Home / الرومانسية / ظل الطاغية / الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

Share

الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

last update publish date: 2026-06-27 06:03:03

عادت الممرات الحجرية الشاهقة لقصر "فاندربيلت" تتنفس ذلك السكون الكثيف والمريب بعد أن انقشعت أصداء البث المرعب وجنون الأجهزة الأمنية. لم تكن سيارة "سيباستيان كورتيز" عند البوابة سوى مناورة إلكترونية معقدة، شبحٌ رقمي أرسله العدو اللدود ليهز أركان اليقين في عقل الطاغية ويزرع الشك في بطانته. وفي أعقاب ذلك الإنذار الصاعق، اضطر أدريان للانزواء مجدداً في نفق الاجتماعات الطارئة مع نخبته الاستخباراتية لتتبع أثر المستشار الخائن الذي تجرأ على تزييف الاختراق، تاركاً القصر يغرق في ليلة شتوية شديدة الهدوء، هدوء يسبق عواصف الدم والدموع.

كانت الساعة قد تجاوزت جوف الليل حين تسللت ريفان هيل من جناحها، كخيط من الضباب الرمادي يتحرك بين ظلال الأعمدة الرخامية. كان الصراع النفسي يطحن وعيها بلا هوادة؛ فجزء منها، ذلك الجزء الأنثوي الذي ذاق لذة الاستسلام العاري بين ذراعي أدريان وتلونت بشرتها بدمائه الساخنة في مشهد التضميد الأخير، كان يصرخ بها أن تعود إلى مخدعها، أن تنام كجارية مطيعة تحت حماية اسمه الطاغي وتستسلم لقدَرِها المخملي معه.

عاشت ريفان في تلك الدقائق تيهًا وجدانيًا لا يرحم. كل قفزة في نبضات قلبها كانت تردد صدى قبلته العنيفة اللاهبة التي سلبتها رشدها فوق الأريكة الجلدية، قبلة لم تكن مجرد التقاء جسدين، بل كانت عملية استحواذ كاملة على روحها الممزقة. كيف تحولت في غضون أسابيع من مترجمة تبحث عن عتق رقبتها ورقبة والدتها، إلى امرأة ترتجف شوقاً للرجل الذي يطوق عنقها بقيود الذل الذهبي؟ لامت نفسها بمرارة، وجلدت وعيها بسياط من العار الأنثوي وهي تدرك أنها أصبحت مدمنة على سطوته، تبحث في ملامحه القاسية ونظراته الرمادية العاصفة عن حنان مشوه لم تذق مثله قط. كانت الرغبة فيه تشبه جرعة سم بطيء، ينساب في عروقها فيجعلها تشتاق للمسات يديه الخشنتين اللتين طالما قبضتا على معصمها بقسوة تملكية، يديه اللتين نزعتا ثوبها لتتركاها عارية أمام جبروته الشيطاني.

لكن الجزء الآخر، عقلها القانوني واللغوي الفذ، كبريائها الذبيح الذي يرفض أن يكون مجرد أداة طيعة في لعبة الشطرنج الرأسمالية، كان يسوقها بقوة قاهرة نحو الجناح الشرقي المغلق؛ ذلك المحراب المحرم الذي يضم أسرار الإمبراطورية الميتة. كانت خطواتها الحافية على الرخام البارد تبدو وكأنها مسيرة نحو المقصلة أو نحو الحقيقة المطلقة التي قد تنهي هذا الأسر العاطفي المريض.

استغلت ريفان غياب أدريان الكامل، وتجاوزت أنظمة المراقبة مستعينةً بالثغرة الرقمية التي حُفرت في وعيها أثناء ترجمتها للملفات السابقة. كانت أنفاسها المتسارعة تضرب وجهها كلفح النار، وجسدها يرتجف برغبة ملوثة بالخوف الطاغي. في كل زاوية مظلمة تمر بها، كان يخيل إليها أن ظله الشاهق يتبعها، وأن أنفاسه المبحوحة المليئة برائحة التبغ الفاخر والمسك تهمس في أذنها محذرةً إياها من نبش القبور. كان يحاصر وعيها حتى في غيابه، حضورٌ قسري جعله يسكن مسامات بشرتها، وكأنها لا تستطيع الانفكاك من جاذبيته المظلمة حتى وهي تحاول التمرد عليه. ومع ذلك، دفعتها لوعة الغموض المرضية وحاجتها لامتلاك سر جلادها نحو الباب الخشبي الثقيل للجناح الشرقي، وضغطت على المقبض النحاسي ليفتح لها دهليزاً آخر من دهاليز الماضي الملعون.

