تسجيل الدخولالفصل الثالث والأربعون :
مرت الأيام التالية بهدوء. هدوء لم يعتد عليه أحد منهم. لكن ليان بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا. كلما دخل ريان إلى المكان… انتبهت. وكلما ضحك… ابتسمت دون شعور. وكلما تأخر خارج المنزل… بدأ القلق يتسلل إليها. في البداية أقنعت نفسها أن الأمر طبيعي. لكن قلبها كان يعرف الحقيقة. وفي أحد الأيام… اجتمع الجميع لتناول العشاء. كان الحديث يدور بين والدها وعادل. بينما كانت والدتها تحضر الأطباق. أما ريان… فكان متأخرًا. نظرت ليان إلى الساعة. مرة. ثم مرتين. ثم ثلاثًا. لاحظ والدها ذلك فورًا. لكنه لم يقل شيئًا. واكتفى بابتسامة صغيرة. مرت عشر دقائق إضافية. ثم سُمع صوت الباب. دخل ريان أخيرًا. وعلى وجهه علامات التعب. لكن أول شيء لاحظه… أن ليان نهضت من مكانها فورًا. وقالت: “أين كنت؟” ساد الصمت حول الطاولة. أما هي… فأدركت متأخرة ما قالته. رفع ريان حاجبه. وقال: “كنت مع يوسف.” شعرت بالارتياح فور سماع الإجابة. ارتياح لم تستطع إخفاءه. وهنا… لاحظ ريان ذلك. لاحظ كيف تغيرت ملامحها. وكيف اختفى القلق من عينيها. ولأول مرة… شعر أن هناك شيئًا مختلفًا. شيئًا لم يكن موجودًا من قبل. جلس في مكانه. لكن عقله بقي معلقًا بتلك اللحظة. أما ليان… فانشغلت في طعامها بسرعة. تحاول تجاهل نظرات والدتها. وابتسامة والدها المستفزة. لكنها فشلت. لأنها كانت تعرف في أعماقها… أن الجميع بدأ يلاحظ ما تحاول هي نفسها إنكاره. في المساء… اجتمع الجميع في غرفة الجلوس. لكن هذه المرة كان الجو مختلفًا. أكثر هدوءًا. وأقرب إلى الحياة الطبيعية. قال والد ليان وهو ينظر إلى الجميع: “أعتقد أن الوقت حان.” ساد الصمت. أما ليان… فنظرت إليه باستغراب. وأضاف: “لقد انتهى كل شيء.” “ولا يوجد سبب يجعلنا نستمر بالعيش هكذا.” فهم الجميع ما يقصده. عاد الخطر إلى الماضي. وحان وقت العودة إلى الحياة. قالت والدتها بابتسامة: “اشتقت إلى منزلنا.” ابتسم والدها. ثم أمسك يدها. وكأنهما يحاولان استعادة السنوات التي ضاعت منهما. أما ليان… فشعرت بشيء من الحزن. لأنها اعتادت وجود الجميع حولها. لكنها كانت تعلم أن هذا هو القرار الصحيح. وفي اليوم التالي… عاد كل شخص إلى حياته. عاد يوسف لمتابعة الإجراءات المتعلقة بالقضية. وانشغل عادل بعمله. أما سامي… فقرر السفر لبضعة أيام. حين أخبر ليان بذلك… ساد الصمت بينهما للحظات. ثم ابتسم لها. وقال: “أعتقد أنني أحتاج بعض الوقت.” شعرت ليان بالأسى. لكنها فهمت ما يقصده. فقالت بهدوء: “أتمنى أن تجد ما تبحث عنه.” ابتسم. هذه المرة بصدق. ثم قال: “وأنتِ أيضًا.” وغادر. دون خصام. ودون كراهية. فقط… نهاية هادئة لقصة كان يعلم أنها لم تعد تخصه. أما ليان… فعادت إلى شركتها بعد أيام. وللمرة الأولى منذ شهور… جلست خلف مكتبها. أمام شاشة الحاسوب. وأمام حياة طبيعية افتقدتها طويلًا. ابتسمت وهي تنظر إلى الملفات المتراكمة أمامها. ثم تمتمت: “اشتقت لهذا الجنون.” لكنها لم تكن تعلم… أن شخصًا ما كان يقف عند باب مكتبها في تلك اللحظة. يراقبها بصمت. وعلى وجهه ابتسامة صغيرة. ريان. تجمدت ليان للحظة. ثم رفعت رأسها نحوه. وقالت باستغراب: “ماذا تفعل هنا؟” ابتسم بخفة. ودخل إلى المكتب. “هذا استقبال سيئ جدًا.” ضحكت رغمًا عنها. ثم قالت: “أنا أسأل