Mag-log inالفصل العاشر: ليلة ما قبل الأحد
تجمدت ليان أمام النافذة. عيناها معلقتان بالصورة التي عثرت عليها فوق وسادتها. كانت تشعر بأن قلبها ينبض بقوة حتى كاد يؤلمها. الصورة لم تكن قديمة. لم تكن من طفولتها. بل التُقطت قبل ساعات فقط. كانت هي نفسها ترتدي الملابس ذاتها التي ارتدتها في الجامعة ذلك اليوم. وهذا يعني شيئًا واحدًا. شخص ما كان يراقبها. شخص قريب بما يكفي لالتقاط صورة واضحة لها. وشخص استطاع التسلل إلى غرفتها دون أن تراه. ارتجفت أصابعها وهي تقلب الصورة مرة أخرى. ثم قرأت الجملة المكتوبة خلفها للمرة العاشرة: "إنه يراكِ منذ وقت أطول مما تظنين." شعرت بقشعريرة باردة تمر في جسدها. من المقصود؟ الشاب ذو الملابس السوداء؟ أم آسر؟ أم شخص آخر لا تعرف بوجوده أصلًا؟ جلست فوق سريرها وهي تحاول ترتيب أفكارها. لكن المشكلة أن كل إجابة تقود إلى سؤال جديد. كلما اقتربت من فهم شيء ظهر لغز آخر. وكأن أحدهم يتعمد إبقاءها داخل متاهة لا نهاية لها. رفعت رأسها نحو النافذة. كانت الستائر تتحرك قليلًا بفعل الهواء. أما الشارع بالخارج فكان هادئًا على غير عادته. لكن شعورًا غريبًا تسلل إلى داخلها. ذلك الشعور المزعج بأنها ليست وحدها. نهضت واقتربت من الزجاج. نظرت إلى المبنى المقابل. السطح فارغ. لا أثر لآسر. ولا أثر لمالك. ومع ذلك... لم تستطع التخلص من إحساس المراقبة. في صباح اليوم التالي استيقظت بعد ساعات قليلة من النوم المتقطع. كان يوم السبت. اليوم الذي يسبق الأحد. والغريب أن هذا الأحد بالتحديد بدا وكأنه يقترب بسرعة مخيفة. كانت تشعر أن شيئًا مهمًا سيحدث. شيء سيغير كل ما تعرفه. عندما خرجت من غرفتها وجدت والدتها تعد الإفطار. ابتسمت لها قائلة: ـ صباح الخير. ابتسمت ليان محاولة إخفاء توترها. لكن والدتها لاحظت ذلك فورًا. ـ ما الأمر؟ ـ لا شيء. ـ تكذبين بشكل سيئ جدًا. ضحكت ليان بخفوت. ثم جلست على الطاولة. للحظة شعرت برغبة في إخبار والدتها بكل شيء. عن آسر. وعن مالك. وعن الرسائل. وعن الكنيسة القديمة. لكنها تراجعت. حتى هي نفسها لم تكن تفهم ما يحدث. فكيف ستشرحه لشخص آخر؟ بعد الظهر خرجت قليلًا لتصفية ذهنها. سارت بلا هدف محدد. تتنقل بين الشوارع المزدحمة. وتحاول الهروب من أفكارها. لكنها فشلت. كل شيء أعادها إلى النقطة نفسها. الأحد. الكنيسة. الحقيقة. كانت تسير قرب حديقة صغيرة عندما سمعت صوتًا مألوفًا. ـ تبدين شاردة. استدارت بسرعة. آسر. كان يقف خلفها مباشرة. شعرت بالارتياح فور رؤيته. ورغم أنها لم تعترف بذلك لنفسها. إلا أنها كانت تنتظر ظهوره. نظر إليها بهدوء. ثم قال: ـ لم تنامي جيدًا. حدقت فيه. ـ هل تراقبني أثناء نومي أيضًا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه. ـ لا. ـ إذن كيف عرفت؟ ـ لأن التعب واضح في عينيك. ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قالت: ـ رأيت صورة جديدة. اختفت الابتسامة فورًا. ـ أي صورة؟ أخبرته بما حدث. ومع كل كلمة كانت ملامحه تصبح أكثر جدية. حتى انتهت. فسألها: ـ أين الصورة الآن؟ أخرجتها من حقيبتها. أخذها منها وتأملها طويلًا. ثم عقد حاجبيه. ـ ماذا؟ لم يجب. ـ آسر. ـ هذه ليست رسالة فقط. ـ ماذا تعني؟ رفع الصورة نحو الضوء. وأشار إلى زاوية صغيرة فيها. اقتربت ليان ونظرت. في البداية لم تفهم. ثم اتسعت عيناها. في خلفية الصورة... بعيدًا جدًا... كان هناك انعكاس لشخص يقف خلف المصور. شخص طويل. ملامحه غير واضحة. لكن عينيه بدتا شديدتي السواد. شعرت بقشعريرة. ـ هل هذا هو؟ قال آسر بهدوء: ـ لا أعرف. لكنه يعرف أنك رأيته. ارتفع نبض قلبها. ـ تقصد الشاب الذي عند الجامعة؟ أومأ برأسه. ثم أضاف: ـ وهذا سيجعل الأمور أسوأ. حل المساء ببطء. والسماء امتلأت بالغيوم الداكنة. كانت ليان في غرفتها عندما سمعت صوت الرعد لأول مرة. وقفت قرب النافذة. تراقب المطر الذي بدأ يهطل. ثم تذكرت شيئًا فجأة. الأحد. غدًا هو الأحد. غدًا الموعد الذي ذكره مالك. غدًا الكنيسة القديمة. شعرت بالتوتر يزداد داخلها. هل تذهب؟ أم لا؟ إذا ذهبت فقد تقع في فخ. وإذا لم تذهب ربما تضيع فرصة معرفة الحقيقة. جلست على السرير وهي تفكر. حتى غلبها النعاس دون أن تشعر. وفي تلك الليلة... حلمت. لكن هذا لم يكن حلمًا عاديًا. وجدت نفسها واقفة وسط ضباب كثيف. الهواء بارد. والسماء رمادية. ولا يوجد أي صوت. بدأت تسير ببطء. حتى ظهر المبنى أمامها. الكنيسة القديمة. نفسها تمامًا. الباب الخشبي الضخم. النوافذ الطويلة. والأحجار الداكنة التي غطاها الزمن. اقتربت منها. وشعرت أن قلبها يعرف المكان. وكأنه زاره من قبل. مدت يدها نحو الباب. وقبل أن تلمسه... انفتح وحده. ببطء. صرير خافت خرج من المفصلات القديمة. ثم ظهر ممر طويل داخل الظلام. دخلت. وبدأت تمشي. كان المكان فارغًا. لكنها شعرت أن هناك من يراقبها. فجأة... سمعت صوت طفل يضحك. التفتت بسرعة. لا أحد. ثم سمعت الضحكة مرة أخرى. هذه المرة أقرب. تبعتها حتى وصلت إلى قاعة واسعة. وفي منتصف القاعة... رأت طفلة صغيرة. كانت تقف وظهرها إليها. شعرها الأسود الطويل يتدلى فوق كتفيها. وشعرت ليان بشيء غريب. الطفلة مألوفة جدًا. اقتربت خطوة. ثم أخرى. حتى استدارت الطفلة ببطء. وتوقفت أنفاس ليان. لأنها كانت تنظر إلى نفسها. نسخة أصغر منها. نفس الوجه. نفس العينين. نفس الملامح. تراجعت بخوف. لكن الطفلة ابتسمت. ثم قالت: ـ لقد عدتِ أخيرًا. ارتجفت ليان. ـ من أنتِ؟ لكن الطفلة لم تجب. بل أشارت خلفها. استدارت ليان. فرأت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها. ثلاثة أشخاص يقفون وسط الضباب. الأول كان آسر. والثاني كان مالك. أما الثالث... فكان ذلك الشاب ذو الملابس السوداء. كانوا جميعًا ينظرون إليها. وكأنهم ينتظرون قرارًا واحدًا. ثم قال الشاب الأسود بصوت عميق: ـ الوقت انتهى. وفجأة... استيقظت. شهقت بقوة. وقلبها يكاد يقفز من صدرها. كانت غرفتها مظلمة. والمطر ما يزال يهطل بالخارج. نظرت إلى الساعة. السادسة صباحًا. يوم الأحد. اليوم الذي كانت تخشاه. جلست عدة دقائق تحاول استيعاب الحلم. ثم نهضت ببطء. غسلت وجهها. وارتدت ملابسها. وشعرت أنها تتجه نحو شيء لن تستطيع التراجع عنه. شيء بدأ منذ أن رأت آسر لأول مرة. ولم يعد بإمكانها الهرب منه. وقبل أن تغادر