Share

١٩

last update publish date: 2026-07-08 15:02:05

الفصل التاسع عشر — الرسالة الأخيرة

"الحقيقة لا تختار الوقت المناسب للظهور... بل تظهر حين يصبح إخفاؤها مستحيلًا."

كان أول خيط من ضوء الصباح يتسلل عبر ستائر الغرفة، لكن إيلي لم تغادر مكانها.

ما زالت تجلس إلى جوار سرير إيثان، ممسكة بيده بين كفيها.

كانت تراقب صدره وهو يعلو ويهبط ببطء، وكأنها تخشى أن يتوقف في أي لحظة.

لم تستطع أن تنسى الهمسة التي خرجت من شفتيه.

"إيلي..."

كانت كلمة واحدة.

لكنها أعادت الروح إلى قلبها.

مسحت دموعها بسرعة عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.

دخل الطبيب بهدوء.

اقترب من السرير، ثم فحص نبض إيثان بعناية.

ظل صامتًا للحظات.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

تنفست إيلي للمرة الأولى منذ ساعات.

"هل..."

رفع الطبيب رأسه إليها.

"حالته مستقرة."

أغمضت عينيها وشكرت الله بصمت.

لكن الطبيب أكمل:

"سيحتاج وقتًا ليستعيد وعيه بالكامل."

هزت رأسها.

"سأنتظر."

نظر إليها الطبيب نظرة فهمها جيدًا.

ثم غادر الغرفة في هدوء.

---

بعد دقائق...

وقف فيليب أمام الباب.

كان يبدو مرهقًا أكثر من أي وقت مضى.

بين يديه ظرف جلدي قديم.

اقترب ببطء.

نظرت إليه إيلي.

"أبي..."

جلس على المقعد المقابل لها.

ظل ينظر إلى الظرف طويلًا.

كأنه يحمل داخله عمرًا كاملًا.

قال بصوت منخفض:

"هذا هو آخر شيء كنت أتمنى أن تريه."

عقدت حاجبيها.

"ما هو؟"

تنهد.

ووضع الظرف فوق الطاولة.

"رسالة."

نظرت إليه.

"من إيثان؟"

هز رأسه بالنفي.

"لا."

تردد لحظة.

ثم قال:

"من أمك."

اتسعت عينا إيلي.

شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.

"أمي؟"

أومأ ببطء.

"كتبتها قبل وفاتها بأيام."

تقدمت نحو الظرف بيد مرتجفة.

لم تكن تتذكر أمها إلا في صور باهتة.

كانت صغيرة جدًا عندما رحلت.

همست:

"ولماذا لم تخبرني عنها؟"

خفض فيليب رأسه.

"لأنني كنت جبانًا."

ساد الصمت.

ثم دفع الرسالة نحوها.

"اقرئي."

فتحت الظرف بحذر.

كان الورق قد اصفر من الزمن.

لكن الخط بقي واضحًا.

بدأت تقرأ.

"إلى ابنتي الصغيرة...

إن كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد معك.

سامحيني لأنني لن أكون بجوارك عندما تكبرين، ولن أراكِ يوم تقع عيناك على الرجل الذي سيختاره قلبك.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا...

إذا أحببتِ يومًا، فلا تعاقبي من تحبين قبل أن تسمعي الحقيقة منه.

فالحب لا ينجو من الصمت... ولا من الكبرياء."

ارتجفت يدا إيلي.

تابعت القراءة والدموع تحجب الكلمات.

"أثق بوالدك، لكنه أحيانًا يظن أن الحماية تعني إخفاء الحقيقة.

وإخفاء الحقيقة يترك في القلب جروحًا لا يراها أحد."

توقفت.

رفعت رأسها نحو والدها.

كان يبكي.

للمرة الأولى منذ عرفته.

لم يكن يبكي بصوت.

لكن دموعه كانت صادقة.

همس:

"كانت تعرفني أكثر مما أعرف نفسي."

اقتربت منه.

جلست إلى جواره.

وأمسكت يده.

"لم أرك تبكي من قبل."

ابتسم بحزن.

"لأنني منذ رحيلها... نسيت كيف."

أغلقت الرسالة برفق.

ثم ضمّتها إلى صدرها.

شعرت وكأن أمها احتضنتها بعد سنوات طويلة من الغياب.

---

في تلك اللحظة...

صدر صوت خافت من السرير.

التفت الاثنان بسرعة.

تحركت يد إيثان مرة أخرى.

ثم فتح عينيه ببطء شديد.

كانت الرؤية ضبابية.

لكنه استطاع أن يميز وجه إيلي.

ابتسم ابتسامة متعبة.

"أخبرتك..."

خرج صوته ضعيفًا.

"...أنني لن أرحل."

شهقت إيلي.

وضعت يدها فوق فمها.

ثم ضحكت وسط دموعها.

اقتربت منه بسرعة.

"لا تتكلم."

ابتسم.

"صعب..."

قالها بصعوبة.

"...وأنتِ أمامي."

احمر وجهها رغم كل ما مرت به.

وضربت كتفه السليم برفق.

"أنت لا تتغير."

تأوه متصنعًا.

"الطبيب سيقول إن سبب الجرح أنتِ."

ضحكت لأول مرة منذ أيام.

ضحكة حقيقية.

راقبها فيليب بصمت.

ثم نهض بهدوء.

وتوجه نحو الباب.

وقبل أن يخرج...

التفت إلى إيثان.

نظر إليه طويلًا.

ثم قال:

"سامحني يا بني."

ساد الصمت.

رفع إيثان نظره إليه.

كانت تلك الكلمات هي التي انتظرها خمس سنوات كاملة.

ابتسم ابتسامة هادئة.

وقال:

"سامحتك منذ اليوم الذي طلبت مني الرحيل."

أغلق فيليب عينيه متأثرًا.

ثم خرج.

وبقيت إيلي وإيثان وحدهما للمرة الأولى منذ انكشفت الأسرار.

ساد صمت مريح.

لم يكن يشبه أي صمت سابق.

اقتربت من سريره.

وجلست بجواره.

قالت وهي تنظر إلى أصابعه المتشابكة مع أصابعها:

"هل تعرف ما أكثر شيء أخافني؟"

نظر إليها.

"أن أفقدك..."

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم همس:

"لن يحدث."

ابتسمت.

لكن ابتسامتها اختفت عندما وقع بصرها على الرسالة القديمة مرة أخرى.

قلبتها بين يديها.

فسقط منها ظرف صغير لم يكن موجودًا قبل لحظات.

تبادلت هي وإيثان النظرات.

التقطت الظرف.

كان مغلقًا بالشمع الأحمر.

وعليه عبارة واحدة فقط، بخط والدتها:

"لا يُفتح إلا إذا عاد آل بلاكوود."

ساد الصمت.

نظر إيثان إلى الختم.

وشحب وجهه ببطء.

لأنه عرف هذا الختم جيدًا...

وكان يعلم أن ما بداخل الظرف لن يكشف سر الماضي فقط...

بل سيحدد من سيبقى حيًا في المستقبل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيدة القصر    ٣٠

    الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد

  • سيدة القصر    ٢٩

    الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت

  • سيدة القصر    ٢٨

    الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه

  • سيدة القصر    ٢٧

    الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول

  • سيدة القصر    ٢٦

    الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث

  • سيدة القصر    ٢٥

    الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status