دلفت ريفان إلى الغرفة الغارقة في عتمة مطبقة، لا يكسر عتمتها سوى ضوء القمر الشاحب المتسلل عبر النوافذ الفرنسية العالية كسيوف فضية تسلط الضوء على رفات الذكريات. كانت الغرفة تفوح برائحة الورق العتيق، والمسك الجاف، وشيء يشبه عبير الطفولة المحترقة. استشعرت ريفان في هذه الأجواء برودة فيينا القارسة التي صاغت وحشية أدريان وحولته إلى هذا الصنم المرمري الصلب. تحركت أصابعها الشاحبة فوق الأثاث المغطى بملاءات بيضاء تبدو كأكفان لعهد مضى، وكان قلبها يثور داخل صدرها؛ لومٌ مستعر يجلد روحها لأنها تخون ثقته الممزقة في نفس الليلة التي اعترفت له فيها بعبوديتها العاطفية، وشغفٌ مظلم يبرر لها هذه الخيانة بأنها السبيل الوحيد لفهم الوحش الذي يسكن مضجعها ويشاركها الفراش. هل يحق لأسيرة أن تفتش في دفاتر سجانها لتجد عذراً لطغيانه؟ نعم، فالغارقة في عشق جلادها لا تبحث عن حريتها، بل تبحث عن سبب يمنعها من كرهه.

في أعمق زاوية من زوايا الجناح، وراء خزانة حديدية مخفية خلف جدارية زيتية تمثل معركة قديمة، عثرت ريفان على صندوق خشبي صغير، مطعم بالصدف والفضة النمساوية العتيقة. رفعت الغطاء بيدين ترتجفان كأوراق الخريف تحت وطأة وطأة وجد مرير، ليتصاعد من جوفه غبار السنين الحارق. كان الصندوق يحوي ذكريات الطفلة الراحلة "إيلينا"؛ دمية قماشية صغيرة متآكلة الأطراف، وشريط شعر قرمزي ما زال يحمل في ثناياه بصمة جافة من دم قديم زكي، ومجموعة من الصور الفوتوغرافية التي غشاها الأصفرار.

التقطت ريفان إحدى الصور وقربتها من عينيها الرماديتين تحت ضوء القمر. كانت الصورة تضم طفلة صغيرة ذات عينين واسعتين تشعان براءة ونقاء، تقف بين فتيين في مقتبل العمر؛ أحدهما كان أدريان بملامحه الحادة والصلبة والشاهقة الهيبة منذ صغره، والآخر كان سيباستيان كورتيز بابتسامته الباردة الواثقة. انهمرت دموع صامتة حارقة من عيني ريفان، وتساقطت كحبات اللؤلؤ فوق زجاج الصورة العتيقة، لتمسح ببريقها دموع الفجيعة التاريخية. تضاعف عشقها المظلم لأدريان في تلك اللحظة؛ تمثلتْه فتى مكسور الرأس، جُرّد من شقيقته الصغرى وتلوثت يداه بدمائها المهدورة وهو عاجز عن حمايتها بسبب قصر سنه. تحول تملكه العنيف لها وقسوته المخملية معها في وعيها الأنثوي المتيم إلى صرخة استغاثة أزلية يطلقها رجل يموت صقيعاً في برجه العاجي، رجل يحتاج إلى امرأة تبتلع نيرانه وتتحمل عواصف ساديته لتعيد إليه آدميته المفقودة. شعرت برغبة عارمة في الركض نحو غرفة العمليات، والارتماء بين ذراعيه، وغرس رأسها في صدره العريض لتبكي معه وبدلاً عنه، مستسلمة لقدرها معه دون قيد أو شرط.