المنزل بدقائق... سمعت طرقًا على باب غرفتها. تجمدت. فتحت الباب. لم يكن هناك أحد. لكن على الأرض... وجدت ظرفًا أسود صغيرًا. انحنت والتقطته. ثم فتحته ببطء. كانت بداخله ورقة واحدة فقط. مكتوب عليها بخط واضح: "إذا وصلتِ إلى الكنيسة قبل الظهيرة فستعرفين جزءًا من الحقيقة." توقفت أنفاسها وهي تكمل القراءة. "أما إذا تأخرتِ..." هنا انتهت الجملة الأولى. وفي السطر الأخير كُتبت كلمات قليلة جعلت الرعب يتسلل إلى قلبها. "فلن تري آسر مرة أخرى أبدًا." بقيت ليان تحدق في الورقة. بينما كانت تشعر أن العالم كله أصبح فجأة أصغر من أن يحتوي ما يحدث. وفي مكان بعيد... داخل الكنيسة القديمة نفسها... كان شخص مجهول يقف أمام نافذة مكسورة. يراقب السماء الرمادية. ثم ابتسم ابتسامة باردة. وقال: ـ لنرَ من ستختار هذه المرة. آسر... أم الحقيقه ؟الفصل الثلاثون: الحقيقة التي لا تُقالعندما فتحت ليان عينيها، لم تكن متأكدة إن كانت قد عادت فعلًا… أم أنها مجرد نسخة أخرى داخل نفس الدائرة التي لا تنتهي.الغرفة حولها كانت صامتة، لكن الصمت هذه المرة مختلف. لم يكن هدوءًا، بل كان أشبه بانتظار طويل لشيء لم يحدث بعد.رفعت يدها ببطء.كل شيء يبدو طبيعيًا… لكن إحساسها الداخلي كان يقول العكس.شيء ما تغيّر.شيء كبير.وقفت من السرير وهي تنظر حولها بقلق، تبحث عن أي علامة تدلها أين هي الآن.وفجأة…سمعت صوت الباب يُفتح.تجمدت في مكانها.دخل آسر.لكن ملامحه هذه المرة كانت مختلفة.لم يكن متوترًا فقط… بل كان مثقلًا بشيء أعمق.كأن الحقيقة نفسها أصبحت على كتفيه.أغلق الباب خلفه ببطء، ثم قال بصوت منخفض:ـ رجعتي.لم يكن سؤالًا.كان تأكيدًا ثقيلًا.نظرت إليه ليان بحذر. ـ أنا رجعت فين بالظبط؟اقترب خطوة واحدة فقط.ـ رجعتي لنقطة البداية اللي كنتِ فاكرة إنك خرجتي منها.تجمدت.ـ يعني إيه نقطة البداية؟صمت لحظة طويلة.ثم قال: ـ يعني كل اللي حصل قبل كده… كان محاولة لفهمك مش لتغييرك.شعرت ليان أن قلبها ينقبض. ـ فهمني إيه؟ أنا أصلاً مش فاهمة نفسي!نظر إليها بعمق.
الفصل التاسع والعشرون اكتمال ما لا يكتمللم يكن الضوء هذه المرة يشبه أي شيء رأته ليان من قبل.لم يكن أبيض بالكامل، ولا أسود، ولا حتى مزيجًا بينهما. كان أقرب إلى إحساس… كأنه يلتف حولها من الداخل قبل الخارج، كأنه لا يضيء المكان بل يعيد تشكيله.وقفت في المنتصف، لا تعرف هل ما زالت على أرض حقيقية أم داخل لحظة انفجار جديدة من الوعي.لكنها كانت تشعر بشيء مختلف.لم تعد تتشقق كما كانت من قبل.لم تعد تتقسم إلى صور متناقضة داخل عقلها.هذه المرة… كان هناك انتظام غريب.كأن شيء ما بدأ يعود إلى مكانه الصحيح.لكن هذا “الصحيح” لم يكن مريحًا.رفعت نظرها ببطء.كان آسر أمامها.لكن هذه المرة لم يكن متجمدًا.ولم يكن يتحرك.كان ينظر إليها فقط.نظرة طويلة… ثقيلة… كأنه يراها لأول مرة بشكل كامل.ـ ليان… قالها بصوت منخفض.لكن الاسم خرج منه وكأنه يحمل معنى مختلفًا هذه المرة.تقدمت خطوة نحوه. ـ إيه اللي بيحصل؟لم يجب مباشرة.بدلًا من ذلك، نظر حوله، كأن المكان نفسه أصبح غير آمن للكلام.ثم قال: ـ مش كل اللي شوفتيه كان كذب… ومش كله كان حقيقة.تجمدت. ـ يعني إيه؟اقترب خطوة. ـ يعني إنكِ طول الوقت كنتِ بتحاولي تبقي واح