بجدية.” جلس على الكرسي المقابل لها. وقال: “كنت في اجتماع قريب.” “فقلت أمر لأطمئن عليك.” شعرت أن قلبها ارتبك من جديد. لكنها حاولت تجاهل ذلك. وقالت: “أنا بخير.” رفع حاجبه. “هذا جيد.” ساد الصمت للحظات. لكن هذه المرة لم يكن محرجًا. بل مريحًا بشكل غريب. نظرت ليان حولها. إلى المكتب. إلى الموظفين. إلى الحياة التي كانت تظن أنها فقدتها. ثم قالت: “غريب.” نظر إليها ريان. “ماذا؟” ابتسمت. “قبل أسابيع كنت أركض خلف أسرار عمرها عشرون سنة.” “واليوم أفكر في التقارير والاجتماعات.” ضحك ريان. وقال: “أعتقد أن هذا تطور إيجابي.” ضحكت هي الأخرى. ثم تنهدت. “ربما.” راقبها للحظات. ثم قال بهدوء: “أنا سعيد.” عقدت حاجبيها. “بماذا؟” ابتسم. “لأنك عدت كما كنت.” صمتت ليان. لأنها لم تكن متأكدة من ذلك. الحقيقة أنها لم تعد كما كانت. الكثير تغير بداخلها. الكثير جدًا. لكنها لم تقل ذلك. واكتفت بالنظر إليه. أما ريان… فشعر أن هناك شيئًا يريد قوله. شيئًا ظل يؤجله طويلًا. لكن الوقت لم يكن مناسبًا بعد. فنهض من مكانه. وقال: “سأدعك تعملين.” وقبل أن يصل إلى الباب… التفت إليها. وأضاف مبتسمًا: “ولا تفرطي في التفكير.” اتسعت عيناها. أما هو فضحك. وغادر المكتب سريعًا. لتبقى ليان تنظر إلى الباب المغلق. وتبتسم دون إرادة منها. ولأول مرة منذ زمن طويل… شعرت أن المستقبل لم يعد يخيفها. بل أصبح يحمل شيئًا تنتظر حدوثه.الفصل الرابع والخمسون : بدأت الأيام تمضي بوتيرة سريعة.وكان المشروع يحقق تقدمًا واضحًا.الأمر الذي جعل ريان أكثر ارتياحًا.وفي المقابل…كانت لارا أكثر هدوءًا.حتى إن الجميع بدأ ينسى ما حدث في الاجتماع السابق.الجميع…إلا سامي.ففي صباح ذلك اليوم…كان يبحث عن أحد الملفات في غرفة الطباعة.وبينما كان يقف أمام آلة النسخ…سمع صوت لارا تتحدث عبر الهاتف في الغرفة المجاورة.لم يكن يقصد التنصت.لكنه سمع اسمه واسم ليان.فتوقف مكانه دون أن يصدر أي صوت.قالت لارا بهدوء:“لا تقلق…”“كل شيء يسير كما خططت.”صمتت للحظات وهي تستمع للطرف الآخر.ثم أضافت:“لا…”“ما زالا لا يشكان في شيء.”عقد سامي حاجبيه.وحاول أن يسمع أكثر.لكن لارا أنهت المكالمة بسرعة.وبعد ثوانٍ…خرجت من الغرفة.وما إن رأت سامي…ابتسمت بثقة.وقالت:“صباح الخير.”بادلها التحية.وكأنه لم يسمع شيئًا.لكنها، بعد أن ابتعدت، التفتت إليه للحظة.وكأنها تحاول التأكد…هل سمع حديثها أم لا؟أما سامي…فظل واقفًا مكانه.يفكر في كلماتها.ثم همس لنفسه:“إذن…”“لم يكن حدسي مخطئًا.”وفي الجهة الأخرى من الشركة…كانت ليان تعمل مع ريان على مراجعة العرض ا
الفصل الثالث والخمسون : في صباح اليوم التالي…وصلت ليان إلى الشركة وهي تحمل ملف الاجتماع مع العميل.كان ريان قد أخبرها أن يغادرا في العاشرة صباحًا.لذلك بدأت تراجع آخر الملاحظات قبل الموعد.وفي الجهة الأخرى…كانت لارا تدخل مكتب ريان بعد أن استأذنت.وضعت بعض الأوراق أمامه.وقالت:“العميل أرسل تحديثًا جديدًا.”أخذ ريان الأوراق.وبدأ يراجعها بسرعة.ثم قال:“شكرًا.”وقبل أن تخرج…قال:“إذا رأيتِ ليان، أخبريها أن الاجتماع تأجل إلى الحادية عشرة.”ابتسمت لارا.“حسنًا.”وأغلقت الباب خلفها.لكنها لم تتجه إلى مكتب ليان.بل عادت إلى مكتبها.وجلست بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.وفي تمام العاشرة…وقفت ليان أمام غرفة الاجتماعات.نظرت إلى الساعة.ثم إلى هاتفها.استغربت تأخر ريان.انتظرت خمس دقائق.ثم عشر دقائق.لكن أحدًا لم يأتِ.شعرت بالحرج.خصوصًا بعدما اعتذر العميل عن الانتظار وغادر على أن يعود لاحقًا.عادت إلى مكتبها وهي تشعر بالضيق.وبعد نصف ساعة…دخل ريان الشركة بخطوات سريعة.كان يتجه مباشرة إلى غرفة الاجتماعات.لكنه لم يجد أحدًا.فعاد يبحث عن ليان.وما إن وصل إلى مكتبها…قال باستغراب:“لماذا لم ت
