Share

207

last update publish date: 2026-07-04 22:12:19

من وجهه نظر هرلين

جلست بجانب سرير إيفان بهدوء.

أخذت أمرر أصابعي بين خصلات شعره الأبيض الطويل كما كنت أفعل منذ كان صغيراً.

كم كبر...

لكن بالنسبة لي...

سيبقى ذلك الجرو الصغير الذي كان يختبئ خلفي كلما غضب منه هيفان.

ابتسمت دون أن أشعر.

فجأة سمعت صوت جوليا داخل رأسي.

"لقد كبر بالفعل."

همست وأنا ما زلت أنظر إلى وجهه النائم:

"أعرف..."

سكتت جوليا لحظة.

ثم قالت بنبرة هادئة لأول مرة منذ مدة:

"لكنه متعب."

تنهدت.

"بل أكثر من متعب..."

"يحمل كل شيء وحده."

أغمضت عيني قليلاً.

"عندما كان الجميع يضن أن لافندر مات... لم يعد يبتسم كما كان."

"كان بعيد عن الجميع لفترة طويلة،يخفي كل مشاعره رغماً أني كنت أعرف أنه يتئلم."

ساد الصمت.

ثم قالت جوليا:

"أنت تلومين نفسك."

عضضت شفتي.

"...كيف لا؟"

"كنت أمه."

"كان يجب أن أحميه."

"لا."

قالتها جوليا بحزم.

"كنت تستطيعين حمايته من الوحوش..."

"لكن ليس من القدر."

خفضت رأسي.

دمعت عيناي قليلاً.

"كلما رأيته يتألم..."

"أتمنى لو أستطيع أخذ الألم عنه."

ابتسمت جوليا بحنان.

"وهذا ما تفعله كل أم."

ربتُّ على شعره مرة أخرى.

وفجأة...

تذكرته وهو في الخامسة من عمره.

كان قد وقع من فوق شجرة.

وجاء إليّ يبكي لأنه خدش ركبته.

رغم أن الجرح كان صغيراً جداً...

إلا أنه بكى وكأن العالم انتهى.

ضحكت بخفة.

همست:

"كنت تبكي على خدش صغير..."

"واليوم..."

"...تبتسم حتى بعد سهم كاد يقتل قلبك."

فتحت جوليا فمها وكأنها ستقول شيئاً.

لكنها فجأة قالت بنبرة مختلفة:

"بالمناسبة..."

"ماذا؟"

"هيفان الآن على الأغلب يتمشى في غرفتك ذهاباً وإياباً."

ابتسمت رغماً عني.

"لا يبالغ."

"بل يبالغ."

ثم بدأت تضحك.

"أستطيع تخيله..."

"'زوجتي تركتني من أجل ابننا."

ضحكت بصوت خافت حتى لا أوقظ إيفان.

"لا تقولي هكذا."

"وأراهن أنه يحاول إقناع هيف أن يهاجم الباب ويخطفك."

غطيت فمي حتى لا أضحك أكثر.

"مستحيل."

"مع هيفان؟ كل شيء ممكن."

وما إن انتهت جوليا من كلامها...

حتى...

طرق... طرق...

نظرنا نحو الباب.

ثم دخل هيفان بهدوء...

كان يحمل وسادة كبيرة...

وبطانية.

رمشت باستغراب.

"هيفان؟"

دخل بكل وقار.

وضع الوسادة على الأرض.

ثم البطانية.

وبدأ يرتب مكان نومه.

حدقت فيه.

"...ماذا تفعل؟"

أجاب بكل بساطة:

"إذا كنتِ ستنامين هنا..."

"...فسأنام هنا أيضاً."

شهقت.

"لا!"

"لماذا؟"

"لأن الغرفة صغيرة."

"نتدبر أمرنا."

"لكن..."

"ولن أترك زوجتي تنام بعيداً عني."

داخل رأسي...

انفجرت جوليا بالضحك.

"ها هو بدأ."

حاولت الحفاظ على جديتي.

"هيفان... لا تكن عنيداً."

رفع رأسه وقال بثقة:

"أنا لست عنيداً."

ثم أكمل وهو ينفش الوسادة:

"أنا زوج مخلص."

