Share

196

last update publish date: 2026-06-29 23:02:29

الراوي.

فتحت عينيها ببطء...

كان أول ما رأته سقفًا خشبيًا قديمًا، تتدلى منه حزم أعشاب يابسة، تفوح منها رائحة مرّة امتزجت برائحة المطر والرطوبة.

رمشت عدة مرات.

رأسها كان يؤلمها بشدة...

وحين حاولت أن تتحرك، شدّ شيء معصميها.

تجمدت.

أنزلت نظرها بسرعة...

كانت يداها مربوطتين بحبال ناعمة إلى جانبي السرير الخشبي.

"...!"

حاولت الجلوس، لكن الحبال منعتها.

بدأ قلبها يخفق بعنف.

أين هي...؟

آخر ما تتذكره...

أنها استعادت ذاكرتها...

ثم...

شخص أمسكها من الخلف...

وقطعة قماش...

ثم الظلام.

ازدادت أنفاسها سرعة وهي تحاول فك الحبال، لكن بلا فائدة.

صرير...

انفتح باب الكوخ ببطء.

دخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود طويلًا.

كان شعره الأسود يصل إلى أسفل أذنيه، وعيناه بلون أخضر رمادي بارد، يحمل في يده صينية طعام.

ما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.

ابتسامة جعلت القشعريرة تسري في جسدها.

اقترب بخطوات بطيئة.

هي تراجعت قدر استطاعتها حتى التصق ظهرها برأس السرير.

"لا... لا تقترب."

توقف أمامها مباشرة.

ثم قال بصوت هادئ بشكل غريب:

"اهدئي... صغيرتي."

مد يده ببطء، لكنها ابتعدت قدر الإمكان.

ابتسم أكثر.

"لقد اشتقت إليك."

ارتجفت.

"من... من أنت؟"

نظر إليها طويلًا...

وكأنه لا يصدق أنه يراها أمامه أخيرًا.

ثم همس:

"الآن... لن يأخذك أحد مني."

رفع يده وأزاح خصلة شعر سقطت على وجهها.

ارتعشت وهي تدير رأسها بعيدًا.

"...لن تكوني مع ذلك الذئب الجليدي مرة أخرى."

اتسعت عيناها.

"...إيفان؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة.

"نعم."

"اتركني!"

حاولت سحب نفسها بعيدًا، لكن الحبال منعتها.

"أنت مخطئ!"

صرخت بصوت مرتجف:

"أنا لست الشخص الذي تبحث عنه!"

ظل يحدق بها.

ثم ضحك ضحكة قصيرة، هادئة.

"ما زلت تحاولين الاختباء..."

هز رأسه ببطء.

"حتى بهذا الاسم."

اقترب أكثر.

"لكن مهما غيرتِ اسمك... أو شكلك..."

توقفت أنفاسها.

"...كنت سأجدك."

شحب وجهها.

"أنا أعرف."

قالها بثقة مخيفة.

"أنت لافندر."

تجمد الزمن حولها.

كيف...؟

كيف عرف...؟

هي نفسها لم تعرف الحقيقة إلا قبل ساعات!

ابتعد قليلًا وهو يبتسم.

"ظننتِ أن ذلك الطوق سيخدع الجميع؟"

بلعت ريقها بصعوبة.

"لا..."

همست وهي تهز رأسها.

"أنت مخطئ..."

لكنه قاطعها بهدوء.

"ليس مهمًا كم مرة تنكرين."

نظر إليها بعينين امتلأتا بشيء يشبه الهوس.

"أخيرًا... عدتِ إلي."

شعرت بالاختناق.

رفعت رأسها وقالت بقوة حاولت أن تجمعها:

"إذا عرف إيفان..."

توقفت لحظة.

"...فلن يتركك."

ساد الصمت.

ثم...

ضحك.

ضحكة منخفضة، لكنها جعلت جسدها يرتجف.

"إيفان؟"

كرر الاسم وكأنه يسخر منه.

"لن يجدك."

نظر من نافذة الكوخ نحو الغابة الكثيفة.

"حتى لو بحث ألف سنة..."

ثم عاد ينظر إليها.

"...لن يصل إلى هذا المكان."

أمسك صينية الطعام ووضعها على الطاولة القريبة.

