Share

180

last update publish date: 2026-06-22 23:43:04

من وجهة نظر زاك

كانت مكتبة القصر هادئة كعادتها.

أشعة الغروب الأخيرة كانت تتسلل عبر النوافذ الطويلة.

أما أنا...

فكنت أقف أمام أحد الرفوف أقلب كتابًا دون أن أقرأ حرفًا واحدًا منه.

لأنني كنت أنتظر شخصًا معينًا.

إيفونا.

إذا كانت تريد أن تصبح جزءًا من عائلتي...

فمن حقي أن أعرفها جيدًا.

تنهدت بهدوء.

لكن فجأة...

وصلت إلى أنفي رائحة مألوفة.

رائحة زهور.

وأعشاب طبية

ورائحة أخرى جعلت قلبي ينقبض للحظة.

التفت نحو أحد الرفوف.

ثم قلت بهدوء:

"اخرجي."

ساد الصمت.

لثوانٍ.

ثم ظهرت أنجلي من خلف الرفوف.

وكانت تحمل كتابًا بين يديها.

وعلى وجهها تعبير مذنب بشكل مضحك.

رفعت حاجبًا.

"هل كنتِ تتجسسين؟"

اتسعت عيناها.

"لا!"

ثم أضافت بسرعة:

"كنت أبحث عن كتاب فقط."

همم.

كذبة سيئة.

تمامًا مثل شخص أعرفه.

وللحظة قصيرة جدًا...

رأيت لافندر الصغيرة أمامي.

وهي تحاول اختراع الأعذار بعد أن تكسر شيئًا ما.

شددت على الكتاب الذي بين يدي.

ثم سألت:

"أي كتاب؟"

رفعت الكتاب قليلًا.

"كتاب عن التعاويذ القديمة."

"ولماذا؟"

ترددت قليلًا.

"لأنني أبحث عن شيء يخص الذاكرة."

توقفت يدي.

لكنها لم تنتبه.

كانت تنظر إلى الكتاب فقط.

أما أنا...

فبقيت أراقبها بصمت.

ثم هززت رأسي.

"أتمنى أن تجدي ما تبحثين عنه."

ابتسمت بخفة.

"شكرًا."

ثم استدارت وغادرت.

لكنني بقيت أحدق في الباب بعد رحيلها.

ذلك الشعور نفسه عاد مجددًا.

شعور غريب.

ومؤلم.

وكأن وجودها وحده يوقظ شيئًا قديمًا جدًا داخل قلبي.

بعد عدة دقائق...

دخل لوكا.

وخلفه إيفونا.

وكان واضحًا أنها متوترة.

لدرجة أن يديها كانتا متشابكتين بقوة.

أما لوكا...

فكان يحاول أن يبدو هادئًا.

وفشل.

نظرت إليهما.

ثم قلت:

"لوكا."

"نعم؟"

"اخرج."

تجمد.

"ماذا؟"

"أريد التحدث معها وحدها."

نظر إلى إيفونا.

ثم إلي.

ثم عاد إليها.

وكأنه يفكر هل ينقذها أم يهرب بنفسه.

كدت أضحك.

لكنني حافظت على وجهي الجاد.

في النهاية...

اقترب منها وربت على يدها.

"ستكونين بخير."

ثم غادر.

وأغلق الباب خلفه.

فورًا أصبح التوتر مضاعفًا.

تنهدت.

ثم بدأت أمشي حولها ببطء.

بينما كانت تتابعني بعينيها كأنها أرنب صغير محاصر.

"اسمك؟"

"إيفونا."

"أعرف."

احمر وجهها.

"ما أكثر شيء تحبينه؟"

"القراءة."

"وما أكثر شيء تكرهينه؟"

"الكذب."

أومأت برأسي.

"إذا غضبتِ من لوكا؟"

"أتحدث معه."

"ولا تضربين الأثاث؟"

"لا."

"جيد."

كادت تضحك.

أما أنا فتابعت:

"إذا أخطأ؟"

"أخبره بخطئه."

"وإذا كان الخطأ كبيرًا؟"

"سأبقى معه حتى يصلحه."

أومأت مجددًا.

ثم توقفت أمامها.

وأصبحت نظراتي أكثر جدية.

"ما الذي تحبينه في ابني؟"

تجمدت.

ثم احمر وجهها بالكامل.

"كل شيء تقريبًا."

"هذا ليس جوابًا."

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم رفعت رأسها.

"هو قوي."

"لكنه لطيف."

"ويحاول دائمًا حماية من يحبهم."

