مشاركة

عشق على خط النار

last update تاريخ النشر: 2026-06-29 13:35:39

الفصل الثاني عشر: الهروب من عنق الزجاجة

تغلغل صوت مكبر الصوت الصارم عبر زجاج النافذة ليزلزل أركان الغرفة الضيقة: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سَلِّم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!). انقبضت ملامح مراد، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جمرتين من الغضب؛ لم يكن خائفاً على نفسه، بل كان يشعر بمسؤولية مرعبة تجاه الفتاة التي تقف بجواره وترتجف كالعصفور.

"مراد.. هؤلاء شرطة، يعني من المفترض أنهم الأخيار صح؟ لماذا أشعر أننا في فيلم أكشن هوليوودي وأنا لست البطلة المستعدة للموت؟"، همست ليلى بصوت لاهث وعينيها تتسعان ذعراً وهي تتشبث بطرف قميصه.

"اهدئي تماماً يا ليلى، ولا تصدري أي صوت"، قالها مراد بنبرة منخفضة للغاية وفي غاية الحسم والتصميم. لم يضع وقتاً في التفكير؛ تحرك كالشبح نحو حقيبة جلدية سوداء مخبأة أسفل الفراش، فتحها بسرعة ليخرج منها قنبلتين صغيرتين من قنابل الدخان العسكري الكثيف، وجهازاً إلكترونياً صغيراً للتشويش على الترددات اللاسلكية.

ضغط مراد على زر تشغيل جهاز التشويش، وفي ثانية واحدة انقطعت الاتصالات بين أفراد القوة المحاصرة بالأسفل، وساد الهرج والمرج في أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وقبل أن يستوعب الضابط المسؤول بالأسفل ما يحدث، ألقى مراد بالقنبلة الدخانية الأولى من النافذة لتنفجر صانعة سحابة بيضاء عملاقة وعمياء حجبت الرؤية تماماً عن الزقاق بأكمله.

"جاء دورنا الآن.. تحركي خلفي خطوة بخطوة"، قال مراد وهو يجذب ليلى من يدها بقوة دافئة ويفتح باب الشقة الخلفي المؤدي إلى ممر الخدمات الضيق الخاص بجمع القمامة، وهو ممر قديم ومظلم لا يعرفه سوى سكان البناية الأصليين.

نزلا الدرج الإسمنتي المتهدم بسرعة فائقة وسط عتمة شديدة، وصوت ضربات قلب ليلى يكاد يُسمع من فرط التوتر الشديد. ومع وصولهما إلى الطابق الأرضي، كان الدخان الكثيف قد تغلغل داخل البناية أيضاً، مما أتاح لهما التسلل من باب جانبي خلفي يفتح على زقاق آخر موازي تماماً للشارع المحاصر.

"مراد.. أنا لا أرى أمامي شيئاً، وصراحة هذا الدخان طعمه سيء جداً، ليس مثل دخان الفحم والشواء بالتأكيد!"، سعلت ليلى بخفة وهي تحاول جاهدة ملاحقة خطواته العسكرية الواسعة والسريعة.

ابتسم مراد وسط الظلام والدخان، وجذبها خلفه ليدخلا وسط زحام سوق الخضار الشعبي القريب، والذي كان يكتظ بالباعة والمشترين رغم تأخر الوقت. اندماجهما وسط الحشود الكثيفة كان ضربة معلم؛ فلم يعد بإمكان أي عسكري تتبعهما وسط هذا الزخم البشري العفوي.

سار مراد بحذر وهو يلف ذراعه حول كتف ليلى ليحميها من التدافع ويخفي ملامحها تماماً تحت قبعة السترة الكبيرة. تحركا لمسافة كيلومتر كامل حتى وصلا إلى محطة حافلات عامة مزدحمة. أشار مراد لحافلة متوجهة صوب أطراف محافظة الجيزة، وصعدا متنها في صمت تام، ليجلسا في المقاعد الخلفية المعزولة.

