เข้าสู่ระบบخرجت إيلينا من المستشفى الجامعي كجسد بلا روح، كانت خطواتها ثقيلة ومبعثرة على الرصيف البارد، ولم تكن ترى أمامها سوى ضباب كثيف يلف العالم من حولها. الوشاح الصوفي الذي كان يحميها من البرد قبل ساعات أصبح يلتف حول عنقها كحبل مشنقة يخنق أنفاسها. غابت عن وعيها أصوات المارة وحركة السيارات، ولم يكن يتردد في أعماق مسامعها سوى صدى كلمة واحدة زلزلت كيانها: "حامل". كيف ستواجه العالم؟ وكيف ستمحو وصمة العار هذه التي فرضها عليها الإمبراطور ألكسندر كينغستون في ليلة سوداء اعتقدت أنها دفنتها للأبد؟وصلت إلى باب الورشة الصغيرة، وكانت يداها ترتجفان بشكل هستيري وهي تحاول دفع الباب الخشبي. فور دخولها، أصدرت الماكينة القديمة صوتها الرتيب المعتاد، لكنه هذه المرة لم يكن مهدئاً، بل بدا كأنه ناقوس خطر يطرق في رأسها. كانت صوفيا تجلس خلف طاولة العمل، تقص قطعة من الحرير المخملي الأخضر، وابتسامتها المعتادة تزين وجهها، لكن بمجرد أن رفعت عينيها ونظرت إلى إيلينا، تجمدت المقص في يدها وسقطت قطعة القماش على الأرض.كانت إيلينا تبدو كشبح هارب من المقبرة؛ وجهها خالٍ تماماً من الألوان، عيناها متسعتان بجنون ومليئتان بدموع مت
كان الصباح خريفياً بامتياز، تداعب رياحه الباردة وجوه المارة وتتساقط أوراقه الصفراء الذابلة ببطء على جنبات الطرقات الرمادية. خرجت إيلينا من الورشة الدافئة وهي تلف وشاحها الصوفي السميك حول عنقها، متوجهة بخطوات نشيطة وممتلئة بالحياة نحو المستشفى الجامعي الضخم، حيث تقضي فترة تدريبها العملي المكثف لهذا الأسبوع كجزء أساسي من سنتها الدراسية في كلية التمريض. كانت تشعر بخفة لا مثيل لها في قلبها، وكأنها أخيراً أصبحت تملك زمام حياتها وقرارها بالكامل، متحررة من أثقال الخوف التي كبلتها لشهرين متتاليين بعد الحادثة.دخلت إيلينا من البوابة الزجاجية للمستشفى، وتوجهت مباشرة نحو غرفة تبديل الملابس. ارتدت وزرتها البيضاء الطاهرة، ورفعت شعرها بعناية، ثم أخذت دفتر ملاحظاتها الصغير وقلمها، وانطلقت لتلتحق بقسم الطوارئ والاستقبال. بدأت في مرافقة الأطباء والممرضين المقيمين، تدون الملاحظات الدقيقة حول الحالات الوافدة، وتساعد في فحص العلامات الحيوية للمرضى، وتنظيم ملفاتهم الطبية. كانت الأجواء مشحونة بالحركة السريعة والضغط المتواصل كما هو معتاد في المستشفيات الكبرى، ورائحة المعقمات والأدوية النفاذة تملأ الممرات ا
لم يكن الأمان الذي غمر قلب إيلينا داخل الورشة مجرد فترة مؤقتة، بل صار دافعاً حقيقياً لتستعيد حياتها التي توقفت فجأة بمرارة. ومع استمرار توافد الزبائن وإعجاب الجميع بلمساتها الإبداعية، كانت صوفيا تراقب صديقتها بفخر شديد، لانها تخطت عائق الامبراطور و بدات تخطط لإنهاء الأزمة الكبرى التي كانت تقف عائقاً بين إيلينا ومستقبلها العلمي والعملي. في أحد المساءات الهادئة، بعد أن أغلقت الفتاتان أبواب الورشة وجلستا لتناول الشاي الدافئ وسط كومة الأقمشة، وضعت صوفيا حقيبة صغيرة مطرزة بخيوط ذهبية على الطاولة، ودفعتها برفق نحو إيلينا. فتحت صوفيا الحقيبة لتكشف عن مبلغ مالي محترم تم جمعه بدقة ودولارا تلو الأخر من أرباح الورشة المزدهرة وكانت تماما 5000دولار كافية لدفع رسوم دراستها في كلية التمريض لتتم حلمها الذي جعلتها الظروف تتوقف عنه. نظرت صوفيا في عيني صديقتها وقالت بنبرة مليئة باليقين والفخر: "هذا المال لكِ يا إيلينا. لقد كافحنا معاً، وهذا نصيبكِ الذي سيحل العقدة التي أوقفت حياتكِ. غداً صباحاً، اذهبي للكلية وافعي الرسوم المتبقية التي كانت شوكة في حلقك وتمنعك من إكمال دراستك لتمريض. حلمكِ سيستمر و
الأيام والأسابيع التي تلت ليلة الانكسار لم تكن سهلة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل إيلينا تكتشف في نفسها قوة لم تكن تعلم بوجودها. في تلك الورشة الصغيرة الدافئة التي تملكها صوفيا، وجدت إيلينا الحصن الذي طالما بحثت عنه؛ مكان لا يصله صخب المدينة، ولا تطاله نظرات القسوة، ولا تمتد إليه مخالب الماضي.كانت الورشة بسيطة للغاية؛ غُريّفة مليئة بلفافات الثوب الملون، وخيوط الحرير المبعثرة، وماكينة خياطة قديمة تصدر صوتاً رتيباً أصبح مع الوقت بمثابة معزوفة مهدئة لعقل إيلينا المتعب. في البداية، كانت إيلينا تعمل بصمت، واضعة كل حزنها وطاقتها المكبوتة في مقص الحديد وإبر التطريز. كانت كل غرزة تغرزها في القماش، وكأنها تخيط بها جرحاً من جروح روحها.مع مرور الوقت، وبفضل حنان صوفيا ودعمها اليومي، بدأ الخوف المتجذر في أعماق إيلينا يتلاشى تدريجياً. بدأت ضحكتها الخجولة تعود لتزين المكان،فلم يعد هناك وقت للخوف أو التفكير بين لفافات الثوب و تسليم الطلبات و اقتناء لوازم الخياطة كانت إيلينا تعود في المساء الى قبوها وهي تشعر بالتعب من يوم طويل و مرهق لكن كانت تشعر بالسعادة والراحة النفسية .بدأ شعور الأمان الذي ظنت
كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال







