم ندمت مباشرة على نبرتي. لم يبدُ غاضبًا، بل على العكس... ظهرت في عينيه لمعة غريبة، أقرب إلى الفضول منها إلى الاستياء. "ليس لديكِ الكثير من الخوف في لسانك." قالها بنبرة هادئة. رفعت ذقني قليلًا، رغم أن قلبي كان يخبط بعنف داخل صدري. "بل لديّ ما يكفي من الخوف، يا مولاي. لكنني لا أرى فائدة من تزيين الكلام إن كان مصيري قد حُسم بالفعل." اتسعت ابتسامته هذه المرة، ببطء، كأن إجابتي أمتعته على نحو ما. "ومن قال إن مصيرك قد حُسم؟" رمشت بارتباك. "ألم تستدعني لمعاقبتي؟" "ولمَ أعاقبك؟" كدت أضحك من شدة التوتر. هل يسخر مني؟ هل نسي حقًا الطريقة التي خاطبته بها؟ رفعت حاجبي وأنا أجيبه بحذر: "لأنني اصطدمت بك، ورفعت صوتي عليك، ولم أعرف أنك الملك." "ولو كنتِ تعرفين؟" ترددت. الحقيقة أنني لم أكن لأتجرأ أصلًا لو عرفت، لكن شيئًا في نظرته استفز عنادي، فقلت بصوت أخفض: "لكنني لم أكن أعرف." أطلق ضحكة قصيرة، بالكاد سُمعت، ثم استدار مبتعدًا خطوتين كأنه يمنحني فرصة لأتنفس. "اطمئني، لن تُعاقبي الليلة." شعرت بأن الهواء عاد إلى رئتي دفعة واحدة، حتى كدت أترنح من شدة الارتياح المفاجئ. لكن الارتياح لم يدم طويلًا، لأن صوته جاء بعد لحظة، أكثر هدوءًا وجدية: "استدعيتك لأنني لا أحب وجود وجوه غريبة في القصر دون أن أعرف عنها شيئًا." التفت إليّ مجددًا، ثم أكمل وهو يثبت عينيه عليّ: "وخاصة الوجوه التي تنظر إليّ بتلك الطريقة." عقدت حاجبي. "أي طريقة؟" اقترب خطوة أخرى، حتى شعرت أن المسافة بيننا صارت أضيق مما ينبغي، وقال بصوت منخفض أربكني أكثر مما أخافني: "وكأنها لا ترى ملكًا." حبست أنفاسي. لم أعرف ماذا أقول، ولا لماذا شعرت فجأة بحرارة تصعد إلى وجهي. أشحت بنظري عنه، لكنني كنت أشعر بعينيه عليّ بوضوح. "يمكنك الانصراف." قالها أخيرًا. رفعت رأسي إليه بسرعة، غير مصدقة أن الأمر انتهى بهذه البساطة. "لكن..." تلعثمت. "هذا كل شيء؟" ابتسم ابتسامة جانبية غامضة، ثم قال: "هذا كل شيء... الآن." الآن؟ ترددت لثانية، ثم انحنيت انحناءة سريعة مرتبكة، واستدرت نحو الباب قبل أن يتبدل رأيه. فتحت الباب على عجل وكأنني أهرب من حريق، ولم أتوقف حتى ابتعدت عن الجناح بممرين كاملين. هناك فقط، أسندت ظهري إلى الجدار وأطلقت الزفير الذي كنت أحجزه منذ دخلت عليه. لم يقتلني. لم يعاقبني. بل لم يكن غاضبًا أصلًا... وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الأمر أكثر رعبًا. وضعت يدي على صدري أحاول تهدئة نبضه المجنون، لكن صورة عينيه، وطريقته في مراقبتي، وكلماته الأخيرة، كانت تدور في رأسي بلا رحمة. "هذا كل شيء... الآن." اللعنة. لا، لا يوجد في هذه الجملة ما يطمئن أبدًا. رفعت رأسي ببطء، أحدق في الممر المظلم أمامي، وشعور ثقيل يهبط في معدتي. كنت قد دخلت هذا القصر وأنا أظن أن أكبر مشاكلي ستكون الملكة، أو الخادمات، أو الأعمال الشاقة... لكنني بدأت أفهم أخيرًا أن المشكلة الحقيقية قد تكون شيئًا آخر تمامًا. شيئًا يملك تاجًا، ونظرة لا تترك وجهك بسهولة إنه الملك .