"ويجعلني أشعر بالأمان."

كانت تتحدث بثقة أكبر مع كل كلمة.

حتى وصلت إلى آخر جملة.

"وأنا أحبه كما هو."

ساد الصمت.

فأكملت بصوت خافت:

"حتى لو لم يكن ألفا."

"وحتى لو فقد كل شيء."

"سأبقى أحبه."

للمرة الأولى...

ابتسمت فعلاً.

ابتسامة صغيرة.

لكنها حقيقية.

ثم قلت:

"جيد."

رمشت باستغراب.

"هاه؟"

تنهدت.

"مرحبًا بكِ في عائلة دارك."

لثانية كاملة...

لم تستوعب كلامي.

ثم اتسعت عيناها.

وبدت وكأنها ستبكي من الفرح.

وفي تلك اللحظة...

انفتح الباب بقوة.

ودخل لوكا.

"هل انتهيتم؟!"

نظرت إليه.

ثم قلت ببرود:

"نعم."

لكن قبل أن أكمل...

كان قد وصل إليها.

وعانقها بقوة.

بينما ضحكت هي بخجل.

أدرت عيني.

"أنتما مزعجان."

لكن رغم ذلك..

ارتفعت ابتسامة صغيرة على شفتي.

تركت المكتبة بعدها.

وسرت عبر الممرات بهدوء.

حتى وصلت إلى إحدى الشرفات المطلة على الحديقة.

وكانت الشمس قد بدأت بالاختفاء.

ألقيت نظرة للأسفل.

فتوقفت.

كانت أنجلي هناك.

جالسة وحدها بين الأزهار.

وشاردة الذهن.

وكأنها تحمل العالم كله فوق كتفيها.

وفي تلك اللحظة..

رفعت رأسها.

والتقت أعيننا.

تجمدت.

أما أنا..

فشعرت بذلك الانقباض المؤلم داخل صدري مرة أخرى.

لأن شيئًا ما..

في عينيها.

وفي ابتسامتها.

وفي الطريقة التي تنظر بها إلي...

كان يذكرني بابنتي أكثر مما ينبغي.

.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    223

    من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل

  • قلب من جليد    222

    من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:

  • قلب من جليد    221

    من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم

  • قلب من جليد    220

    من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و

  • قلب من جليد    219

    من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض

  • قلب من جليد    218

    من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل

  • قلب من جليد    66

    زاك لم أستطع إبعاد عيني عن لينيا. حتى وسط الفوضى… وسط الأرواح والصراخ والطاقة المرعبة التي ملأت المكان… كنت أراها فقط. بعد كل هذه السنوات… ما زالت هنا. قريبة جدًا مني… لكن بعيدة بطريقة تؤلم أكثر من الموت نفسه. شعرت بصدري يضيق وأنا أتذكر آخر مرة لمست فيها يدها. آخر مرة سمعت صوتها. آخر مر

  • قلب من جليد    65

    هرلين تجمدت مكاني وأنا أحدق بـ حارس عالم الأرواح. طريقته بالنظر إلى بطني جعلت الخوف يزحف داخل صدري ببطء. حتى جوليا داخلي بدأت تزمجر بعصبية وهي تحاول تحميني. أما الحارس… فبقي هادئًا بشكل مرعب. فتح جناحيه السوداوين قليلًا، فتطايرت الأرواح البيضاء حول الشجرة الفضية بعنف. ثم قال بصوت عميق جعل ج

  • قلب من جليد    64

    هرلين دخلت ببطء… وقدماي كانتا ترتجفان مع كل خطوة أخطوها داخل ذلك المكان الغريب. شعرت وكأنني لم أعد داخل المعبد أصلًا. وكأنني دخلت عالمًا آخر بالكامل. الهواء هنا كان باردًا بطريقة غير طبيعية، لكنه لم يكن مؤلمًا… بل حزينًا. رفعت عيني ببطء، وشهقت دون وعي. في الأعلى… لم تكن هناك سماء. فقط ظلا

  • قلب من جليد    63

    الراوي كان الليل ساكنًا بشكل مرعب. حتى صوت الرياح حول المعبد القديم بدا وكأنه همسات بعيدة قادمة من مكان غير بشري. خرجت هرلين ببطء من القاعة، وقدماها تتحركان وحدهما تقريبًا نحو الباب الحجري خلف المعبد. الرموز الحمراء فوقه كانت تتوهج أكثر الآن. وكأنها… حية. وقفت أمامه وهي تشعر بقلبها ينبض بقوة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status