ارتدت ليلى بظهرها للوراء فوق المقعد الخشبي المتهالك للحافلة، وتنفس الصعداء بعمق كأنها ولدت من جديد، ونظرت لمراد الجالس بجوارها وعيناه ما زالتا تراقبان الطريق عبر الزجاج بحذر وقالت بنبرة عاد إليها بعض الشقاوة: "سيادة الرائد.. أنت تجاوزت مرحلة الضابط الكاريزما، أنت أصبحت رسمياً 'مهمة مستحيلة' بنسخة مصرية! صراحة، هروبنا هذا يحتاج لتوثيق تاريخي على منصات التواصل!".

التفت مراد نحوها، ولانت ملامحه الصارمة تماماً ليحل محلها دفء شديد، ونظر إلى عينيها الواسعتين اللتين تحدتا الخوف بمرحها المعهود، وقال بصوت دافئ ورخيم: "أنتِ التي تذهلينني في كل مرة يا ليلى. أي فتاة أخرى في مكانكِ كانت ستنهار تماماً وتفسد الخطة بالبكاء، لكن روحكِ المشاغبة هي التي تمنحني القوة لأفكر بذكاء وسط النيران".

احمرت وجنتا ليلى خجلاً، وشعرت برعشة حنونة تجتاح كيانها من أثر كلماته الصادقة، فقالت بصوت منخفض وخالٍ من المزاح: "لأنني أثق بك يا مراد.. أثق أنك لن تتركني أبداً".

"لن أترككِ ولو انطبقت السماء على الأرض"، قالها مراد بعهد قاطع وهو يضغط برفق على كفها الصغيرة.

استمرت الحافلة في السير لساعتين كاملتين حتى وصلت لبلدة ريفية هادئة ومنعزلة تماماً على أطراف الجيزة. ترجلا وسط حقول النخيل الكثيفة، وتوجها نحو بيت ريفي صغير ومبني من الطوب اللبن، يملكه رجل عجوز يدعى "الشيخ حسن"، وهو صياد قديم كان مراد قد أنقذ ابنه من شبكة تهريب دولية في الماضي ويدين لمراد بحياته.

استقبلهما الشيخ حسن بترحاب حار ووجه بشوش يملأه الأمان، ووفر لهما غرفة هادئة مبنية من القش والطين تفوح منها رائحة الطبيعة والدفء. جلس مراد على مقعد خشبي، بينما جلست ليلى فوق سجادة صوفية بسيطة، وظن كلاهما أن العاصفة قد هدأت أخيراً وأن اللعبة أصبحت لصالحهما في هذا المكان المعزول عن التكنولوجيا.

أخرجت ليلى هاتفها المحمول الصغير بحذر، وقامت بفتحه عبر شبكة إنترنت وهمية مشفرة صنعتها بنفسها لتطمئن على الأخبار. ولكن، بمجرد أن فتحت المتصفح، تجمدت أصابعها فوق الشاشة، وتحولت عيناها إلى كتلتين من الرعب الصادم.

التفتت نحو مراد، وصوتها يرتجف بشدة لدرجة البكاء العاجز وهي ترفع الهاتف نحو وجهه: "مراد.. انظر إلى هذا البث المباشر العاجل الآن.. التلفزيون يعرض صورتي وصورتك.. واللواء إبراهيم.. اللواء إبراهيم ملقى على الأرض في مكتبه ومغطى بالدماء، والمذيع يقول إننا نحن من قمنا باغتياله وتصفيته قبل هروبنا من المديرية!".

