Masukالفصل الحادي عشر: ما وراء القانون
تصلبت ملامح الرائد مراد كأنه تمثال من الجرانيت، وتحجرت عيناه الصقريتان فوق زجاج السيارة الأمامي وهو يستمع لكلمات اللواء إبراهيم المرتجفة عبر الخط المشفر. الكلمات كانت ثقيلة كالقنابل: (خيانة عظمى.. أمر قبض رسمي.. اختراق من الداخل). شعر بدمه يغلي في عروقه؛ هو الذي قضى عمره كله يضحي بحياته في العمليات الخاصة ويحمي تراب هذا الوطن، يُتهم الآن بالخيانة في ليلة وضحاها بسبب لُعبة قذرة حركتها رؤوس العصابة من خلف الستار.
"فندم! هذا مستحيل! أنا وليلى كشفنا لتوّنا سيرفراتهم وحمينا الملفات السريّة بالكامل ونقلناها لوزارة الداخلية! هناك مكيدة تُدبر في المديرية لإغلاق القضية وتصفيتنا!"، قال مراد بصوت جهوري حاد يحمل نبرة غضب مكتوم، بينما كان يضغط على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها بين يديه.
وجاء صوت اللواء إبراهيم هامساً وبسرعة شديدة: "أنا أعلم ذلك يا مراد، وأثق بنزاهتكَ أكثر من نفسي، لكن الأوراق والمستندات التي زُرعت في مكتبك وفي حسابات ليلى البنكية تثبت التهمة بشكل قانوني لا ثغرة فيه. التوجيهات صدرت من جهات سيادية عليا والتحرك ضدكم بدأ بالفعل. اختفِ تماماً يا بني.. لا تثق بأحد، ولا تظهر في العلن حتى أجد الخيط الذي يثبت براءتكم من داخل المبنى هنا. غادر العاصمة فوراً!".
انقطع الخط فجأة، وساد صمت رهيب داخل سيارة الجيب المسرعة في عتمة الطريق الصحراوي. التفت مراد بطرف عينه نحو ليلى، ليجد وجهها قد شحب تماماً وتلاشت ملامحها المشاغبة، وقالت بصوت خافت جداً ومرتجف كاد ينعدم: "مراد.. خيانة عظمى؟ أنا؟ الهاكر البريئة التي أقصى طموحها اختراق حسابات الفتيات اللواتي يضايقن صديقاتي؟ هؤلاء سيسجنونني في زنزانة مظلمة ويحرمونني من الإنترنت والكشري للأبد! أليس كذلك؟".
أوقف مراد السيارة فجأة على جانب الطريق المظلم، والتفت بكامل جسده نحوها. أمسك كفيها الباردتين بيديه القويتين ونظر في عمق عينيها بنظرة حازمة وصارمة، لكنها كانت تفيض بحنان وأمان غير محدود: "أنظري إليّ يا ليلى! اسمعيني جيداً وضعِ هذه الكلمات حلقة في أذنيكِ.. ما دمتُ أتنفس على وجه هذه الأرض، لن يلمس شعرة واحدة منكِ أي مخلوق، سواء كان من العصابة أو من الشرطة. أنا لست ضابطاً الآن.. أنا حاميكِ الوحيد، وسأثبت براءتنا رغماً عن الجميع بروح القانون وخارج حدود القانون".
سرت قشعريرة دافئة في جسد ليلى، وشعرت بجرعة هائلة من الشجاعة تتدفق في قلبها بفضل كلمات هذا الرجل الكاريزماتي الصامد كالجبل، فابتسمت برقة وقالت بنبرة حاولت جعلها مرحة لتخفيف الضغط الخانق: "صراحة يا سيادة الرائد الصارم، كلامك هذا يجعلني مستعدة لأن أتحول معك إلى 'ريا وسكينة' بنسخة مودرن! أنا معك للنهاية، قُل لي ماذا سنفعل الآن؟".
"سنختفي في مكان لا يخطر على بال أحد.. مكان يقع في قلب الزحام العشوائي حيث لا وجود للكاميرات أو التتبع الإلكتروني"، قال مراد وهو يدير محرك السيارة مجدداً وينحرف بها نحو دروب جانبية وعرة تؤدي إلى منطقة "عزبة الهجانة" الشعبية المكتظة بالمباني المتداخلة والناس المتواجدين في الشوارع حتى الفجر.
بعد ساعة من القيادة الحذرة المتخفية، أوقف مراد السيارة في ممر ضيق مهجور، وترجلا بعد أن ألبس ليلى قبعة سترته العسكرية لتخفي وجهها تماماً. صعدا درج بناية قديمة شبه متهدمة حتى وصلا إلى شقة صغيرة في الطابق الأخير، كان قد استأجرها مراد منذ سنوات باسم مستعار لحالات الطوارئ القصوى.
دخلت ليلى المكان وتأملت الغرفة البسيطة بفضول، ثم جلست فوق أريكة قطنية قديمة وهي تلتقط أنفاسها. تقدم مراد نحو النافذة الخشبية المغلقة، ونظر عبر شقوقها يراقب أزقة الشارع بالأسفل بحذر شديد، ثم نزع سلاحه الميري وضعه جانباً، وبدأ بفك الأزرار العلوية لقميصه بإرهاق واضح ظهر على تقاطيع وجهه الرجولية الحادة.
