Se connecterانطلقت السيارة بسرعة عشوائية هاربة من المكان، وتركت إيلا واقفة وحدها تحت المطر الغزير. لكن ما قيد أنفاسها وأشعل صدورها بريبة قاتلة لم يكن هروب تلك الفتاة فحسب، بل تلك النظرات الأخيرة التي رمتها بها قبل أن تغلق الباب؛ نظرات لم تكن مجرد انعكاس للخوف أو الذنب، بل كانت محملة بوجع عميق، وحزن جارح، وغصة خفية وكأن إيلا هي من ظلمتها بحق. وقفت متسمرة مكانها لثانية، ولسان حالها يرفض استيعاب ما رأت؛ تلك النظرات المكسورة زرعت في عقل إيلا شكاً أعمق وأكثر رعباً: ماذا لو لم تكن مجرد علاقة عابرة أو نزوة طارئة كما كانت تهون على نفسها؟ ماذا لو كانت هذه الفتاة تعني لآدم شيئاً حقيقياً.. وربما كانت حبه الأول الذي لم ينتهِ حقاً؟! شعرَت وكأن صخرة هائلة هبطت على صدرها لتسلبها القدرة على التنفس. استدارت بخطوات بطيئة وثقيلة ومرتجفة، وصعدت إلى الشقة وهي تكاد جراحات روحها تسبق جسدها المبلل. وما إن دخلت غرفة المعيشة، حتى وقع نظرها على هاتف آدم الذي كان لا يزال مستقراً على الطاولة، يضيء ويهتز بقوة معلناً عن اتصال وارد جديد. اقتربت منه بخطوات شبه معدومة، وما إن رأت اسم «ريما» يلمع على الشاشة وهي تصر على الاتصال
مرت أيام قليلة حاملة معها توتراً صامتاً يكاد يُلمس بالأيدى، حتى جاءت تلك الليلة التي تغير فيها كل شيء. كان المطر ينهمر بغزارة خارج النوافذ، بينما كانت إيلا جالسة بمفردها في غرفة المعيشة بعد أن أخلت ابنتها ميلا إلى النوم. كان المنزل يغرق في سكون مطبق لولا صوت قطرات الماء وهي تضرب الزجاج بعنف. وسط هذا الهدوء المشحون، رنّ هاتـف آدم المحمول الملقى على الطاولة بإنذار رسالة جديدة، تبعه اهتزاز متكرر أضاء الشاشة في العتمة. لم تكن إيلا تنوي النظر، لكن وميض الاسم الذي ظهر على الشاشة كان كالصاعقة: «ريما». وقفت إيلا وكأن تياراً كهربائياً سريعا سرى في جسدها. لم تفكر هذه المرة؛ بل امتدت يدها والتقطت الهاتف بسرعة، وفتحت الرسالة التي كانت تحمل عبارة قصيرة ومباشرة: *"أحتاج لرؤيتك الآن.. الأمر لا يحتمل التأجيل، أنا في الشارع الخلفي لمنزلك."* كادت أنفاسها تتوقف وهي تقرأ الكلمات. سقط الدمع حارقاً من عينيها دون أن تشعر، واشتعل في صدرها بركان من الغضب والذهول. لم تعد تحتمل كل هذا الكذب وتلك الحياة المزدوجة التي يمارسها بكل برود خلف ظهرا. دون أن تفكر في عواقب ما ستفعله، التقطت معطفها الملقى على
مضت الأيام التالية بطريقة سميكة وثقيلة على أعصاب إيلا. لم تعد قادرة على التصرف بعفوية؛ فكل حركة يقوم بها آدم، وكل نظرة يوجّهها نحو هاتفه، تحولت في عقلها إلى دليل إدانة محتمل. حاولت مراراً أن تقنع نفسها بأن ما شاهدته في المقهى كان مجرد التباس أو زاوية رؤية خاطئة، لكن غصة الصدر كانت ترفض أن تتبدد. في إحدى الأمسيات المتأخرة، عاد آدم إلى البيت. كان متعباً بعض الشيء، فرمى مفاتيحه على الطاولة وتوجه مباشرة لغرفة النوم لتغيير ملابسه. حين دخل آدم إلى الغرفة واستدار ليخلع سترته، لم تكن إيلا بعيدة عنه؛ بل تحركت بخطوات هادئة ومدروسة حتى مرت بجانبه مباشرة وكأنها تريد التقاط شيء من الخزانة القريبة. لكن عينيها كانتا تمسحان تفاصيل ملابسه بدقة متناهية، تتفقدان قميصه وأعلى صدره بحثاً عن أي أثر، أو أحمر شفاه، أو شعرة غريبة، أو حتى احمرار يدل على تقارب جسدي سابق. لم تلاحظ شيئاً غير مألوف، لكن ذلك لم يطفئ تلك الجمرة المشتعلة في صدرها، بل زاد من حيرتها. لاحقاً، وفي وقت متأخر من الليل، كانا مستلقيين على السرير. الظلام يلف الغرفة، والمسافة الفاصلة بينهما بدت كأنها جدار سميك من التوتر الصامت والشكوك المترا
