Share

part 50

last update publish date: 2026-07-20 17:20:52

غابت شمس ذلك النهار المشهود، وحلّ المساء الحامل معه نسمات رطبة داعبت زجاج نوافذ الشقة الدافئة.

كانت رائحة البخور الخليجي الذكي تفوح من المخرة النحاسية التي أشعلتها والدة ليلى فور وصولها، لتضفي على المكان صبغة من السكينة التي افتقدتها العائلة لشهور طويلة. كان هذا المساء بمثابة عيد صغير؛ إنه التجمع الأول الذي يضم أركان العائلة الكبار بعد رحلة شفاء ياسر المريرة، وعودته المقاتلة لمباشرة عمله الميداني في قلب الخرسانة المسلحة.

ولم تمضِ ساعة واحدة حتى امتلأت ردهات المنزل بصخب محبب. دخل والد ليلى بخطو
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 52

    استقرت أركان البيت وأُغلق الباب الثقيل وراء الأهل، لتنقطع صداح الدعوات التي ملأت المكان لعدة ساعات متواصلة..وحلّ سكون عميق ومحبب في أرجاء الشقة. كان صمتاً دافئاً، تخالطه رائحة البخور الذكية التي بقيت عالقة في الهواء، وهدير التكييف الخفيف الذي يكسر رطوبة الصيف الشديدة. وقفت ليلى عند المدخل تتنفس بعمق..وشعرت بكل تعب الأيام والساعات الماضية ينسكب دفعة واحدة في عظامها، وكأن حواسها المجهدة كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتسترخي وتعلن الاستسلام الكامل بعد معركة حامية الوطيس.تحرك ياسر ببطء نحوها، وخطواته الثابتة على أرضية الصالة الصقيلة تحدث إيقاعاً مطمئناً لقلبها. احتضن خصرها بنعومة من الخلف..ووضع ذقنه على كتفها الرقيق، يراقب معها ظلال الثريا الخافتة المنعكسة على الحائط. تنفس عبير شعرها ببطء، وقال بصوت رجولي دافئ ومجهد:"أخيراً.. البيت فضي علينا، وكل الهموم خرجت بره الباب ده. حاسس إن الساعات اللي فاتت دي كانت أطول من الخمس شهور اللي فاتوا كلهم."أمالت ليلى رأسها إلى الخلف ليستند على صدره العريض، وأطبقت جفنيها المتعبين وهي تشعر بالدفء المنبعث من جسده يطرد كل بقايا البرد والخوف. التفتت بين

  • عاشقان المدينه    part 51

    انتهى الاجتماع العاصف على نبرة باردة من الرضا المشوب بالترقب، وانسحب الكبار ببطء نحو الصالة الخارجية، بينما بقيت الطاولة الكبيرة متناثرة بالأوراق والخرائط ذات الحواف المتآكلة. كان الهدوء الذي حلّ على الغرفة أشبه بالهدوء الذي يعقب الإعصار؛ هدوء يحمل في طياته إجهاداً هائلاً، لكنه ممتزج بتلك اللذة الغريبة التي تشعر بها الأجساد حين تخرج من معركة طاحنة دون أن تنكسر.جلست ليلى على كرسيها، وأرجعت رأسها إلى الخلف وغمرت عينيها بكفيها الصغيرين، لتتنفس بعمق ولأول مرة منذ سُحبت اللوحات أمام والدها وعمها. كانت ضربات قلبها لا تزال متسارعة، وصوت صراخها ودفاعها الشرس عن الخمسة أشهر الماضية يرن في أذنيها. أزاحت يديها ببطء لترى ياسر يراقبها بصمت؛ كان متكئاً بظهره على الطاولة، يلملم أوراق المخططات برفق، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي غابت شهوراً طويلة تحت وطأة المرض وأسرة المستشفيات.انحنى ياسر نحوها، ووضع كفه العريض فوق يدها الممدودة على الخشب الصقيل، وقال بصوت خافت يملؤه الدفء والامتنان:"تصدقي يا ليلى.. أنا أول مرة في حياتي أشوفك بالقوة والشراسة دي كلها. إنتي النهاردة وقفتِ قدام أبوكي وأبويا