تقدمت ليلى منه بخطوات هادئة للغاية، وقفت بجواره ونظرت إلى ملامحه المتعبة وقالت بنبرة دافئة وخالية من أي مزاح: "مراد.. أنا أعلم أنك تضحي بكل تاريخك المهني المشرف من أجلي أنا.. لو سلمتني لهم ربما تنجو أنت وتعود لرتبتك ومكانتك".
استدار مراد نحوها بسرعة، واقترب منها خطوة واحدة جعلت أنفاسهما تتلاقى، وانخفض صوته ليصبح شديد العمق والعذوبة وهو يمسك وجهها بكفيه برفق: "تاريخي المهني لا يساوي شيئاً لو خسرتكِ يا ليلى. أنتِ لستِ مجرد قضية أتعامل معها.. أنتِ الشيء الوحيد الحقيقي والجميل الذي دخل حياتي الجافة والجافة جداً. براءتكِ هي معركتي الأهم الآن".
تلاقت أعينهما في لحظة عاطفية ساحرة حبست الأنفاس، وشعرت ليلى بأنها تطير فوق السحاب رغماً عن كونها مطاردة برة القانون.
ولكن، فجأة وبدون أي مقدمات، أضاءت الشاشة الصغيرة للكمبيوتر المحمول الخاص بليلى والموضوع على الطاولة تلقائياً، واهتزت بعنف، لتظهر عليها صورة حية ومباشرة من كاميرا الشارع بالأسفل.. كانت هناك أربع سيارات شرطة سوداء تابعة للمديرية تقتحم الزقاق الضيق، وترجل منها عشرات الجنود المدججين بالسلاح وهم يطوقون البناية بالكامل، وجاء صوت لاسلكي عالي يتردد صداه في المكان: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سلم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!).
بقلم الكاتبة: بسنت محمد محي الدين
الفصل الثالث عشر: لُعبة المراياسقط الهاتف من يد ليلى ليرتطم بالفراش، بينما تراجعت خطوة للخلف وجسدها ينتفض بالكامل. الكلمات التي سمعتها من المذيع كانت بمثابة حكم إعدام معنوي؛ (تصفية اللواء إبراهيم على يد الرائد الهارب مراد ومساعدته). التفتت نحو مراد وعيناها تفيضان بالدموع: "مراد.. هم قتلوه.. الرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة مات، والآن العالم كله يظن أننا قتلة!".لم يتحرك مراد من مكانه، لكن ملامحه تحولت إلى قسوة مرعبة، وضغط على قبضتيه حتى ابيضّت مفاصِله. اللواء إبراهيم لم يكن مجرد رئيسه في العمل، كان بمثابة الأب والقدوة، واغتياله بهذه الطريقة البشعة يعني أن اختراق العصابة وصل لأعلى المستويات في المديرية.خطا مراد خطوات واسعة نحو ليلى، وأمسك كتفيها بثبات شديد، وتحدث بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة فولاذية: "امسحي دموعكِ يا ليلى. البكاء لن يعيد اللواء إبراهيم، ولن يثبت براءتنا. اللعبة الآن أصبحت شخصية، ومن خطط لقتل الرجل الذي حماني، سأدفعه الثمن غالياً.. لكن أولاً، يجب أن نتحرك بحذر أكبر"."تحرّك؟ إلى أين؟ صورتنا في كل شاشة تلفاز وعلى كل موقع تواصل! لو خرجنا من هذا البيت الريفي سيقبض علينا
الفصل الثاني عشر: الهروب من عنق الزجاجةتغلغل صوت مكبر الصوت الصارم عبر زجاج النافذة ليزلزل أركان الغرفة الضيقة: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سَلِّم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!). انقبضت ملامح مراد، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جمرتين من الغضب؛ لم يكن خائفاً على نفسه، بل كان يشعر بمسؤولية مرعبة تجاه الفتاة التي تقف بجواره وترتجف كالعصفور."مراد.. هؤلاء شرطة، يعني من المفترض أنهم الأخيار صح؟ لماذا أشعر أننا في فيلم أكشن هوليوودي وأنا لست البطلة المستعدة للموت؟"، همست ليلى بصوت لاهث وعينيها تتسعان ذعراً وهي تتشبث بطرف قميصه."اهدئي تماماً يا ليلى، ولا تصدري أي صوت"، قالها مراد بنبرة منخفضة للغاية وفي غاية الحسم والتصميم. لم يضع وقتاً في التفكير؛ تحرك كالشبح نحو حقيبة جلدية سوداء مخبأة أسفل الفراش، فتحها بسرعة ليخرج منها قنبلتين صغيرتين من قنابل الدخان العسكري الكثيف، وجهازاً إلكترونياً صغيراً للتشويش على الترددات اللاسلكية.ضغط مراد على زر تشغيل جهاز التشويش، وفي ثانية واحدة انقطعت الاتصالات بين أفراد القوة المحاصرة بالأسفل، وساد الهرج والمرج في أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وقبل أن يستو