انفتح الباب ببطء. "تفضلي." قالها أحد الحارسين وهو يفسح لي الطريق. قبضت على الصينية الفضية بقوة، ثم دخلت بخطوات هادئة. لم يكن هذا أول دخول لي إلى جناح الملك... لكنه كان أول مرة أدخله وأنا أحمل كل تلك الأسئلة. أغلقت الباب خلفي برفق. رفعت بصري قليلًا. كان الملك يقف إلى جوار الطاولة، يتصفح مجموعة من الوثائق بعناية، بينما استقرت إلى جانبه عدة رسائل مختومة بالشمع الملكي. لم يلتفت إليّ فورًا. بدا منشغلًا تمامًا بما بين يديه. تقدمت حتى بلغت الطاولة الصغيرة المخصصة لتقديم الطعام. ثم وضعت صحن الحلوى فوقها بحذر، حتى لا يصدر أي صوت. من المفترض أن أغادر الآن... لكن قدميّ بقيتا ثابتتين مكانهما. كانت عيناي تراقبانه دون قصد. أهو حقًا الرجل نفسه الذي سمعت حديث الملكة عنه قبل قليل؟ ذلك الرجل الذي لا يكاد يزور جناح زوجته... ولا يمنحها حتى فرصة لتنجب الوريث الذي تنتظره المملكة بأسرها؟ لم أعد أعرف. فكل ما أراه أمامي رجل هادئ، غارق في أوراقه، لا يبدو عليه شيء مما سمعته. طوى إحدى الرسائل، ثم رفع رأسه نحوي. "هل وضعتِ الحلوى؟" انتفضت على صوته. "نعم... يا جلالة ا
خرجتُ من غرفة الجواري مع أول خيوط الصباح، بينما كان القصر يستيقظ ببطء من سكون الليل. كان الهواء البارد يتسلل عبر النوافذ الحجرية العالية، فيحمل معه رائحة الحدائق المبتلة بندى الفجر. بدأت أصوات الخدم تتعالى شيئًا فشيئًا، وأخذت الممرات تمتلئ بحركة لا تهدأ؛ بعضهم يحمل سلال الغسيل، وآخرون يجرون عربات الطعام، بينما كانت أوامر المشرفات تتردد في كل زاوية. وضعت يدي فوق صدري دون وعي. كان الدفتر ما يزال مخبأً تحت ثوبي. شعرت بثقله رغم أنه لم يكن كبيرًا. ربما لأن ما يحمله أثقل من وزنه بكثير. توقفت لحظة عند نهاية الممر. أغمضت عيني. "سأعيده." همست لنفسي وكأنني أحاول إقناعها. لم أعد أريد أن أحتفظ بشيء لا يخصني. منذ الأمس وأنا أعيش في خوف لا ينتهي. كلما مر أحد بقربي، ظننت أنه اكتشف أمري. كلما نادتني كايلا، شعرت أن كل شيء انتهى. لا... يجب أن يعود الدفتر إلى مكانه. قبل أن يبتلعني فضولي أكثر. سرت بخطوات ثابتة نحو جناح الملكة. كانت الحركة في ذلك الجناح أقل من بقية القصر، فالملكة عادت متأخرة في الليلة الماضية، لذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول أو إزعاجها إلا بإذن. اقتربت من الباب، وأخذت أتل
خرجتُ من جناح الملكة بخطوات سريعة، لكنني أجبرت نفسي على التمهل ما إن بلغت الممر الرئيسي. لا... لا يجب أن أركض. الخادمة التي تركض دون سبب تلفت الأنظار، وأنا آخر ما أريده الآن أن يلتفت إليّ أحد. خفضت رأسي، واندمجت بين الخدم الذين يملؤون أروقة القصر جيئة وذهابًا، وكأنني جزء من هذه الفوضى التي عمّت المكان. في الخارج، تعالت أصوات الأبواق الملكية. تبعها صوت عجلات العربات وهي تعبر البوابة الضخمة. رفعت رأسي دون وعي. من خلال النوافذ العالية لمحت جزءًا من الموكب الملكي يدخل باحة القصر. خيول مزينة، وحراس مصطفون على الجانبين، وخدم ينحنون في صفوف طويلة. لم أرَ الملكة... لكن حضورها كان كافيًا ليغيّر القصر كله. ازدادت حركة الخدم، وارتفعت الأوامر في كل مكان. "أسرعن!" "انقلوا هذه الصناديق!" "لا تتركوا شيئًا في الممرات!" وسط كل تلك الفوضى... وضعت يدي بخفة فوق صدري. الدفتر... ما زال في مكانه. شعرت بدقات قلبي تتسارع من جديد. لو فتشتني كايلا الآن... لو سقط الدفتر من ثوبي... لا... لا أريد حتى أن أتخيل ما سيحدث. "سيلا!" انتفضت على صوت كايلا. التفتُّ إليه
