بيت / الرومانسية / ظل الطاغية / الفصل الحادي عشر: تملك الطاغية

مشاركة

الفصل الحادي عشر: تملك الطاغية

last update تاريخ النشر: 2026-06-21 06:04:14

كان المطعم الفاخر في الجانب الشرقي لنيويورك أشبه بضريح أثري دُثر بالرخام الأسود والمخمل القرمزي الداكن. تم إغلاقه بالكامل بناءً على أوامر أدريان فاندربيلت الصارمة، فلم يكن هناك صوت سوى تدافع المطر العاصف خلف الستائر المخملية الثقيلة، وعزف بيانو خافت يأتي من زاوية مظلمة كأنه أنين بعيد. في منتصف القاعة، تمددت طاولة عريضة من خشب الجوز الداكن، استقرت عليها كؤوس الكريستال والفضيات اللامعة التي تعكس الضوء الشاحب للشموع، محاطة بهالة من الترقب الخانق.

جلس أدريان في صدر الطاولة بكامل شموخه وهدوءه المفترس، مرتدياً سترة بدلته الفحمية التي تبرز اتساع كتفيه، بينما جلست ريفان إلى جواره مباشرة. كان الفستان الحريري الأسود يلتف حول قوامها النحيل كأنه غلاف من الغموض، وعيناها الرماديتان ترصدان الأنفاس وحركات الأصابع خلف الطاولة. في المواجهة، جلس ثلاثة من كبار المستثمرين الروس لـ "تكتل فولكوف"؛ رجال بوجوه منحوتة من صخر سيبيريا، تملأ أعينهم قسوة الأسواق الموازية ولغة الحديد.

بدأ النقاش التجاري جافاً، ثقيلاً، ومحفوفاً بالأرقام المليونية. كانت ريفان تترجم العبارات الإنجليزية الصارمة التي ينطق بها أدريان إلى الروسية بطلاقة بالغة وفصاحة لغوية مذهلة، وتنقل ردودهم الخشنة إليه ببرود مهني تام. ومع تصاعد حدة الشروط القانونية التي فرضها أدريان لامتصاص أصول "كورتيز"، بدأ الضيق يظهر على ملامح كبير الوفد الروسي، رجل ضخم الجثة يدعى "يوري"، ذو عينين ثعلبيتين غائرتين.

اتكأ يوري إلى الخلف، وأمسك بكأسه الكريستالي، ثم التفت إلى مساعده الجالس بجواره، وبدأ يتحدث باللغة الروسية بنبرة منخفضة وسريعة، ظناً منه أن هذه الفتاة الشرقية الشاحبة التي ترتدي الحرير الأسود ليست سوى دمية زينة جلبها فاندربيلت لتعطير الأجواء، ولا تفقه من لغة الشارع الروسي شيئاً.

قال يوري بالروسية بنبرة تقطر تهكماً وإهانة مبطنة: "إن فاندربيلت يظن نفسه إلهاً في هذه المدينة، لكنه في النهاية يحتاج إلى السيولة النقدية الخاصة بنا ليمرر قذارته. انظر إلى هذه المترجمة النحيلة التي تجلس بجانبه كأنها قطة ذليلة جلبها من الشارع؛ إنها تبدو شاحبة كالموتى، ومظهرها بالأسود يذكرني بفتيات الملاهي الرخيصة في سانت بطرسبرغ. لعل عملها الحقيقي يبدأ بعد أن تنطفئ أنوار هذه الطاولة، فالرجال مثل فاندربيلت لا يشترون العقول، بل يشترون الأجساد لمتعتهم الخاصة".

ضحك المساعد بنبرة مكتومة، والتفتوا نحو أدريان بابتسامات صفراء مزيفة لإخفاء حديثهم الجانبي.

في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق ريفان، وشعرت بمهانة عنيفة تضرب كبرياءها في الصميم. لكنها لم تصرخ، ولم تظهر على وجهها الشاحب أي علامة من علامات الارتباك أو الضعف. بل على العكس؛ تحولت عيناها الرماديتان إلى شفرتين من الجليد القاطع. نظرت إلى يوري مباشرة، وثبتت بؤبؤة عينها في عينيه الثعلبيتين بثبات زلزل هدوء الطاولة بالكامل.