"تناولي الطعام."

أدارت وجهها.

"لا أريد."

انتظر عدة ثوانٍ.

"لافندر."

قالها بنبرة هادئة.

"كلي."

هزت رأسها بعناد.

"لن آكل."

تنهد بخفة.

ثم جلس على طرف السرير.

التقط الملعقة.

وغرف قليلًا من الحساء.

"افتحي فمك."

أبعدت رأسها.

"قلت لا."

ظل صامتًا للحظة.

ثم قال بنبرة حزينة على نحو غريب:

"ما زلت عنيدة..."

ابتسم.

"...تمامًا كما كنت."

حاولت أن تبعد يده، لكنه أمسك الملعقة بثبات، وانتظر بصبر حتى استسلمت من شدة الإرهاق والجوع.

تناولت بضع لقيمات بصمت...

والدموع تحرق عينيها.

كانت لا تأكل لأنها تريد...

بل لأنها أدركت شيئًا واحدًا.

إذا أرادت الهرب...

فعليها أن تبقى قوية.

أما الرجل...

فكان يراقبها بابتسامة هادئة، وكأنه يرى حلمًا انتظره سنوات طويلة.

ولم تكن تعرف...

أن خلف تلك الابتسامة، كان يخفي أسرارًا قد تغيّر كل ما عرفته عن ماضيها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
maha123 yassin123
اسلوب السرد و سلاسه القصه حلو جدا لو ينفع ننزل اجزاء اكتر او نثبت معاد للتحديث
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • قلب من جليد    214

    من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت

  • قلب من جليد    213

    من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ

  • قلب من جليد    212

    من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم

  • قلب من جليد    211

    من وجهه نظر لافندر تجمّدت يدي فوق الصندوق. كانت خطواته تقترب... خطوة... ثم أخرى... حتى توقفت أمام باب الكوخ. حبست أنفاسي. "لا... لا يكتشفني..." التقطت الصندوق بسرعة وأعدته إلى مكانه كما كان، ثم أغلقت اللوح الخشبي بكل ما أملك من هدوء. في اللحظة نفسها... صدر صوت فتح الباب. دخل. كان يحمل بعض الحطب على كتفه. توقفت عيناه عليّ. بقي ينظر لثوانٍ. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "يبدو أنك لم تسمعي كلامي." تظاهرت بالهدوء. "كنت... أتمشى فقط." رفع أحد حاجبيه. "داخل الكوخ؟" ابتلعت ريقي. لعنته في داخلي... حتى الكذب لا ينفع معه. وضع الحطب قرب الموقد، ثم أشعل النار بحركة واحدة. جلس أمامها بصمت. الغريب... أنه لم يسألني شيئًا آخر. وكأنه... يعرف تمامًا ما كنت أفعله. بعد دقائق قال بهدوء: "هل رأيتِ شيئًا أعجبك؟" توقّف قلبي.شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. حاولت أن لا يتغير وجهي.أخذت نفس عميق قبل أنضر إليه ثم أجبته. "ماذا تقصد؟" ابتسم. "لا شيء." ثم عاد ينظر إلى النار. "لكن الفضول..." "...عادةً يقود صاحبه إلى الهاوية." شعرت بقشعريرة

  • قلب من جليد    210

    من وجهه نظر لافندر رفعتُ نظري عنه وأنا أحاول أن أفهمه. كلما تحدث... شعرت أنه يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي. ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم همست: "إذا... كنت تراقبني طوال هذا الوقت..." رفع عينيه إليّ وهو يحرّك الملعقة داخل القدر الصغير فوق النار. "...كيف عرفت أنني لافندر قبل حتى أن أتذكر أنا؟" ساد الصمت لثوانٍ. ثم ابتسم. لم تكن ابتسامة انتصار... بل ابتسامة شخص كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات. قال بهدوء: "لأنني لم أتوقف عن البحث عنك." اتسعت عيناي. أكمل وهو يسكب الحساء في وعاء خشبي: "في البداية... لم تكوني أنت هدفي." قطبّت حاجبي. "هدفي كان زاك." توقفت يده للحظة. "كان بيننا دين قديم... وثأر لم ينتهِ." ارتجفت أصابعي. "لكن..." رفع نظره نحوي. "ثم رأيت فتاةً بشعر اسود تعمل بين الأعشاب... تبتسم للناس رغم أنها كانت تحمل حزناً لا تفهمه." اقترب بخطوة. "راقبتها يوماً..." ثم ابتسم بخفوت. "ثم أسبوعاً..." "ثم شهراً..." أخفض رأسه وهو يضحك ضحكة قصيرة. "وفي لحظة... أدركت أنني لم أعد أراقبها لأجل زاك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. همس: "وقعت ف