لكن المفاجأة الكبرى والزلزال الحقيقي كانا يكمنان في أسفل الصندوق، حيث وجدت ريفان مذكرات قانونية رسمية ومحاضر سرية تعود لعام 1998، مكتوبة بلغة لاتينية وألمانية مشفرة لا يفهم صياغتها اللغوية والدلالية سواها. بدأت عيناها تقرآن السطور بالفصحى البليغة في عقلها، لتكتشف الحقيقة المرعبة التي أخفاها التاريخ وصنّاع المال: لم يكن مقتل الطفلة "إيلينا" مجرد حادث اقتحام عشوائي أو هجوم مافياوي عابر بسبب خيانة سيباستيان التقليدية؛ بل كان **فخاً قانونياً معقداً ومحكماً**، شبيهاً تماماً بالبند السرّي والشرك التصفوي الذي يصنعه أدريان الآن لتدمير مجموعة كورتيز والسيطرة على الأسواق!

كشفت الوثائق أن عائلة فاندربيلت الأصلية تم إجبارها على توقيع بند "الإفلاس القسري" عبر وثيقة تصفية مشبوهة، وكان سيباستيان كورتيز هو الصائغ اللغوي والقانوني البارع لتلك الاتفاقية الملعونة التي جردت أدريان من نفوذه وجعلت من شقيقته الصغرى "الضمان الجسدي" لتنفيذ العقد. لقد استخدم سيباستيان نفس السلاح اللغوي الذي تبرع فيه ريفان الآن—سلاح الحبر، وصياغة البنود المفخخة، والكلمات ذات الوجهين—ليقود عائلة أدريان إلى المقصلة التي انتهت برصاص الاقتحام والدم.

تداخلت المشاعر في جوف ريفان حد التشظي العنيف؛ شعرت بصدمة وجدانية زلزلت كيانها بالكامل وتجاوزت حدود الأسر. فالرجل الذي تستسلم لسطوته وتذوب بين يديه عشقاً وشغفاً، يعيد الآن تمثيل نفس الجريمة القانونية التاريخية بحق أعدائه، مستخدماً إياها—ريفان—لتكون هي السلاح القاتل والصائغ الجديد لدمار أسر أخرى ومجموعات مالية جديدة. تمزقت روحها بين حقيقتين: حقيقة أدريان الضحية التي تعشق نُدوبها، وحقيقة أدريان الجلاد الذي يحولها إلى شريكة في ذبح الأبرياء وصياغة المقاصل بحبرها الفصيح. شعرت برعب وجداني جارف؛ هل هي أداة لعدالة إلهية متأخرة يثأر بها حبيبها المظلم لماضيه المهدور، أم أنها مجرد دمية جديدة، غبية ومتيمة، في حلقة مفرغة من الانتقام الدموي والسادية الرأسمالية التي لا تنتهي؟

ارتجف جسدها النحيل، وسقطت المذكرات من بين أصابعها الشاحبة لتتناثر فوق الأرضية الخشبية إلى جانب صور الطفولة وشريط الشعر القرمزي. غطت وجهها بكفيها المبللتين بالدموع، وصوت نواحها المكتوم يتردد بين جدران الجناح الشرقي المغلق. لامت نفسها لأنها وثقت بجلادها، ولأن القبلة العنيفة التي أذابها بها قبل ساعات كانت مجرد غطاء لتمرير هذا الشرك الملعون. كيف لها أن تواصل العيش في كَنَفِه وهي تعلم أن قلمها الفضي مغموس بدم قديم وجديد؟ وكيف لها أن تنفصل عنه وهي تدرك أن أنفاسه باتت شريان الحياة لقلبها المشوه؟

وفي تلك اللحظة الطاغية من الوجوم، والذهول، والصراع النفسي المرير الذي كاد يذهب بعقلها، شعرت ريفان فجأة ببرودة غريبة ومفاجئة تجتاح قفاها، وانقطع التيار الهوائي في الغرفة ليتوقف الزمن تماماً. تلاها وقع خطوات ثقيلة، هادئة، ومنتظمة تتردد في الممر الخارجي للجناح الشرقي، خطوات يتردد صداها في أعماق وعيها كضربات القدر. انطبع على الجدار الحجري للغرفة، بفعل ضوء القمر المتأرجح، ظلٌ عملاق، شاهق، ومخيف يعرفه قلبها وجسدها قبل عينيها.