صمتت لثوانٍ وضعت فيها قلمها الذهبي ببطء فوق الطاولة الرخامية، ليرن صوته في السكون الخانق. ثم تنفست بعمق، ونطقت باللغة الروسية، بنبرة بالغة الفصاحة، هادئة، جليدية، وقاطعة كالنصل:

"السيد يوري... إن قطة الشارع النحيلة التي تتحدث عنها بفجاجة، تملك من الذكاء ما يكفي لتفكيك إمبراطوريتك الورقية في غضون دقائق لو أرادت. وفتيات الملاهي الرخيصة في سانت بطرسبرغ اللواتي تقارنني بهن، ربما يملكن من الشرف ما يفوق تاريخ صفقاتك المشبوهة في حقول النفط المغتصبة. لغتي الروسية ليست مجرد أداة تجارية؛ بل هي السلاح الذي التقطتُ به الآن وضاعتكَ الدنيئة خلف هذه الطاولة".

الالتفاتة المفاجئة من يوري ومساعده كانت صاعقة؛ تحولت وجوههم إلى اللون الشاحب، وتجمدت الابتسامات المزيفة على شفاههم، وساد صمت مرعب ومطبق في أرجاء المطعم المغلق، حيث هز ثبات ريفان وبلاغتها الجليدية ساحة الغيلان بالكامل، وجعلت العمالقة الروس يبدون كأقزام ضبطوا متلبسين بخطيئة دنيئة.

لم تكن ريفان بحاجة لترجمة إهانتهم أو ردها إلى الإنجليزية؛ فـ أدريان فاندربيلت، الذي يملك عيوناً ترصد دبيب النمل، التقط النبرة، وشاهد التحول الصاعق في ملامح الروس، وأدرك بفطنته المعهودة كل ما دار خلف ظهره.

تحرك أدريان بحركة انسيابية مرعبة. لم يرفع صوته، ولم ينفجر غضباً، بل دفع كأسه الكريستالي برفق فوق الطاولة ليحدث رنيناً حاداً قطع السكون الميت. نهض بكامل قامته البنيوية الشاهقة، وأزرار سترته الفحمية مغلقة بصرامة، وألقى بظله الأسود الضخم فوق يوري والوفد الروسي بالكامل.

"الصفقة انتهت"، نطق بها أدريان بصوته الباريتون الجاف والعميق، بنبرة حادة كالمقصلة لا تحتمل الرجوع. "أصول كورتيز لن تباع لتكتل فولكوف، وأموالكم القذرة لن تدنس عتبة إمبراطوريتي بعد الليلة. أمامكم دقيقة واحدة لمغادرة هذا المطعم، قبل أن أمر رجالي بإلقائكم في وحل الشارع نيويورك كما تليق بمقاماتكم".

حاول يوري التحدث والاعتذار بارتباك، لكن نظرة واحدة من عيني أدريان الرماديتين العاصفتين جمدت الكلمات في حلقه. أشار أدريان لرجاله القابعين عند المخرج، وتحرك بخطوات عريضة ومفترسة نحو الخارج، ساحباً ريفان من معصمها بقوة طاغية لا تقبل المقاومة، ليدفع بها نحو المقعد الخلفي للسيارة المصفحة السوداء القابعة تحت المطر العاصف، وينطلق السائق بسرعة جنونية في جوف الليل.

داخل السيارة، كان الصمت أشد فتكاً من عاصفة الخارج. كانت الإضاءة النيون الخافتة المنبعثة من الشوارع تنعكس على وجه أدريان الحاد المنحوت، وتظهره كشيطان غاضب يستجمع قواه. كانت ريفان تتنفس بصعوبة، وجسدها يرتجف بالكامل تحت تأثير الفستان الأسود الحريري وتصاعد الأدرينالين. التفتت إليه وقالت بصوت متهدج: "شكراً لك... لم أكن أعلم أنك تملك ذرة من الشهامة لحمايتي أمام هؤلاء القساة".