كتمت ضحكتي.

أما جوليا...

فكانت تضحك بجنون.

"إنه يغار من ابنه!"

"جوليا!"

"بل هذه الحقيقة!"

في تلك اللحظة...

سمعنا صوتاً متعباً من السرير.

"...أبي."

رفع هيفان رأسه فوراً.

"همم؟"

نظر إليه إيفان بنصف عين مفتوحة.

"...إذا كنت ستشخر..."

"...نم في غرفتك."

ساد الصمت...

لثانيتين.

ثم انفجرت أنا بالضحك.

حتى جوليا لم تعد قادرة على الكلام من شدة الضحك.

أما هيفان...

فنظر إلى ابنه بصدمة مصطنعة.

"انظروا إليه."

"أنقذناه من الموت..."

"...وأول ما فعله هو طرد والده."

ثم وضع يده على صدره وكأنه مجروح.

"لقد ربينا وحشاً."

ضحكت وأنا أمسح دمعة نزلت من شدة الضحك.

ولأول مرة منذ أيام طويلة...

امتلأت الغرفة بصوت الضحكات...

بدلاً من البكاء.

.....

وبعدت دقائق.....

عم السلام أرجاء الغرفة.

وهكذا هذه الليلة وهي تحمل معها هموم الجميع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    214

    من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت

  • قلب من جليد    213

    من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ

  • قلب من جليد    212

    من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم

  • قلب من جليد    211

    من وجهه نظر لافندر تجمّدت يدي فوق الصندوق. كانت خطواته تقترب... خطوة... ثم أخرى... حتى توقفت أمام باب الكوخ. حبست أنفاسي. "لا... لا يكتشفني..." التقطت الصندوق بسرعة وأعدته إلى مكانه كما كان، ثم أغلقت اللوح الخشبي بكل ما أملك من هدوء. في اللحظة نفسها... صدر صوت فتح الباب. دخل. كان يحمل بعض الحطب على كتفه. توقفت عيناه عليّ. بقي ينظر لثوانٍ. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "يبدو أنك لم تسمعي كلامي." تظاهرت بالهدوء. "كنت... أتمشى فقط." رفع أحد حاجبيه. "داخل الكوخ؟" ابتلعت ريقي. لعنته في داخلي... حتى الكذب لا ينفع معه. وضع الحطب قرب الموقد، ثم أشعل النار بحركة واحدة. جلس أمامها بصمت. الغريب... أنه لم يسألني شيئًا آخر. وكأنه... يعرف تمامًا ما كنت أفعله. بعد دقائق قال بهدوء: "هل رأيتِ شيئًا أعجبك؟" توقّف قلبي.شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. حاولت أن لا يتغير وجهي.أخذت نفس عميق قبل أنضر إليه ثم أجبته. "ماذا تقصد؟" ابتسم. "لا شيء." ثم عاد ينظر إلى النار. "لكن الفضول..." "...عادةً يقود صاحبه إلى الهاوية." شعرت بقشعريرة

  • قلب من جليد    210

    من وجهه نظر لافندر رفعتُ نظري عنه وأنا أحاول أن أفهمه. كلما تحدث... شعرت أنه يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي. ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم همست: "إذا... كنت تراقبني طوال هذا الوقت..." رفع عينيه إليّ وهو يحرّك الملعقة داخل القدر الصغير فوق النار. "...كيف عرفت أنني لافندر قبل حتى أن أتذكر أنا؟" ساد الصمت لثوانٍ. ثم ابتسم. لم تكن ابتسامة انتصار... بل ابتسامة شخص كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات. قال بهدوء: "لأنني لم أتوقف عن البحث عنك." اتسعت عيناي. أكمل وهو يسكب الحساء في وعاء خشبي: "في البداية... لم تكوني أنت هدفي." قطبّت حاجبي. "هدفي كان زاك." توقفت يده للحظة. "كان بيننا دين قديم... وثأر لم ينتهِ." ارتجفت أصابعي. "لكن..." رفع نظره نحوي. "ثم رأيت فتاةً بشعر اسود تعمل بين الأعشاب... تبتسم للناس رغم أنها كانت تحمل حزناً لا تفهمه." اقترب بخطوة. "راقبتها يوماً..." ثم ابتسم بخفوت. "ثم أسبوعاً..." "ثم شهراً..." أخفض رأسه وهو يضحك ضحكة قصيرة. "وفي لحظة... أدركت أنني لم أعد أراقبها لأجل زاك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. همس: "وقعت ف