لقد انتهى اجتماع أدريان فاندربيلت الطارئ قبل الأوان، وخطواته الحازمة تقترب من باب الغرفة المفتوح بنصف فتحة. كان يتقدم بكامل شموخه الشيطاني، يحمل في عينه الرماديتين نظرة الموت التي لا ترحم من يتجرأ على اقتحام حصن أسراره ونبش القبور المحرمة، تاركاً ريفان محاصرة بين أوراق إدانته، ودموع عشقها المريض، ومواجهة حتمية قد تكون النغمة الأخيرة في ترتيلة أسرها المخملي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل الطاغية    الفصل الثامن والعشرين : عشق خلف الزجاج

    انشقت غيوم الصباح الخريفي البارد عن مشهد مهيب، حيث استقرت السيارة الليموزين السوداء الفاخرة الخاصة بأدريان فاندربيلت أمام البوابة الشاهقة للمشفى النمساوي الخاص؛ ذلك الحصن الطبي المعزول الذي شُيّد بمليارات النفوذ ليكون ملاذاً للأجساد التي تكافح الموت خلف جدران من الرخام المعقم والزجاج المضاد للرصاص. كانت الرحلة بأكملها عبارة عن حلقة من العذاب الصامت؛ طوال الطريق، لم ينطق أدريان بكلمة واحدة، بل ظل قابعاً كإله إغريقي غاضب في مقعده المخملي، يوزع نظراته الرمادية الثاقبة بين شاشة كمبيوتره المحمول وبين ملامح ريفان هيل الشاحبة. كان صمته تملكياً، مستبداً، يتنفس سيطرة مطلقة، بينما كانت هي تشعر بأن كل كيلومتر تقطعه السيارة يقربها أكثر من مقبرة سرها الأسود.ترجل أدريان أولاً بجسده الشاهق وبنيته الفولاذية التي توحي بالغطرسة، والتفت ليمد يده الضخمة الملتفة بضمادها الأبيض نحو ريفان. حين تلاقت كفاهما، سرت في جسدها الشاحب قشعريرة مألوفة، مزيج مريض من الرغبة اللاهبة والارتجاف الجارف؛ قبض على أصابعها النحيلة بقوة خشنة لا تقبل التراجع، ساحباً إياها نحو صدره العريض للحظة واحدة، ليفوح عطر تبغه الفاخر

  • ظل الطاغية    الفصل السابع والعشرين: الصمت الثقيل

    انقشع سواد تلك الليلة الفظيعة عن صباح خريفي بارد، تسللت خيوطه الذهبية الشاحبة عبر النوافذ الشاهقة لغرفة الطعام الرئيسية في قصر فاندربيلت. كانت الأجواء مشبعة بثقل خانق، وثمة صمت مهيب يطبق على المكان، لا يقطعه سوى الرنين الطفيف لأدوات المائدة الفضية. جلس أدريان فاندربيلت في مواجهة ريفان هيل على رأس المائدة الطويلة المصنوعة من خشب البلوط الداكن، مرتدياً قميصاً حريرياً رمادياً يماثل لون عينيه العاصفتين، وقد بدا عليه الشموخ الطاغي ذاته، وكأن حرب الساعات الماضية واختراقات كورتيز لم تزد كبرياءه إلا صقلاً وصلابة.في المقابل، كانت ريفان تجلس وجسدها يرزح تحت وطأة إعياء نفسي وجسدي مدمر. لم تذق عيناها الرماديتان طعم النوم طوال الليل؛ فكلما أغمضت جفنيها، تراءى لها توقيع والدها "هنري هيل" وهو يقطر دماً فوق جثة الطفلة "إيلينا"، متبوعاً بصورة أدريان وهو يوشك على إزاحة الستار المخملي ليقتلع روحها. كانت أصابعها النحيلة ترتجف وهي تمسك بكوب الشاي الدافئ، محاولة استمداد أي حرارة تطرد الصقيع الجاثم في أعماق أحشائها. لم تلمس طبق إفطارها، بل ظلت تحدق في الفراغ، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من جلد الذ