التفت أدريان إليها ببطء، وعيناه تشعان ببريق مظلم، تملكي، ومرعب استثارته أنوثتها الطاغية الليلة. اقترب منها في المقعد الخلفي الضيق حتى كاد صدره العريض يلامس وجهها الشاحب، ونطق بحشرجة رجولية مليئة بالبحّة والمشاعر المكتومة:

"إياكِ أن تسيئي الفهم يا ريفان... وإياكِ أن تظني للحظة أنني حميتكِ تكرماً أو شهامة بشرية بالية"، قالها وعصبه مشدود بالكامل، وامتدت أصابعه القوية لتقبض على فكها الشاحب برفق قسري يمنعها من الالتفات. "أنا لم أحمِ ريفان هيل الإنسانة؛ أنا حميتُ 'ملكيتي الخاصة'. أنتِ عقلي اللغوي، وأنتِ الأداة التي صاغت دمار كورتيز، ومظهركِ بهذا الحرير الأسود الليلة ينتمي لإمبراطوريتي أنا وحدي. لا يحق لكلب روسي أن يرمقكِ بنظرة، أو يلفظ اسمكِ على لسانه القذر... لأنكِ ببساطة ملكٌ لأدريان فاندربيلت".

أمر السائق فجأة بنبرة قاطعة: "توقف هنا!"

انحرفت السيارة المصفحة لتتوقف في زاوية مظلمة، معزولة بالكامل تحت جسر مانهاتن، حيث يضرب المطر السقف الفولاذي بإيقاع وحشي وجنوني. ضغط أدريان على زر العزل ليتلون الزجاج الفاصل بينهما وبين السائق بالسواد التام، لتصبح الردهة الخلفية الضيقة قفصاً مغلقاً يجمعهما معاً تحت وطأة رغبة وتملك عاصف.

التفت إليها بكامل ثقله وحضوره الطاغي، وضيق المسافة بينهما بالكامل لدرجة أن ريفان شعرت بأنفاسه اللاهبة تلف عنقها. امتدت يده الكبيرة القوية لتمسك بخصرها النحيل من فوق الحرير الأسود الثقيل، وجذبها نحوه بقوة قسرية أملتها رغبته المتوحشة والمكتومة منذ أن رآها بالفستان. ثبت جسدها الرقيق في مواجهته، لتلتقي عيناه الرماديتان بعينيها المرتجفتين في حصار بصري ونفسي ساحق.

"لقد تمردتِ في مكتبي قبل ساعات، وتجرأتِ على الصراخ في وجهي تظاهراً بالمبادئ الأخلاقية"، همس بصوت منخفض، حاد، ومفعم ببحّة ممتلئة بالسيطرة والتحدي، بينما كانت أصابعه تتحرك فوق خصرها بصرامة تحبس أنفاسها. "وهذا الجسد وهذا العقل العنيد يحتاجان إلى تقويم مستمر ليعلما حدودهما ومستقرهما الحقيقي. مخالفتكِ لأوامري وعصيانكِ الصامت هو خطيئة لن تمر دون عقاب... عقاب يليق بكبرياء ريفان هيل".

انحنى أكثر حتى تلاقت جبهته بجبهتها الشاحبة، ثم بقبلة تملكية كتم انفاسها الاهثة وهو يعبث بجسدها برغبة كادت تقتله بينما ريفان كانت تتوق للمساته القوية إلا إنها حاولت المقاومة بقدر ما استطاعت فبتعد عنها كي تلتقط أنفاسها وتابع بنبرة تقطر تملكاً عاطفياً وجسدياً مرعباً حبس كلمات التمرد في حنجرتها: "الليلة سأترككِ تذهبين... لكنني أعدكِ، وأقسم لكِ، أنكِ في المرة القادمة التي تخالفين فيها أمري أو تخرجين فيها عن طاعتي، سيكون عقابكِ هنا، في هذا الضيق، بقوة تملكي التي ستسلبكِ روحكِ وكبرياءكِ بالكامل. وأنا... أتوق لعقابكِ بهذا الشكل كثيراً يا ريفان، أتوق لكسر هذا التمرد الكامن في عينيكِ الرماديتين حتى تزحفي بالكامل داخل حصوني".