بقلم الكاتبة: بسنت محمد محي الدين

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثالث عشر: لُعبة المراياسقط الهاتف من يد ليلى ليرتطم بالفراش، بينما تراجعت خطوة للخلف وجسدها ينتفض بالكامل. الكلمات التي سمعتها من المذيع كانت بمثابة حكم إعدام معنوي؛ (تصفية اللواء إبراهيم على يد الرائد الهارب مراد ومساعدته). التفتت نحو مراد وعيناها تفيضان بالدموع: "مراد.. هم قتلوه.. الرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة مات، والآن العالم كله يظن أننا قتلة!".لم يتحرك مراد من مكانه، لكن ملامحه تحولت إلى قسوة مرعبة، وضغط على قبضتيه حتى ابيضّت مفاصِله. اللواء إبراهيم لم يكن مجرد رئيسه في العمل، كان بمثابة الأب والقدوة، واغتياله بهذه الطريقة البشعة يعني أن اختراق العصابة وصل لأعلى المستويات في المديرية.خطا مراد خطوات واسعة نحو ليلى، وأمسك كتفيها بثبات شديد، وتحدث بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة فولاذية: "امسحي دموعكِ يا ليلى. البكاء لن يعيد اللواء إبراهيم، ولن يثبت براءتنا. اللعبة الآن أصبحت شخصية، ومن خطط لقتل الرجل الذي حماني، سأدفعه الثمن غالياً.. لكن أولاً، يجب أن نتحرك بحذر أكبر"."تحرّك؟ إلى أين؟ صورتنا في كل شاشة تلفاز وعلى كل موقع تواصل! لو خرجنا من هذا البيت الريفي سيقبض علينا

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثاني عشر: الهروب من عنق الزجاجةتغلغل صوت مكبر الصوت الصارم عبر زجاج النافذة ليزلزل أركان الغرفة الضيقة: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سَلِّم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!). انقبضت ملامح مراد، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جمرتين من الغضب؛ لم يكن خائفاً على نفسه، بل كان يشعر بمسؤولية مرعبة تجاه الفتاة التي تقف بجواره وترتجف كالعصفور."مراد.. هؤلاء شرطة، يعني من المفترض أنهم الأخيار صح؟ لماذا أشعر أننا في فيلم أكشن هوليوودي وأنا لست البطلة المستعدة للموت؟"، همست ليلى بصوت لاهث وعينيها تتسعان ذعراً وهي تتشبث بطرف قميصه."اهدئي تماماً يا ليلى، ولا تصدري أي صوت"، قالها مراد بنبرة منخفضة للغاية وفي غاية الحسم والتصميم. لم يضع وقتاً في التفكير؛ تحرك كالشبح نحو حقيبة جلدية سوداء مخبأة أسفل الفراش، فتحها بسرعة ليخرج منها قنبلتين صغيرتين من قنابل الدخان العسكري الكثيف، وجهازاً إلكترونياً صغيراً للتشويش على الترددات اللاسلكية.ضغط مراد على زر تشغيل جهاز التشويش، وفي ثانية واحدة انقطعت الاتصالات بين أفراد القوة المحاصرة بالأسفل، وساد الهرج والمرج في أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وقبل أن يستو

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الحادي عشر: ما وراء القانونتصلبت ملامح الرائد مراد كأنه تمثال من الجرانيت، وتحجرت عيناه الصقريتان فوق زجاج السيارة الأمامي وهو يستمع لكلمات اللواء إبراهيم المرتجفة عبر الخط المشفر. الكلمات كانت ثقيلة كالقنابل: (خيانة عظمى.. أمر قبض رسمي.. اختراق من الداخل). شعر بدمه يغلي في عروقه؛ هو الذي قضى عمره كله يضحي بحياته في العمليات الخاصة ويحمي تراب هذا الوطن، يُتهم الآن بالخيانة في ليلة وضحاها بسبب لُعبة قذرة حركتها رؤوس العصابة من خلف الستار."فندم! هذا مستحيل! أنا وليلى كشفنا لتوّنا سيرفراتهم وحمينا الملفات السريّة بالكامل ونقلناها لوزارة الداخلية! هناك مكيدة تُدبر في المديرية لإغلاق القضية وتصفيتنا!"، قال مراد بصوت جهوري حاد يحمل نبرة غضب مكتوم، بينما كان يضغط على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها بين يديه.وجاء صوت اللواء إبراهيم هامساً وبسرعة شديدة: "أنا أعلم ذلك يا مراد، وأثق بنزاهتكَ أكثر من نفسي، لكن الأوراق والمستندات التي زُرعت في مكتبك وفي حسابات ليلى البنكية تثبت التهمة بشكل قانوني لا ثغرة فيه. التوجيهات صدرت من جهات سيادية عليا والتحرك ضدكم بدأ بالفعل. اختفِ تماماً يا بني..