عادت الحياة إلى مجراها الطبيعي بعد عودتهم إلى بيتهم الخاص. وفي أحد الأيام، وبينما كانت إيلا في جولة تسوق بالسوق التجاري برفقة ابنتها ميلا لتغيير الجو، التفتت صدفة نحو أحد المقاهي الراقية المطلة على الشارع. وهناك.. تسمرت في مكانها. على إحدى الطاولات، كان آدم جالساً مع فتاة شابة. لم تكن مجرد جلسة عادية؛ كانت الفتاة تنحني نحوه بحميمية واضحة، تلف ذراعيها حول عنقه بضمّة قريبة، بينما آدم.. لم يبعدها! ظل جالساً بهدوئه المعتاد دون أن يحرك ساكناً لدفعها، وكأن الأمر مألوف لديه تماماً. سقطت أنفاس إيلا وكأن صاعقة ضربتها. شعرت بصدمة خانقة تجمدت لها أطرافها، وتسلل الحزن المرير إلى صدرها وهي تتابع المشهد بعينين تلمعان بالدموع والذهول. في تلك اللحظة، وسط ضوضاء السوق، كان صوت الحوار بين آدم وتلك الفتاة يدور بهدوء تام، بعيداً عن أعين إيلا التي انسحبت بصمت قاتل: قالت الفتاة بصوت خافت وهي تبتعد قليلاً عنه وتعدل حقيبتها: "كنت أعلم أنك ستأتي.. شكراً لأنك لبيت طلبي يا آدم، رغم كل انشغالاتك." رد آدم بهدوء محايد ونبرة هادئة خالية من التكلف: "أنتِ تعلمين أنني لا أستطيع رفض طلبكِ مهما كانت ظروفي
مرت ساعات طويلة على ذلك الصمت المطبق داخل المكتب السفلي. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس سيلينا المتقطعة وشقشقة خافتة تصدر من الشاشة المظلمة التي أُغلقت تلقائياً بعد أن أنهت مهمتها التدميرية. كانت لا تزال مسترخية بوضعيتها المنكسرة فوق فخذه، رأسها مسند بضعف على كتفه، وجفناها المتورمتان غارقتان في سبات عميق فرضه الإرهاق المطلق والصدمة النفسية الساحقة. أما كريس، فبقي جابداً إياها بذراعيه الحديديتين طوال تلك المدة، متبمساً بهدوء غامض وخطير. لم يتحرك، ولم يزعج نومها، بل ظل يتأمل خصلات شعرها المنثورة على صدره بعينين حالكتين تلمعان ببريق الانتصار. لقد تحقق مراده؛ سقطت آخر الأقنعة، وانمحت كل خيوط الأمل الوهمية التي ربطت قلبها بغيره. لم يعد لداميان أو لأنجلينا أي وجود في عقلها بعد الآن، وباتت ملكاً خالصاً له، محطمة ومجردة من أي ملجأ سواه. وعندما بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل عبر الستائر الثقيلة لمكتبه، فتحت سيلينا عينيها ببطء شديد. كان الصداع النهام يمزق رأسها، والطعم المرّ لليقين المؤلم يملأ فمها. ومع أول نبضة وعي استعادتها، أدركت أين هي؛ ومع صاعقة الذهول التي ضربت عقلها، أدركت أنها نامت هكذا.. ط
منذ البداية، لم تكن لارا لتقبل بأن ينتهي الصباح بهذه البساطة، خصوصاً بعد أن رأت ذلك التجاهل الواضح من آدم وانشغاله الكامل بإيلا. ومع انتهاء الإفطار ووقوف الجميع لتفرق الجلسة، قررت أن تلعب ورقتها الأخيرة والأكثر جرأة لتلفت الأنظار وتجبر الجميع على الالتفات إليها. بينما كان آدم واقفاً قرب الطاولة يعيد ترتيب بعض الأوراق، مرياً بمحاذاة الممر الضيق الواصل بين الصالون والصالة الداخلية، تحركت لارا بخطوات دليلة متعمدة، وحين اقتربت منه تحديداً، افتعلت تعثراً مفاجئاً، لترتمي بكل جسدها وكأنها تفقد توازنها، مصطدمة بصدره بشكل مباشر وقاصدة تماماً أن تمد يدها لتلتصق بذراعه وكأنها تحاول التمسك به لئلا تقع! "يا الهي.. اعتذر جداً، لم أتبين طريقي جيداً!" قالتها بصوت خافت ومثير، رافعة عينيها نحوه بدلال مبالغ فيه. ساد الصمت للثوانٍ، وتوجّهت الأنظار نحوهم بترقب، بينما كان آدم يقف بجمود تام وملامح متجهمة، مشدوهاً من هذه الحركة المفضوحة التي كشفت نواياها بوضوح. لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في تعثر لارا، بل في إيلا، التي كانت تقف على بعد خطوات فقط حاملة ابنتها ميلا. رأت كل شيء بوضوح تام، وارتسمت على وج