ترك معصميها وفكها ببطء شديد، وانحرف إلى مقعده ليعدل ياقة سترة بدلته الفاخرة ببرود ميرمري وكأن شيئاً لم يكن، تاركاً إياها في حالة من الذهول، والاضطراب النفسي، والجسدي العنيف، ينبض صدرها برعب ورغبة غامضة ومكتومة لم تعهدها في نفسها من قبل. تطلعت إلى الزجاج المغطى بقطرات المطر، وهي تدرك بنهاية مشوقة ومخيفة أن الحرب بينهما قد انتقلت من ساحات القانون والمال، لتصبح حرباً ضروساً على روحها وجسدها، وأن الطاغية لن يهدأ حتى يرى حطام كبريائها مستسلماً بالكامل بين يديه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ظل الطاغية    الفصل الثامن والعشرين : عشق خلف الزجاج

    انشقت غيوم الصباح الخريفي البارد عن مشهد مهيب، حيث استقرت السيارة الليموزين السوداء الفاخرة الخاصة بأدريان فاندربيلت أمام البوابة الشاهقة للمشفى النمساوي الخاص؛ ذلك الحصن الطبي المعزول الذي شُيّد بمليارات النفوذ ليكون ملاذاً للأجساد التي تكافح الموت خلف جدران من الرخام المعقم والزجاج المضاد للرصاص. كانت الرحلة بأكملها عبارة عن حلقة من العذاب الصامت؛ طوال الطريق، لم ينطق أدريان بكلمة واحدة، بل ظل قابعاً كإله إغريقي غاضب في مقعده المخملي، يوزع نظراته الرمادية الثاقبة بين شاشة كمبيوتره المحمول وبين ملامح ريفان هيل الشاحبة. كان صمته تملكياً، مستبداً، يتنفس سيطرة مطلقة، بينما كانت هي تشعر بأن كل كيلومتر تقطعه السيارة يقربها أكثر من مقبرة سرها الأسود.ترجل أدريان أولاً بجسده الشاهق وبنيته الفولاذية التي توحي بالغطرسة، والتفت ليمد يده الضخمة الملتفة بضمادها الأبيض نحو ريفان. حين تلاقت كفاهما، سرت في جسدها الشاحب قشعريرة مألوفة، مزيج مريض من الرغبة اللاهبة والارتجاف الجارف؛ قبض على أصابعها النحيلة بقوة خشنة لا تقبل التراجع، ساحباً إياها نحو صدره العريض للحظة واحدة، ليفوح عطر تبغه الفاخر

  • ظل الطاغية    الفصل السابع والعشرين: الصمت الثقيل

    انقشع سواد تلك الليلة الفظيعة عن صباح خريفي بارد، تسللت خيوطه الذهبية الشاحبة عبر النوافذ الشاهقة لغرفة الطعام الرئيسية في قصر فاندربيلت. كانت الأجواء مشبعة بثقل خانق، وثمة صمت مهيب يطبق على المكان، لا يقطعه سوى الرنين الطفيف لأدوات المائدة الفضية. جلس أدريان فاندربيلت في مواجهة ريفان هيل على رأس المائدة الطويلة المصنوعة من خشب البلوط الداكن، مرتدياً قميصاً حريرياً رمادياً يماثل لون عينيه العاصفتين، وقد بدا عليه الشموخ الطاغي ذاته، وكأن حرب الساعات الماضية واختراقات كورتيز لم تزد كبرياءه إلا صقلاً وصلابة.في المقابل، كانت ريفان تجلس وجسدها يرزح تحت وطأة إعياء نفسي وجسدي مدمر. لم تذق عيناها الرماديتان طعم النوم طوال الليل؛ فكلما أغمضت جفنيها، تراءى لها توقيع والدها "هنري هيل" وهو يقطر دماً فوق جثة الطفلة "إيلينا"، متبوعاً بصورة أدريان وهو يوشك على إزاحة الستار المخملي ليقتلع روحها. كانت أصابعها النحيلة ترتجف وهي تمسك بكوب الشاي الدافئ، محاولة استمداد أي حرارة تطرد الصقيع الجاثم في أعماق أحشائها. لم تلمس طبق إفطارها، بل ظلت تحدق في الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من جلد الذ