  • ظل الطاغية    الفصل السادس والعشرين: الهدوء قبل العاصفة

    تجمد الكون في عيني ريفان هيل، وصارت دقات قلبها تقرع في جوف صدرها كطبول حرب عاتية لا تطلب سوى حتفها المستحق. خلف الستار المخملي الفحمي السميك، كان الوقت يتمدد كعقارب ملتوية تسير على نصل من زجاج. كانت تشعر بحرارة جسد أدريان فاندربيلت الطاغية، تلك الحرارة التي طالما أذابت ممانعتها، تخترق الآن طبقات القماش الفاخر لتلفح بشرتها الشاحبة المرتجفة بلهيب يقترب من العدم. رأت، عبر الفتحة المتناهية الصغر بين طيات المخمل الداكن، ظله الشاهق وهو يمتد فوق الأرض الرخامية كجدار من الظلمة الكثيفة التي تبتلع النور، وشاهدت كفّه الضخمة القاسية، الملتفة بذاك الضماد الأبيض الذي ما زال يفوح برائحة معقمات الجروح الممزوجة بعبير دمائه الساخنة التي ضمدتها بنفسها قبل ساعات، وهي ترتفع ببطء قاتل، وئيد، ومحسوب، لتقبض على طرف الستار وتنهي هذه اللعبة المميتة.في تلك البرهة التي تفصل بين الحياة والموت، أغلقت ريفان عينيها الرماديتين، واستسلمت تماماً لفكرة الفناء التام تحت وطأة جبروته. تداخلت في عقلها المجهد المشوش صور القبلات اللاهبة العنيفة التي تبادلاها فوق الأريكة الجلدية في مكتبه، حيث كان يتملكها كملك يحوز جاريت

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

    لم يكن زلزال "الفخ القانوني" الذي صاغه سيباستيان كورتيز عام 1998 سوى القشرة الخارجية لـهاوية أعمق استقرت في قاع ذلك الصندوق الصدفي الملعون، هاوية سحيقة انفتحت تحت قدمي ريفان هيل لتبتلع ما تبقى من شتات روحها الممزقة. تجمدت أصابعها الشاحبة، النحيلة، فوق حواف المذكرات القانونية النمساوية، وشعرت بأن البرودة التي تكسو الأوراق قد انتقلت عبر مسامات جلدها لتجمد الدماء في عروقها. كانت عيناها الرماديتان تتسعان برعبٍ وجداني عارٍ، رعب يفوق في قسوته وجبروته رعب الأسر، والقيود، والجدران الشاهقة لهذا القصر المظلم.تحت الوثيقة التصفوية الملعونة التي أودت بحياة الطفلة البريئة "إيلينا"، قبع ملفٌ ملحق أصغر حجماً، رُتبت أوراقه بعناية إجرامية فائقة، وغُطيت بـخطوط زرقاء باهتة وأختام رسمية لشركات وهمية ومصارف بائدة كانت تدار من خلف كواليس فيينا الباردة، حيث تُنسج المؤامرات التي تذبح البشر دون إراقة قطرة دم واحدة.قلبت ريفان الصفحة الأخيرة بيد مرتجفة كغصن في مهب عاصفة شتوية، وتلاقت عيناها بجدول الحسابات الختامية والمراجعات المالية الدقيقة التي سبقت حادثة الاقتحام الدامية بأسابيع معدودة. كانت الأرقا

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

    عادت الممرات الحجرية الشاهقة لقصر "فاندربيلت" تتنفس ذلك السكون الكثيف والمريب بعد أن انقشعت أصداء البث المرعب وجنون الأجهزة الأمنية. لم تكن سيارة "سيباستيان كورتيز" عند البوابة سوى مناورة إلكترونية معقدة، شبحٌ رقمي أرسله العدو اللدود ليهز أركان اليقين في عقل الطاغية ويزرع الشك في بطانته. وفي أعقاب ذلك الإنذار الصاعق، اضطر أدريان للانزواء مجدداً في نفق الاجتماعات الطارئة مع نخبته الاستخباراتية لتتبع أثر المستشار الخائن الذي تجرأ على تزييف الاختراق، تاركاً القصر يغرق في ليلة شتوية شديدة الهدوء، هدوء يسبق عواصف الدم والدموع. كانت الساعة قد تجاوزت جوف الليل حين تسللت ريفان هيل من جناحها، كخيط من الضباب الرمادي يتحرك بين ظلال الأعمدة الرخامية. كان الصراع النفسي يطحن وعيها بلا هوادة؛ فجزء منها، ذلك الجزء الأنثوي الذي ذاق لذة الاستسلام العاري بين ذراعي أدريان وتلونت بشرتها بدمائه الساخنة في مشهد التضميد الأخير، كان يصرخ بها أن تعود إلى مخدعها، أن تنام كجارية مطيعة تحت حماية اسمه الطاغي وتستسلم لقدَرِها المخملي معه. عاشت ريفان في تلك الدقائق تيهًا وجدانيًا لا يرحم. كل قف