  • عاشقان المدينه    part 50

    غابت شمس ذلك النهار المشهود، وحلّ المساء الحامل معه نسمات رطبة داعبت زجاج نوافذ الشقة الدافئة. كانت رائحة البخور الخليجي الذكي تفوح من المخرة النحاسية التي أشعلتها والدة ليلى فور وصولها، لتضفي على المكان صبغة من السكينة التي افتقدتها العائلة لشهور طويلة. كان هذا المساء بمثابة عيد صغير؛ إنه التجمع الأول الذي يضم أركان العائلة الكبار بعد رحلة شفاء ياسر المريرة، وعودته المقاتلة لمباشرة عمله الميداني في قلب الخرسانة المسلحة.ولم تمضِ ساعة واحدة حتى امتلأت ردهات المنزل بصخب محبب. دخل والد ليلى بخطواته الوقورة ورأسه المرفوع، يتبعه والد ياسر بملامحه الطيبة التي حفر عليها الزمن خطوط الحكمة والوقار.. بينما كانت والدة ليلى تدير حركة الشقة بهمتها المعهودة. تحرك الجميع نحو غرفة الطعام، حيث اجتمعوا حول السفرة الكبيرة التي غصت بأصناف الطعام الشهي التي أُعدت خصيصاً لهذه المناسبة.ساد الدفء وعلت الضحكات الخفيفة، وامتزجت مباركات الأب والأم بدعوات الشفاء المخلص لياسر الذي كان يجلس وعلى وجهه ابتسامة هادئة، يطمئنهم بين الحين والآخر أن العمل هو ما ردّ فيه الروح. كانت ليلى تجلس بجواره، تختلس النظر إليه

  • عاشقان المدينه    part 49

    مرت الدقائق متثاقلة كأنها تعاند الزمن، وتأبى أن تنهي هذه الهدنة المؤقتة التي صُنعت من رحم المعاناة. كان الجو داخل الكرفان قد تحول تماماً من رطوبة القلق وخنقة الأوراق المكدسة إلى دفء إنساني نادر. ظلت ليلى متمسكة بقميص ياسر، وأصابعها تتشبث بالقماش كأنها تتمسك بحياتها نفسها، بينما كان هو يستنشق عبيرها ببطء، وكأنه يشحن روحه بالطاقة اللازمة لمواجهة الإعصار الذي ينتظرهما بالخارج. كانت أنفاسهما قد بدأت تتناغم وتأخذ إيقاعاً واحداً منتظماً، لحناً صامتاً يعبر عن صلح حقيقي لم تكن هناك حاجة لتوثيقه بالكلمات الطويلة. فجأة، قطع هذا السكون صوت خطوات ثقيلة تقترب من الباب الخارجي للكرفان، يرافقها صوت أجش مألوف للمعلم عبد الستار.. رئيس عمال الخرسانة، وهو يتناقش بحدة مع المهندس حازم حول تأخر عربات توريد الأسمنت. شعرت ليلى برعشة خفيفة تمر بجسدها، وتوترت عضلاتها تلقائياً مدفوعة بغريزة العمل والمسؤولية..وحاولت الابتعاد قليلاً لتستعد لمواجهة الواقع، إلا أن ذراعي ياسر القويتين اشتدتا حولها للحظة إضافية، مانعتين إياها من الحركة، وكأنه يرجوها ألا تنهي هذا الحلم سريعاً. انحنى ياسر وطبع قبلة صغيرة وسريعة ع

  • عاشقان المدينه    part 48

    أسطح ياسر علي السرير الخاص بهم، بينما كانت ليلى ما تزال ممددة بجسدها المنهك..رأسها مستقر فوق صدره كعصفور بلله المطر ووجد مأواه أخيراً بعد عاصفة هوجاء. كانت خيوط الشمس الأولى تتسلل ببطء وهدوء شديد عبر شقوق الستائر القماشية المهترئة، وتنعكس على جدران الكرفان الحديدية، لتصنع لوحة دافئة تتناقض تماماً مع برودة وصخب موقع البناء الذي بدأ يستيقظ في الخارج. كان أزيز المولد الكهربائي البعيد وصوت محركات اللوادر الشاحبة يبدو كأنه يأتي من عالم آخر، عالم معزول تماماً عن هذه المساحة الصغيرة التي شهدت قبل ساعات قليلة بركاناً من الغضب والمشادات والاتهامات التي كادت تعصف بكل شيء بينهما.الصباح أتى عليهم وهم في أحضان بعض، يتنفسون الصمت بعد أن استهلكوا كل الكلمات الحادة في ليلتهم الطويلة. نعم، الأمر لم يتخط القبلات التي تبادلوها بعنفوان وشغف في ذروة شجارهم..لم يجرؤ أحدهما على المضي أبعد من ذلك في هذا المكان المؤقت، ولكنها كانت قبلات أعمق من ذي قبل بكثير. لم تكن قبلات اعتذار عابرة، بل كانت قبلات التحام روحي وجسدي كامل، صبّا فيها كل الكبت والإحباط والخوف الذي راكمته أسابيع الديون والإنذارات البنكية ال