  • قلب من جليد    209

    من وجهة نظر لافندر أول شيء شعرت به... كان شيئاً يمر بين خصلات شعري برفق. تجمد جسدي. وقبل أن أفتح عيني... سمعت صوتاً هادئاً. "استيقظتِ أخيراً..." فتحت عيني ببطء. أول شيء رأيته... كان هو. يجلس على طرف السرير، ينظر إليّ بابتسامة هادئة، بينما كانت أصابعه تلعب بخصلات شعري الأسود الطويل وكأنها أثمن شيء يملكه. ارتجف جسدي كله. ابتعدت بسرعة حتى التصق ظهري برأس السرير. راقبني بصمت. ثم ابتسم أكثر. "صباح الخير... يا أميرتي." لم أستطع الرد. كلما نظر إليّ... كنت أشعر بذلك الخوف نفسه. ليس لأنه كان يصرخ... ولا لأنه كان يؤذيني... بل لأن هدوءه كان مرعباً. كان ينظر إليّ وكأنني شيء يخصه منذ زمن طويل. نهض بهدوء. وقال: "الماء ساخن." رمشت باستغراب. أشار إلى باب صغير في زاوية الكوخ. "اذهبي واستحمي." ثم نظر إلى الفستان الموضوع فوق السرير. كان فستاناً بلون البنفسج الداكن، مزيناً بخيوط فضية رقيقة. "ارتديه." حدقت بالفستان. "...من أين أتيت به؟" ابتسم. "صممته من أجلك." توسعت عيناي. حتى المقاس... كان مناسباً تماماً. وكأنه يعرف كل تفصيل في جسدي. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. اس

  • قلب من جليد    65

    هرلين تجمدت مكاني وأنا أحدق بـ حارس عالم الأرواح. طريقته بالنظر إلى بطني جعلت الخوف يزحف داخل صدري ببطء. حتى جوليا داخلي بدأت تزمجر بعصبية وهي تحاول تحميني. أما الحارس… فبقي هادئًا بشكل مرعب. فتح جناحيه السوداوين قليلًا، فتطايرت الأرواح البيضاء حول الشجرة الفضية بعنف. ثم قال بصوت عميق جعل ج

  • قلب من جليد    64

    هرلين دخلت ببطء… وقدماي كانتا ترتجفان مع كل خطوة أخطوها داخل ذلك المكان الغريب. شعرت وكأنني لم أعد داخل المعبد أصلًا. وكأنني دخلت عالمًا آخر بالكامل. الهواء هنا كان باردًا بطريقة غير طبيعية، لكنه لم يكن مؤلمًا… بل حزينًا. رفعت عيني ببطء، وشهقت دون وعي. في الأعلى… لم تكن هناك سماء. فقط ظلا

  • قلب من جليد    63

    الراوي كان الليل ساكنًا بشكل مرعب. حتى صوت الرياح حول المعبد القديم بدا وكأنه همسات بعيدة قادمة من مكان غير بشري. خرجت هرلين ببطء من القاعة، وقدماها تتحركان وحدهما تقريبًا نحو الباب الحجري خلف المعبد. الرموز الحمراء فوقه كانت تتوهج أكثر الآن. وكأنها… حية. وقفت أمامه وهي تشعر بقلبها ينبض بقوة

  • قلب من جليد    62

    هرلين كانت يداي ترتجفان وأنا أضم أيان بقوة. الدم كان ينزل بين أصابعي…ورؤية وجهه الشاحب جعلت الخوف يخنقني بالكامل. ذي — “أيان… أرجوك لا تخفني…” همستها بصوت مكسور بينما دموعي تنزل دون توقف. حتى جوليا داخلني كانت تبكي بخوف. أما أيان فحاول يبتسم رغم الألم. — “قلت لكِ… أنا بخير…” لكن ص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status