  • قلب من جليد    209

    من وجهة نظر لافندر أول شيء شعرت به... كان شيئاً يمر بين خصلات شعري برفق. تجمد جسدي. وقبل أن أفتح عيني... سمعت صوتاً هادئاً. "استيقظتِ أخيراً..." فتحت عيني ببطء. أول شيء رأيته... كان هو. يجلس على طرف السرير، ينظر إليّ بابتسامة هادئة، بينما كانت أصابعه تلعب بخصلات شعري الأسود الطويل وكأنها أثمن شيء يملكه. ارتجف جسدي كله. ابتعدت بسرعة حتى التصق ظهري برأس السرير. راقبني بصمت. ثم ابتسم أكثر. "صباح الخير... يا أميرتي." لم أستطع الرد. كلما نظر إليّ... كنت أشعر بذلك الخوف نفسه. ليس لأنه كان يصرخ... ولا لأنه كان يؤذيني... بل لأن هدوءه كان مرعباً. كان ينظر إليّ وكأنني شيء يخصه منذ زمن طويل. نهض بهدوء. وقال: "الماء ساخن." رمشت باستغراب. أشار إلى باب صغير في زاوية الكوخ. "اذهبي واستحمي." ثم نظر إلى الفستان الموضوع فوق السرير. كان فستاناً بلون البنفسج الداكن، مزيناً بخيوط فضية رقيقة. "ارتديه." حدقت بالفستان. "...من أين أتيت به؟" ابتسم. "صممته من أجلك." توسعت عيناي. حتى المقاس... كان مناسباً تماماً. وكأنه يعرف كل تفصيل في جسدي. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. اس

  • قلب من جليد    181

    من وجهة نظر أنجلي لم أستطع إخراج ما قرأته من رأسي. منذ أن وجدت ذلك الكتاب... وأنا أفكر بالأمر نفسه. "قد تحاول روح شخص راحل إيصال شيء لم تستطع قوله قبل موتها..." أغلقت عيني للحظة. هل هذا ما يحدث معي؟ هل تلك الذكريات ليست ذكرياتي أصلًا؟ هل أرى حياة شخص آخر؟ لكن لماذا أنا؟ ولماذا ا

  • قلب من جليد    180

    من وجهة نظر زاك كانت مكتبة القصر هادئة كعادتها. أشعة الغروب الأخيرة كانت تتسلل عبر النوافذ الطويلة. أما أنا... فكنت أقف أمام أحد الرفوف أقلب كتابًا دون أن أقرأ حرفًا واحدًا منه. لأنني كنت أنتظر شخصًا معينًا. إيفونا. إذا كانت تريد أن تصبح جزءًا من عائلتي... فمن حقي أن أعرفها جيدًا. تنهدت به

  • قلب من جليد    179

    من وجهة نظر هرلين حل الليل أخيرًا فوق سيلينورا. وكانت المملكة تبدو هادئة بشكل جميل تحت ضوء القمر الفضي. وقفت عند شرفة الغرفة. أراقب الأضواء البعيدة. وأستمع إلى أصوات الليل الهادئة. الهواء كان لطيفًا. يحمل معه رائحة الأشجار والزهور القادمة من حدائق القصر. أما جوليا... فكانت مسترخية داخل رأس

  • قلب من جليد    178

    من وجهة نظر لوكا كان الجميع ما يزالون جالسين في القاعة. يتحدثون ويضحكون. أما أنا... فلم أكن أسمع نصف ما يقال. لأن عيني كانت تعود إليها كل دقيقة. إيفونا. كانت جالسة قرب أنجلي. تتكلم مع إحدى الخادمات. وكلما التقت أعيننا... تحمر وجنتاها بسرعة. فيبتسم أرون داخل رأسي.قال أرون:" إلى متى ستبقى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status