الفصل الحادي عشر: ما وراء القانونتصلبت ملامح الرائد مراد كأنه تمثال من الجرانيت، وتحجرت عيناه الصقريتان فوق زجاج السيارة الأمامي وهو يستمع لكلمات اللواء إبراهيم المرتجفة عبر الخط المشفر. الكلمات كانت ثقيلة كالقنابل: (خيانة عظمى.. أمر قبض رسمي.. اختراق من الداخل). شعر بدمه يغلي في عروقه؛ هو الذي قضى عمره كله يضحي بحياته في العمليات الخاصة ويحمي تراب هذا الوطن، يُتهم الآن بالخيانة في ليلة وضحاها بسبب لُعبة قذرة حركتها رؤوس العصابة من خلف الستار."فندم! هذا مستحيل! أنا وليلى كشفنا لتوّنا سيرفراتهم وحمينا الملفات السريّة بالكامل ونقلناها لوزارة الداخلية! هناك مكيدة تُدبر في المديرية لإغلاق القضية وتصفيتنا!"، قال مراد بصوت جهوري حاد يحمل نبرة غضب مكتوم، بينما كان يضغط على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها بين يديه.وجاء صوت اللواء إبراهيم هامساً وبسرعة شديدة: "أنا أعلم ذلك يا مراد، وأثق بنزاهتكَ أكثر من نفسي، لكن الأوراق والمستندات التي زُرعت في مكتبك وفي حسابات ليلى البنكية تثبت التهمة بشكل قانوني لا ثغرة فيه. التوجيهات صدرت من جهات سيادية عليا والتحرك ضدكم بدأ بالفعل. اختفِ تماماً يا بني..
الفصل العاشرانطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي."مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة."أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.بدلاً من الاستمرار
الفصل التاسع: مواجهة في عتمة الليلاستحالت الفيلا السرية في ثانية واحدة إلى مقبرة من الظلام الدامس بعد انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. لم يكن هذا الانقطاع طبيعياً بأي حال من الأحوال، بل كان فصلاً جديداً من فصول الهجوم المنظم والمدروس بعناية فائقة. ومع الرنين الحاد لتهشم زجاج الصالون، وتسلل أصوات الخطوات العسكرية الثقيلة بالداخل، شعرت ليلى بقلبها يقفز إلى حلقها. تلاشت فرحة النصر الإلكتروني تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي جعلها تتجمد في مكانها خلف المكتب، عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها أو الصراخ.بلمح البصر، وبتحرك تكتيكي أملته عليه سنوات الخبرة الطويلة في قطاع العمليات الخاصة، انقض الرائد مراد على ليلى في الظلام الدامس. وضع يده العريضة فوق فمها بلطف لكن بقوة كافية لمنع صدور أي صوت منها، وجذبها خفية خلف جدار خرساني عازل في زاوية الغرفة البعيدة عن الممر الرئيسي. همس في أذنها بأنفاس لاهثة وصوت منخفض للغاية كالفحيح: "لا تتحركي.. ولا تتنفسي يا ليلى. إنهم بالداخل، والمواجهة الآن صامتة تماماً. ثقي بي ولا تخافي".أومأت ليلى برأسها بضعف وسط العتمة الشديدة، وجسدها ينتفض كالعصفور المبلل تحت سترته العس
الفصل الثامن: معركة الثواني الأخيرةلم تكد العبارة المكتوبة باللون الأحمر القاني تستقر في وعي ليلى حتى شعرت ببرودة تجتاح أطرافها، وتلاشت ابتسامتها العفوية تماماً ليحل محلها وجوم مباغت. العداد الرقمي في زاوية الشاشة بدأ في العد التنازلي بقسوة لا ترحم: (04:59.. 04:58). الخطر هذه المرة لم يكن رصاصة ملموسة يمكن لمراد أن يتفاداها بجسده العريض، بل كان هجوماً برمجياً خفياً يتحرك عبر موجات أثيرية ليمحو الدليل الوحيد الذي يملكونه لإدانة تلك الشبكة الدولية."مراد! الحقني! السيرفرات تفعل تدميراً ذاتياً للملفات! التشفير بينهار والشفرة المفتاحية تتأكل قدام عيني! قدامنا خمس دقائق بالظبط والوزارة مش هتعرف طريق الناس دي تاني أبداً!"، صرخت ليلى وهي تقفز فوق المقعد الخشبي وتجذب جهازها المحمول لتبدأ أصابعها في النقر العنيف والمتسارع على لوحة المفاتيح، متحولة في ثانية واحدة من الفتاة المازحة إلى المحققة الإلكترونية الشرسة.تحرك مراد بسرعة مذهلة، وأصبح بجوارها تماماً يفصل بينهما إنشات قليلة. انحنى فوق كتفها وعيناه الصقريتان تلتهمان السطور البرمجية المتلاحقة على الشاشة بغضب عارم. "هل يمكنكِ إيقاف هذا البرو