لم يكن هناك صوت عندما عادت ليان.لكن الصمت هذه المرة لم يكن هادئًا… بل كان مثقلًا بشيء غير مفهوم، كأن العالم نفسه يحبس أنفاسه قبل أن يقرر ماذا يفعل بها.فتحت عينيها ببطء.كانت الأرض تحتها صلبة.لكنها لم تتعرف على المكان فورًا.الغرفة كانت موجودة… لكنها مختلفة. الجدران كأنها مشدودة من الداخل، والإضاءة ليست طبيعية، بل أقرب إلى ضوء يتردد بين الوجود والاختفاء.نهضت ببطء شديد.يدها ما زالت ترتجف.نظرت حولها.لا شقوق.لا بوابة.لا فراغ أبيض.فقط غرفة.لكن الإحساس لم يكن مطمئنًا.ـ آسر…خرج الاسم من فمها قبل أن تفكر.وفجأة سمعته.لكن ليس من أمامها.بل خلفها.ـ أنا هنا.التفتت بسرعة.آسر كان واقفًا عند الباب.لكن ملامحه لم تكن كما كانت دائمًا.كان هناك شيء مختلف في عينيه… شيء أثقل من الخوف.ـ حصل إيه؟ همست ليان.لم يجب مباشرة.اقترب ببطء.ثم قال: ـ إنتي اخترتي.تجمدت.ـ اخترت إيه؟صمت لحظة طويلة.ثم قال: ـ اللي حصل مش بيرجع بسهولة.شعرت أن صدرها يضيق. ـ أنا مش فاكرة أنا عملت إيه بالظبط.نظر إليها بعمق.ـ وده أخطر جزء.اقترب أكثر.ـ لأنكِ مش بس لمستي الاختيار… إنتي بدأتِ تفصلي بين النسختين.تر
الفصل السابع والعشرون: لحظة الاختيارلم تكن ليان تتوقع أن لحظة الاختيار ستأتي بهذا الشكل المفاجئ، ولا بهذا الثقل الذي شعرت به وهي تمتد بيدها نحو إحدى النسخ الواقفة أمامها.كل نسخة كانت تنظر إليها بطريقة مختلفة، وكأن كل واحدة تحمل جزءًا من حياتها التي لا تتذكرها. لحظة اقتراب يدها من إحدى النسخ جعلت الهواء نفسه يتوقف، وكأن الكون كله ينتظر القرار.وقبل أن تلمسها مباشرة، سمع آسر صوته يصرخ: ـ ليان! توقفي!لكن الصوت كان بعيدًا، كأنه يأتي من خلف جدار من الزمن.يدها توقفت في المنتصف.نظرت إلى النسخة التي اختارتها، فوجدت عينيها مليئتين بشيء غريب، شيء يشبه الحنين والخوف في نفس الوقت.قالت النسخة بهدوء: ـ لو لمستيني… هتفتكري كل حاجة مرة واحدة.ـ وأنا عايزة أفتكر! صرخت ليان.لكن صوتها نفسه لم يكن ثابتًا.المرأة كانت تقف على مسافة، تراقب دون تدخل، وكأنها تعرف أن ما سيحدث ليس بحاجة إلى دفع، بل فقط إلى قرار.آسر حاول الاقتراب، لكن الأرض بينه وبين ليان بدأت تتشقق، وكأن الواقع نفسه يمنعه من الوصول إليها.ـ ليان اسمعيني! أي اختيار دلوقتي مش هيرجع زي الأول! قالها بصوت متوتر.لكنها لم تعد قادرة على الترا
الفصل السابع والعشرون: كسر الدائرةسقطت ليان داخل الضوء، لكنها لم تشعر بالسقوط هذه المرة كحدث مفاجئ. كان الأمر أشبه بانزلاق بطيء داخل شيء يعرف طريقه إليها منذ زمن طويل.عندما فتحت عينيها، لم تكن في الفراغ الأبيض كما اعتادت. كانت في مكان مختلف تمامًا.مدينة.لكن ليست مدينة عادية.الأبنية كانت من نور متجمد، والشوارع تمتد بلا نهاية واضحة، والسماء فوقها تشبه مرآة ضخمة تعكس أشياء لا تحدث في الواقع.وقفت ببطء، تنظر حولها بذهول.ـ أنا فين دلوقتي… همست.لم يكن هناك رد مباشر، لكن الإحساس بالوجود لم يكن وحده هذه المرة. كانت تشعر بآسر قريبًا منها، حتى لو لم تراه.