الفصل الثاني والخمسون : في صباح اليوم التالي…كانت الشركة أكثر ازدحامًا من المعتاد.الموظفون يتنقلون بين المكاتب.والاجتماعات بدأت منذ الساعات الأولى.أما ليان…فكانت تراجع الملاحظات الخاصة بالمشروع الجديد.وقبل أن تنتهي…وصلها اتصال من سكرتيرة ريان.“الأستاذ ريان ينتظرك في قاعة الاجتماعات.”أخذت ملفاتها.واتجهت إلى القاعة.وما إن فتحت الباب…وجدت ريان ولارا وسامي بانتظارها.ابتسم ريان وقال:“جيد، اكتمل الفريق.”جلست ليان في مكانها.وبدأ الاجتماع.كان ريان يوزع المهام بدقة.ثم قال:“ليان ستكون مسؤولة عن التواصل مع العميل.”“وسامي سيتابع التنفيذ.”“ولارا ستتولى إعداد التقارير وتحليل النتائج.”أومأ الجميع بالموافقة.لكن لارا قالت بهدوء:“إذا كان لا مانع…”“أفضل أن أرافق ليان في الاجتماعات مع العميل.”نظر إليها ريان.ثم أجاب:“في الوقت الحالي لا حاجة لذلك.”“وجود شخصين يكفي.”أومأت لارا بابتسامة هادئة.لكنها لم تبدُ راضية تمامًا.لاحظت ليان ذلك.إلا أنها لم تعلق.بعد انتهاء الاجتماع…خرج الجميع من القاعة.كان سامي يسير إلى جانب ليان.ثم قال مبتسمًا:“أظن أن المشروع سيكون ناجحًا.”ابتسمت
الفصل الحادي والخمسون : مرّ أسبوع على انضمام لارا إلى الشركة.وخلال ذلك الأسبوع…لم ترتكب أي خطأ.بل على العكس.كانت دقيقة في عملها.لبقة في حديثها.وتعامل الجميع باحترام.حتى إن كثيرًا من الموظفين بدأوا يمتدحونها.أما ليان…فكانت تحاول إقناع نفسها أن انطباعها الأول عنها لم يكن في محله.وفي صباح أحد الأيام…كان الفريق مجتمعًا لمراجعة تقدم المشروع.وقف ريان أمام شاشة العرض.وقال:“تبقى لدينا زيارة ميدانية للعميل غدًا.”ثم نظر إلى ليان.“أريدك أن ترافقيني.”أومأت ليان موافقة.لكن قبل أن تكمل…قالت لارا بابتسامة هادئة:“إذا سمحت…”“أعتقد أن وجودي سيكون مفيدًا أيضًا.”نظر إليها ريان للحظة.ثم قال:“صحيح.”“أنتِ شاركتِ في إعداد جزء من الخطة.”ثم التفت إلى ليان.وأضاف:“إذن سنذهب نحن الثلاثة.”ابتسمت ليان.وقالت:“لا مانع.”لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الصغير الذي تسلل إلى قلبها.كانت تتمنى أن تكون تلك المهمة تجمعها بريان وحدهما.ولم تفهم لماذا شعرت بخيبة خفيفة عندما تغير الأمر.أما لارا…فلاحظت التغير العابر في ملامح ليان.واكتفت بابتسامة قصيرة.اختفت بسرعة…وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