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل العاشرانطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي."مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة."أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.بدلاً من الاستمرار

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل التاسع: مواجهة في عتمة الليلاستحالت الفيلا السرية في ثانية واحدة إلى مقبرة من الظلام الدامس بعد انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. لم يكن هذا الانقطاع طبيعياً بأي حال من الأحوال، بل كان فصلاً جديداً من فصول الهجوم المنظم والمدروس بعناية فائقة. ومع الرنين الحاد لتهشم زجاج الصالون، وتسلل أصوات الخطوات العسكرية الثقيلة بالداخل، شعرت ليلى بقلبها يقفز إلى حلقها. تلاشت فرحة النصر الإلكتروني تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي جعلها تتجمد في مكانها خلف المكتب، عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها أو الصراخ.بلمح البصر، وبتحرك تكتيكي أملته عليه سنوات الخبرة الطويلة في قطاع العمليات الخاصة، انقض الرائد مراد على ليلى في الظلام الدامس. وضع يده العريضة فوق فمها بلطف لكن بقوة كافية لمنع صدور أي صوت منها، وجذبها خفية خلف جدار خرساني عازل في زاوية الغرفة البعيدة عن الممر الرئيسي. همس في أذنها بأنفاس لاهثة وصوت منخفض للغاية كالفحيح: "لا تتحركي.. ولا تتنفسي يا ليلى. إنهم بالداخل، والمواجهة الآن صامتة تماماً. ثقي بي ولا تخافي".أومأت ليلى برأسها بضعف وسط العتمة الشديدة، وجسدها ينتفض كالعصفور المبلل تحت سترته العس

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثامن: معركة الثواني الأخيرةلم تكد العبارة المكتوبة باللون الأحمر القاني تستقر في وعي ليلى حتى شعرت ببرودة تجتاح أطرافها، وتلاشت ابتسامتها العفوية تماماً ليحل محلها وجوم مباغت. العداد الرقمي في زاوية الشاشة بدأ في العد التنازلي بقسوة لا ترحم: (04:59.. 04:58). الخطر هذه المرة لم يكن رصاصة ملموسة يمكن لمراد أن يتفاداها بجسده العريض، بل كان هجوماً برمجياً خفياً يتحرك عبر موجات أثيرية ليمحو الدليل الوحيد الذي يملكونه لإدانة تلك الشبكة الدولية."مراد! الحقني! السيرفرات تفعل تدميراً ذاتياً للملفات! التشفير بينهار والشفرة المفتاحية تتأكل قدام عيني! قدامنا خمس دقائق بالظبط والوزارة مش هتعرف طريق الناس دي تاني أبداً!"، صرخت ليلى وهي تقفز فوق المقعد الخشبي وتجذب جهازها المحمول لتبدأ أصابعها في النقر العنيف والمتسارع على لوحة المفاتيح، متحولة في ثانية واحدة من الفتاة المازحة إلى المحققة الإلكترونية الشرسة.تحرك مراد بسرعة مذهلة، وأصبح بجوارها تماماً يفصل بينهما إنشات قليلة. انحنى فوق كتفها وعيناه الصقريتان تلتهمان السطور البرمجية المتلاحقة على الشاشة بغضب عارم. "هل يمكنكِ إيقاف هذا البرو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status