  • عاشقان المدينه    part 47

    بينما كانت الفجوة الصامتة تتسع في الخفاء، جاءت الليلة التي انهار فيها جدار الصمت ليحل محله إعصار مكتوم من المشاعر المتضاربة. كان الثقل المالي قد بلغ ذروته، وشعر ياسر بأن الخناق يضيق حول عنقه، ولم يجد ملاذاً يهرب إليه من رعب الإفلاس وضياع شقا عمره إلا أن يدفن نفسه في العمل أكثر من اللازم، متحولاً إلى آلة صماء تتحرك بآلية مفرطة وعناد أعمى لا يرى سوى الأرقام والمخططات.في تلك الليلة، عادا من الموقع بعد نهار قارس من الضغط. تناول الطعام الذي أعدته ليلى بصمت وجوم، وكانت عيناه غائبتين تماماً خلف ستار من التفكير المضني. وعندما انتصف الليل، وتمددا معاً في الفراش، التفت نحوها ولف ذراعه حولها برفق، وطبع قبلة هادئة على جبينها وهو يخبرها بصوت خافت مجهد أنهم سينامون الآن ليريحوا أجسادهم من عناء اليوم. استسلمت ليلى لدفء صدره وأغمضت عينيها، وظنت أن جسده المنهك سينعم أخيراً ببضع ساعات من الراحة التي يحتاجها بشدة.ولكن، لم تمر سوى ساعة واحدة حتى تأكد ياسر أن أنفاسها قد انتظمت في نوم عميقببطء شديد وحذر مفرط، سحب ذراعه من تحت رأسها، وانسحب من الفراش بخفة كأنه طيف، دون أن يصدر أي صوت. ارتدى سترته الخفيف

  • عاشقان المدينه    part 6

    لم تستيقظ ليلى في الصباح وهي تشعر أن شيئًا قد تغيّر بشكل واضح، لكن هناك شعورًا خفيفًا كان يرافقها منذ الليلة السابقة، شيء يشبه التردد، أو ربما الفضول، أو ذلك الفراغ الذي يتركه الكلام غير المكتمل بين شخصين لا يعرفان كيف يقتربان ولا كيف يبتعدان. خرجت من غرفتها بهدوء، وكان البيت قد بدأ يستعيد حركت

  • عاشقان المدينه    part 5

    وفي اللحظه التي همسات بها بذلك، لم تكن تعرف إن كانت تتحدّث عنه هو ياسر !! أم عن حياتهما الجديدة، والتي كانت غريبه بالفعل وغير متوقعه لكنها أدركت شيئًا واحدًا فقط أن ما بدأ بينهما… لم يكن كما توقّعت. ولا كما أرادت يوما ولا حتي كما تخيلت أن يصل الأمر بينهم ل هنا زواج !يبدو كشئ لم تكن تت

  • عاشقان المدينه    part 4

    مرّ شهرٌ كامل شهرٌ لم يكن عاديًا، ولا يمكن وصفه بسهولة. لم يكن زمنًا يُقاس بالأيام، بل بما تراكم فيه من صمتٍ، احتكاكٍ، وتجاهلٍ متعمّد. تحوّل البيت تدريجيًا… من هيكلٍ مهجور إلى مكانٍ قابلٍ للحياة. الجدران التي كانت باهتة، استعادت لونها. النوافذ فُتحت، ودخل الضوء أخيرًا. والأرض المحيطة…

  • عاشقان المدينه    part 3

    لم يبتسم أحد لهذه الموافقه.،لم يهنّئ أحد وكأن هذا المفروض عليهم بالفعل او ممكن لأن الجميع كان يعلم… أن ما بدأ الآن، ليس زواجًا رومانسيا بل معركة جديدة، لكن هذه المرة، معركه تحت سقفٍ واحد. وبين جدران مدينةٍ بعيده، لا مكان فيها للهروبفي اليوم التالي لم يكن الطريق قصيرًا ولا الرحلة مريحة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status