  • ظل الطاغية    الفصل السادس والعشرين: الهدوء قبل العاصفة

    تجمد الكون في عيني ريفان هيل، وصارت دقات قلبها تقرع في جوف صدرها كطبول حرب عاتية لا تطلب سوى حتفها المستحق. خلف الستار المخملي الفحمي السميك، كان الوقت يتمدد كعقارب ملتوية تسير على نصل من زجاج. كانت تشعر بحرارة جسد أدريان فاندربيلت الطاغية، تلك الحرارة التي طالما أذابت ممانعتها، تخترق الآن طبقات القماش الفاخر لتلفح بشرتها الشاحبة المرتجفة بلهيب يقترب من العدم. رأت، عبر الفتحة المتناهية الصغر بين طيات المخمل الداكن، ظله الشاهق وهو يمتد فوق الأرض الرخامية كجدار من الظلمة الكثيفة التي تبتلع النور، وشاهدت كفّه الضخمة القاسية، الملتفة بذاك الضماد الأبيض الذي ما زال يفوح برائحة معقمات الجروح الممزوجة بعبير دمائه الساخنة التي ضمدتها بنفسها قبل ساعات، وهي ترتفع ببطء قاتل، وئيد، ومحسوب، لتقبض على طرف الستار وتنهي هذه اللعبة المميتة.في تلك البرهة التي تفصل بين الحياة والموت، أغلقت ريفان عينيها الرماديتين، واستسلمت تماماً لفكرة الفناء التام تحت وطأة جبروته. تداخلت في عقلها المجهد المشوش صور القبلات اللاهبة العنيفة التي تبادلاها فوق الأريكة الجلدية في مكتبه، حيث كان يتملكها كملك يحوز جاريت

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

    لم يكن زلزال "الفخ القانوني" الذي صاغه سيباستيان كورتيز عام 1998 سوى القشرة الخارجية لـهاوية أعمق استقرت في قاع ذلك الصندوق الصدفي الملعون، هاوية سحيقة انفتحت تحت قدمي ريفان هيل لتبتلع ما تبقى من شتات روحها الممزقة. تجمدت أصابعها الشاحبة، النحيلة، فوق حواف المذكرات القانونية النمساوية، وشعرت بأن البرودة التي تكسو الأوراق قد انتقلت عبر مسامات جلدها لتجمد الدماء في عروقها. كانت عيناها الرماديتان تتسعان برعبٍ وجداني عارٍ، رعب يفوق في قسوته وجبروته رعب الأسر، والقيود، والجدران الشاهقة لهذا القصر المظلم.تحت الوثيقة التصفوية الملعونة التي أودت بحياة الطفلة البريئة "إيلينا"، قبع ملفٌ ملحق أصغر حجماً، رُتبت أوراقه بعناية إجرامية فائقة، وغُطيت بـخطوط زرقاء باهتة وأختام رسمية لشركات وهمية ومصارف بائدة كانت تدار من خلف كواليس فيينا الباردة، حيث تُنسج المؤامرات التي تذبح البشر دون إراقة قطرة دم واحدة.قلبت ريفان الصفحة الأخيرة بيد مرتجفة كغصن في مهب عاصفة شتوية، وتلاقت عيناها بجدول الحسابات الختامية والمراجعات المالية الدقيقة التي سبقت حادثة الاقتحام الدامية بأسابيع معدودة. كانت الأرقا

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

    عادت الممرات الحجرية الشاهقة لقصر "فاندربيلت" تتنفس ذلك السكون الكثيف والمريب بعد أن انقشعت أصداء البث المرعب وجنون الأجهزة الأمنية. لم تكن سيارة "سيباستيان كورتيز" عند البوابة سوى مناورة إلكترونية معقدة، شبحٌ رقمي أرسله العدو اللدود ليهز أركان اليقين في عقل الطاغية ويزرع الشك في بطانته. وفي أعقاب ذلك الإنذار الصاعق، اضطر أدريان للانزواء مجدداً في نفق الاجتماعات الطارئة مع نخبته الاستخباراتية لتتبع أثر المستشار الخائن الذي تجرأ على تزييف الاختراق، تاركاً القصر يغرق في ليلة شتوية شديدة الهدوء، هدوء يسبق عواصف الدم والدموع. كانت الساعة قد تجاوزت جوف الليل حين تسللت ريفان هيل من جناحها، كخيط من الضباب الرمادي يتحرك بين ظلال الأعمدة الرخامية. كان الصراع النفسي يطحن وعيها بلا هوادة؛ فجزء منها، ذلك الجزء الأنثوي الذي ذاق لذة الاستسلام العاري بين ذراعي أدريان وتلونت بشرتها بدمائه الساخنة في مشهد التضميد الأخير، كان يصرخ بها أن تعود إلى مخدعها، أن تنام كجارية مطيعة تحت حماية اسمه الطاغي وتستسلم لقدَرِها المخملي معه. عاشت ريفان في تلك الدقائق تيهًا وجدانيًا لا يرحم. كل قف