الفصل الخمسون : في صباح اليوم التالي…دخلت ليان الشركة وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما حدث بالأمس لا يستحق كل ذلك التفكير.فوجود لارا في الشركة لا يعني شيئًا.ومعرفتها القديمة بريان لا تعني شيئًا أيضًا.هكذا كانت تردد داخلها.لكن قلبها…كان يرفض تصديق ذلك بسهولة.ألقت التحية على زملائها.ثم جلست خلف مكتبها.ولم تمضِ دقائق…حتى وصلها اتصال من سكرتيرة ريان.“الأستاذ ريان يطلب حضورك إلى مكتبه.”أخذت ليان ملف المشروع.واتجهت إلى الطابق العلوي.طرقت الباب.فسمعت صوته المعتاد:“تفضلي.”دخلت.لتتفاجأ بوجود لارا داخل المكتب.كانت تقف بجانب شاشة العرض.وتناقش بعض التفاصيل مع ريان.وما إن دخلت ليان…ابتسم لها ريان.وقال:“جيد أنك وصلتِ.”“سنراجع الخطة معًا.”اقتربت ليان وجلست إلى الطاولة.وبدأ ريان يشرح بعض النقاط.كانت لارا تستمع باهتمام.وتقاطع أحيانًا بإضافة فكرة أو ملاحظة.ولاحظت ليان أن بينهما انسجامًا في طريقة العمل.وكأنهما اعتادا التعاون منذ سنوات.قالت لارا فجأة وهي تشير إلى أحد البنود:“أتذكر؟”“كنا نستخدم هذه الطريقة دائمًا.”ابتسم ريان ابتسامة خفيفة.وقال:“صحيح… لكنها تحتاج إلى بعض ا
الفصل التاسع والأربعون : بدأ المشروع الجديد يفرض إيقاعه على الجميع.اجتماعات متواصلة.ملفات لا تنتهي.ومواعيد تسليم تقترب يومًا بعد يوم.لكن أكثر ما كان يلفت انتباه الموظفين…هو كثرة الاجتماعات التي تجمع ريان وليان.ولم يكن ذلك لأن بينهما شيئًا.بل لأنهما أصبحا المسؤولين عن أكبر مشروع في الشركة.في صباح ذلك اليوم…دخلت ليان قاعة الاجتماعات قبل الموعد بدقائق.وضعت حاسوبها على الطاولة.وبدأت تراجع العرض الذي ستقدمه.كانت تقلب الصفحات بسرعة.إلى أن توقفت فجأة.نسيت أحد الملفات المهمة في مكتبها.أغلقت الحاسوب بسرعة.وقالت لنفسها:“سأعود خلال دقيقة.”خرجت مسرعة.وفي أثناء عودتها…اصطدمت بأحد الموظفين دون قصد.فسقطت الأوراق التي كانت تحملها.انحنت بسرعة تجمعها.لكن يدًا أخرى سبقتها.رفعت رأسها.فوجدت ريان.ناولها آخر ورقة.ثم ابتسم.وقال:“واضح أن صباحك مزدحم.”ضحكت بخجل.“أكثر مما توقعت.”نظر إلى الأوراق بين يديها.ثم قال:“متوترة؟”تنهدت.ولم تحاول الإنكار.“قليلًا.”ابتسم ابتسامة هادئة.وقال:“أتعلمين لماذا اخترتك لهذا المشروع؟”هزت رأسها.“لأنك ترين نفسك أقل مما أنتِ عليه.”عقدت حاجبيه
الفصل الثاني والأربعون : بل كانت تتطلع إليه. مرّت الأيام التالية بهدوء لم تعتد عليه ليان. لا مطاردات. ولا ملفات. ولا أسرار جديدة. فقط حياة عادية. أو على الأقل… محاولة للعودة إليها. كانت تجلس في الحديقة الخلفية للمنزل. تقرأ إحدى الرسائل القديمة التي احتفظ بها والدها. بينما كان ا
الفصل الواحد والأربعون : وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…نامت وهي مطمئنة.لكن النوم لم يدم طويلًا.استيقظت ليان مع أول خيوط الصباح.فتحت عينيها ببطء.ثم جلست على السرير.لثوانٍ…نسيت كل شيء.ثم تذكرت.والدتها.والدها.والعائلة التي عادت إليها أخيرًا.فابتسمت دون شعور.نهضت من مكانها.ثم فتحت النافذ
الفصل الأربعون تجنبت النظر إليه. وأخذت تحدق في الأضواء البعيدة. أما ريان… فبقي جالسًا بجانبها. دون أن يضغط عليها. ودون أن يسألها عن شيء. وهذا بالضبط ما أربكها. تنهدت بخفة. ثم قالت: “هل تعلم شيئًا؟” التفت إليها. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: “أعتقد أن حياتي أصبحت
الفصل التاسع والثلاثون : لكن فصلًا جديدًا…كان على وشك أن يبدأ.مرّت ساعات طويلة.غادر خلالها الجميع المنزل.واختفت الأصوات.واختفى التوتر.واختفت المطاردة التي استمرت سنوات.أما ليان…فلم تستطع النوم.جلست وحدها على الشرفة الخشبية.تنظر إلى السماء.لأول مرة منذ فترة طويلة…لم يكن هناك سر جديد ينت