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث والعشرين: محاكمة الطاغية

    أما ريفان، فقد جلست وتدثرت ببقايا ثوبها الحريري الرمادي، وجسدها ينبض بحرارة الخوف المشوب بلذة المواجهة البليغة. لامت نفسها بمرارة؛ كيف تجرأت على نبش القبر؟ كيف سمحت لعقلها أن يصيغ هذه النصال اللفظية لتمزق بها الستر عن جرح الرجل الذي باتت تعشقه بمرضية وخضوع اختياري؟ لكن وعيها المشوه كان يرى في هذه المواجهة صك الانعتاق الحقيقي؛ إما أن يقتلها الطاغية الليلة وتنتهي مأساة أسرها، أو يرتد إليها بشرياً يشاركها الدموع والرماد.نظرت إليه، وهو يقف مديراً ظهره لها نحو النافذة الشاهقة التي تعكس أضواء نيويورك البعيدة، وهتفت بصوت رخيم، مفعم بالفصاحة والوجد الجريح:"أدريان... انظر إليّ ولا تختبئ خلف ظلك الفولاذي. لقد قضيتُ الساعات الماضية أترجم موتك القديم في فيينا عام 1998... فككتُ شفرات الخيانة الدنيئة التي صاغها سيباستيان كورتيز بدم شقيقتك الصغرى إيلينا. والآن، أسألك بلغة الروح التي تذبحها بقسوتك كل ليلة: هل كل هذا النفوذ الشيطاني الذي تبنيه، وكل هذه المليارات التي تحاصر بها رقاب البشر، والقصور الحصينة التي تحولنا فيها إلى أسرى... هل كل هذا مجرد أداة للانتقام؟ هل بنيت إمبراطوريتك لتكون م

  • ظل الطاغية    الفصل العاشر : عشاء الغيلان

    ​لم يكن الحبر الذي جفّ على وثائق "مجموعة كورتيز" الاقتصادية مجرد صياغة قانونية بارعة أتمتها ريفان تحت وطأة التهديد؛ بل كان بمثابة القيد غير المرئي الذي أحكم أدريان فاندربيلت إغلاقه حول معصميها. في ذلك الطابق الثمانين، حيث يتلاشى ضجيج مانهاتن ليحل محله هسيس التكييف المركزي وهدير المطر العاصف الذي

  • ظل الطاغية    صوت القفص الذهبي

    كان الجناح التنفيذي قد تحول بعد تلك المواجهة العاصفة إلى ما يشبه حلبة مهجورة، حيث لا يزال عبق عطر خشب الأرز والتبغ الفاخر الخاص بأدريان يملأ الأجواء، ممتزجاً برائحة الورق الساخن المطبوع حديثاً. خرجت ريفان من مكتبه والأرض تكاد لا تحمل قدميها، وجسدها يرتجف بعنف تحت تأثير الصدمة والضغط الساحق والتهديد

  • ظل الطاغية    صفقات الدماء الباردة

    لم يكن سكون الجناح الخاص في الطابق الثمانين يشبه أي سكون مألوف؛ بل كان صمتاً ثقيلاً، مشحوناً برائحة الورق المصقول وحجر الأوبسيديان الأسود، ومحاصراً برذاذ المطر الذي يغسل واجهات نيويورك الزجاجية بالخارج في إيقاع كئيب لا ينتهي. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومكتب ريفان الزجاجي مضاء بمصباح

  • ظل الطاغية    شفرة الحقيقة

    لم يكن وقع كلماته الأخيرة كافياً لكسر إرادتها، رغم أن الصدمة سرت في جسدها كتيار كهربائي بارد. بقيت ريفان هيل واقفة أمام مكتب الأوبسيديان الأسود، والملف "المموه" الذي تحدث عنه أدريان لا يزال مستقراً بين يديها. التفتت نحو جدار الزجاج العاكس الذي يفصل حجرتها عن جحيمه الخاص، ثم أعادت نظرها إلى ملامحه ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status