كان الصباح مختلفًا عن غيره في القصر. ليس لأنه هادئ... بل لأن الهدوء نفسه كان يبدو متوترًا، كأن الجدران تخفي شيئًا لا تريد أن يظهر في وضح النهار. منذ ساعات، بدأ الخدم يتحركون بسرعة أكبر من المعتاد، الهمسات تتنقل بين الممرات، والأبواب تُفتح وتُغلق دون تفسير واضح. "الملكة ستعود اليوم..." جملة واحدة كانت كافية لتغيير إيقاع القصر بالكامل. لم يسأل أحد عن التفاصيل. لكن الجميع كان يتصرف وكأن هناك أمرًا غير معلن يجب الاستعداد له. وقفتُ للحظة في الممر الطويل، أراقب الحركة من بعيد، ثم شددتُ على أطراف ثوبي قبل أن أواصل طريقي. كان عليّ أن أتمم عملي كعادتي. جناح الملكة. ذلك المكان الذي بدا دائمًا هادئًا أكثر مما يجب... وكأنه يخفي ما لا يُقال. دفعتُ الباب ثم دخلتُ جناح الملكة ببطء، وكأنني أخشى أن يفضحني صوت خطواتي. كان المكان كما تركته آخر مرة، مرتبًا بشكل مبالغ فيه، هادئًا لدرجة غير طبيعية. لكن هذه المرة... لم يكن الهدوء مطمئنًا. أغلقت الباب خلفي، ثم وقفت للحظة أستمع. لا شيء. فقط صمت ثقيل يملأ الغرفة. تنفست ببطء وبدأت عملي، لكن ليس كالمعتاد. هذه المرة لم أكن أنظف فقط... كنت أبح
بقيت أحدق في المفتاح بين يدي لثوانٍ طويلة. كان شعورًا غريبًا... وكأنني أمسكت بشيء لا يجب أن يكون هنا. "ما الذي تفعله قطعة كهذه في غرفة الملكة؟" لم يكن سؤالًا يحتاج جوابًا... لكنه ظل يتردد في رأسي بلا توقف. أعدتُ النظر في أرجاء الغرفة بسرعة. إذا كان هناك مفتاح... فلا بد أن هناك ما يخصه. صندوق؟ خزانة مخفية؟ درج سري؟ بدأت أتحرك ببطء، أفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، أتحسس الزوايا، أزيح القماش القديم عن الطاولات، وأفحص الأرضية بعناية أكبر. كل شيء كان يبدو عاديًا... لكن شعوري كان يقول العكس تمامًا. "لا بد أنه هنا..." همست لنفسي وأنا أركع قرب الجدار، أمرر أصابعي على الخشب البارد، أبحث عن أي اختلاف صغير. وفجأة... سمعت صوت خطوات خارج الغرفة. توقفت يدي في مكانها. كان الصوت يقترب. اقترب أكثر... باب الغرفة انفتح ببطء. تجمدت في مكاني، ويدي ما زالت تقبض على المفتاح داخل جيبي. دخلت كايلا. كانت نظرتها حادة كعادتها، تتفحص الغرفة بسرعة وكأنها تبحث عن خطأ صغير لتلومني عليه. "ما الذي تفعلينه؟" قالتها بصوت بارد وهي تغلق الباب خلفها. ابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أ
لم أنم إلا قليلًا... ولم يكن السبب ذلك اللقاء بحد ذاته، بل الأسئلة التي تركها خلفه. فتحت عيني قبل أن يشرق الفجر، أحدق في السقف وأنا أتنهد. من يكون هذا الرجل حقًا؟ أعرف أنه الملك... لكن هذا لا يفسر شيئًا. كيف لملك أن يتجول وحده، من دون حرس أو خدم؟ أليس من المفترض أن يحيط به الجنود أينما ذهب؟ ولماذا كان في الحديقة الخلفية تحديدًا؟ ذلك المكان لا يمر به أحد تقريبًا، حتى الخدم لا يقصدونه إلا نادرًا. الأغرب... أنني أراه أكثر مما ينبغي. جناحه بعيد عن جناح الملكة الذي أعمل فيه، وبعيد أيضًا عن مساكن الخدم، ومع ذلك... تتقاطع طرقنا باستمرار، وكأن القصر نفسه يدفعنا إلى اللقاء. مصادفة؟ لا أدري... لكنها لم تعد تبدو كذلك. أغمضت عيني للحظة، ثم عاد إلى ذهني ذلك التعب الذي رأيته في عينيه. لم يكن حزنًا عابرًا... كان شيئًا أعمق. شيئًا يشبه رجلًا يحمل فوق كتفيه حملًا لا يستطيع مشاركته مع أحد. حتى عندما ابتسم... شعرت أن ابتسامته تخفي أكثر مما تكشف. من يكون ريان عندما لا يكون ملكًا؟ ولماذا بدا وكأنه يبحث عن شيء... وهو يتحدث معي؟ زفرت بضيق، ثم سحبت الغطاء فوق رأس