ثم ظهر أمامها.كان واقفًا على بعد خطوات.لكن شيئًا ما فيه كان مختلفًا.ملامحه كانت هادئة بشكل غير طبيعي، وكأنه فقد جزءًا من مقاومته الداخلية.ـ آسر… قالت بسرعة.نظر إليها، لكن عينيه لم تكن مثل السابق.ـ إنتي دخلتي المرحلة الثالثة… قالها بهدوء.ـ مرحلة إيه؟ أنا مش فاهمة أي حاجة!اقترب خطوة واحدة فقط.ـ هنا مفيش رجوع بسهولة.نظرت حولها. ـ المكان ده حقيقي؟ـ حقيقي بالنسبة للي جواكي.سكتت.ثم قالت: ـ جوايا إيه بالظبط؟قبل أن يجيب، بدأ الهوا
الفصل السادس والعشرون: انكسار الضوءلم يكن الصمت هذه المرة مجرد غياب للصوت، بل كان وجودًا قائمًا بذاته. ليان شعرت وكأن العالم كله توقف ليتنفس معها في اللحظة نفسها، ثم ينتظر ما ستفعله بعد ذلك.الفراغ الأبيض الذي كانت تقف فيه لم يعد ساكنًا كما اعتادت. شيء ما تغيّر. هناك اهتزاز خفيف في الهواء، كأن المكان نفسه لم يعد متأكدًا من شكله. نظرت حولها بسرعة، لكنها لم تجد آسر. هذه المرة، اختفاؤه لم يكن مجرد غياب، بل كان وكأنه لم يكن موجودًا منذ البداية.ـ آسر… همست بصوت مرتجف.لم يأتِ الرد. لكن الاسم نفسه ارتد إليها بشكل غريب، كأنه اصطدم بجدار غير مرئي ثم عاد إليها مشوهًا.خطت خطوة إلى الأمام، ثم توقفت فجأة عندما لاحظت أن الأرض تحتها لم تعد أرضًا. كانت أقرب إلى سطح من الضوء المتماسك، يتنفس ببطء، ويستجيب لحركتها.وفجأة، انشق الفراغ أمامها.ليس شقًا صغيرًا كما في المرات السابقة، بل فتحه واسعة، كأن الواقع نفسه يتمزق من المنتصف. ومن داخله بدأ الضوء يتسرب بشكل غير منتظم، يتشكل ثم ينهار ثم يعود.ثم ظهر الصوت.ليس صوتًا واحدًا.بل أصوات كثيرة تتداخل مع بعضها.ـ ليان…ـ ليانا…ـ اختاري…وضعت يديها على أذ
الفصل الحادي والعشرون: العائدة من الممر كان أول شيء شعرت به ليان هو الألم. ألم غريب. ليس ألم جرح. ولا ألم سقوط. بل شعور وكأن آلاف الأصوات تتحرك داخل رأسها في الوقت نفسه. أصوات بعيدة. ذكريات ليست لها. وأسماء لم تسمعها من قبل. فتحت عينيها ببطء. رأت سقف الكنيسة المتهالك فوقها. الغ
الفصل العشرون: الكلمة الأخيرةلم تُكمل ليان جملتها.لأن الممر نفسه قرر أن يجيب بدلًا عنها.اهتز المكان كله فجأة.ثم انطفأ الضوء الأحمر الذي كان يملأ الجدران.لثانية واحدة فقط…ساد ظلام كامل.ليس ظلامًا عاديًا.بل فراغ.كأن كل شيء تم مسحه من الوجود.حتى الصوت.حتى التنفس.حتى إحساسها بجسدها.ثم بدأت
الفصل التاسع عشر: الاختيار الذي لم يُقَلالصمت داخل الممر لم يكن صمتًا عاديًا.كان أشبه بانتظار.انتظار شيء يعرف الجميع أنه قادم… لكن لا أحد يجرؤ على تسميته.وقفت ليان أمام الأسماء الثلاثة.عينها تتحرك بينها ببطء.آسر.مالك.والاسم الثالث الذي ما يزال يتوهج كجرح مفتوح على الجدار.الظل خلف الشق في ن
الفصل الثامن عشر: الممر الذي يختار من يدخلكانت الكلمات على الجدار لا تزال مضيئة."أنتِ ليستِ واحدة."لم تختفِ.ولم تخفت.بل كأنها تزداد وضوحًا كلما اقتربت ليان منها.وقفت في منتصف الممر.لا تتقدم.ولا تتراجع.كأن الأرض نفسها قررت أن توقفها في هذا الموضع بالذات.خلفها كان آسر عند المدخل.وصوته ما ي