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث والعشرين: محاكمة الطاغية

    أما ريفان، فقد جلست وتدثرت ببقايا ثوبها الحريري الرمادي، وجسدها ينبض بحرارة الخوف المشوب بلذة المواجهة البليغة. لامت نفسها بمرارة؛ كيف تجرأت على نبش القبر؟ كيف سمحت لعقلها أن يصيغ هذه النصال اللفظية لتمزق بها الستر عن جرح الرجل الذي باتت تعشقه بمرضية وخضوع اختياري؟ لكن وعيها المشوه كان يرى في هذه المواجهة صك الانعتاق الحقيقي؛ إما أن يقتلها الطاغية الليلة وتنتهي مأساة أسرها، أو يرتد إليها بشرياً يشاركها الدموع والرماد.نظرت إليه، وهو يقف مديراً ظهره لها نحو النافذة الشاهقة التي تعكس أضواء نيويورك البعيدة، وهتفت بصوت رخيم، مفعم بالفصاحة والوجد الجريح:"أدريان... انظر إليّ ولا تختبئ خلف ظلك الفولاذي. لقد قضيتُ الساعات الماضية أترجم موتك القديم في فيينا عام 1998... فككتُ شفرات الخيانة الدنيئة التي صاغها سيباستيان كورتيز بدم شقيقتك الصغرى إيلينا. والآن، أسألك بلغة الروح التي تذبحها بقسوتك كل ليلة: هل كل هذا النفوذ الشيطاني الذي تبنيه، وكل هذه المليارات التي تحاصر بها رقاب البشر، والقصور الحصينة التي تحولنا فيها إلى أسرى... هل كل هذا مجرد أداة للانتقام؟ هل بنيت إمبراطوريتك لتكون م

  • ظل الطاغية    الفصل الثامن عشر: رقصة الغيلان

    عاد السكون ليلف جدران شقة أستوريا المتواضعة مع رحيل آخر خيوط الشفق الرمادي، تاركاً الغرفة غارقة في عتمة كئيبة لا يكسر عتمتها سوى الوميض المتقطع لهاتف ريفان هيل، والعد التنازلي الرتيب الذي كان يتدفق عبر السماعة من ذلك الصوت المعدني المجهول كأنه دقات مقصلة زمنية تقترب من عنقها.كان الخيار الماث

  • ظل الطاغية    الفصل السابع عشر : لعبة المرايا

    لم يكن عبور عتبة الطابق الثمانين في صباح اليوم التالي مجرد عودة عادية إلى العمل؛ بل كان أشبه بخطوة جسورة تخطوها ريفان هيل داخل حقل ألغام موقوت، حيث يمكن لأي زفير خاطئ أو التفاتة غير مدروسة أن تفجر العالم من حولها. كانت الأجواء داخل البرج الفولاذي تشع ببرودة معتادة، ورائحة خشب الأرز والتبغ الفاخر

  • ظل الطاغية    الفصل الثاني: ثقل الأوبسيديان

    كان الصمت الثقيل لردهة الانتظار الخاصة يضغط على صدغي ريفان كأنه وزن مادي. وضعت أصابعها المتصلبة والتي ترتجف قليلاً سن قلمها على الخط المنقط الأخير. تشرّب الورق الصقيل الحبر، ليعلن موافقتها الرسمية على حياة تعتمد بالكامل على الكتمان المطلق. لم يكن هناك أي صوت في الطابق الثمانين باستثناء التكتكة الإي

  • ظل الطاغية    الفصل الأول: العتبة الأخيرة

    كانت ريفان هيل تعيش على الأدرينالين والقهوة الرخيصة منذ سنوات.كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً، والمكتبة العامة حيث تعمل كمنسقة ليلية ما زالت غارقة في عتمتها عندما سحبت المفتاح من الباب الأمامي الثقيل. رائحة الورق القديم الهادئة، السكون المطلق قبل أن تستيقظ المدينة، والاحتكاك المألوف لبطاقتها ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status