Share

55

last update publish date: 2026-05-25 22:48:59

الراوي

مرّ الأسبوع ببطء شديد داخل نورفاي.

وكأن الوقت نفسه أصبح أثقل منذ الحديث عن الطقوس.

منذ اللحظة التي أخبرت فيها والدة هرلين الجميع بإمكانية التواصل مع لينيا…

تغير شيء داخل القصر كله.

حتى زاك لم يعد يخفي توتره.

كان يحاول أن يبدو هادئًا كعادته، لكنه أصبح يقضي ساعات طويلة في المكتبة أو قرب النوافذ، وكأنه ينتظر مرور الأيام بالقوة.

أحيانًا كانت هرلين تراه شاردًا وهو يلمس الاسم المحفور فوق صدره.

“لينيا.”

وكأن خوفه من الأمل أكبر من حزنه نفسه.

أما هيفان…

فكان يراقب كل شيء بصمت.

ورغم غيرته الواضحة من زاك، إلا أنه بدأ يفهم أخيرًا أن الأمر لم يعد مجرد قصة حب قديمة.

بل سر قديم مرتبط بهرلين نفسها.

ومع مرور الأيام، بدأ التوتر يكبر أكثر كلما اقترب موعد اكتمال القمر.

حتى الخدم داخل القصر صاروا يتهامسون عن “طقوس الأرواح” التي ستقام لأول مرة منذ عشرات السنين.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت هرلين جالسة مع والدتها داخل الجناح الملكي، لم تستطع كتمان فضولها أكثر.

كانت النار تشتعل بهدوء داخل المدفأة، بينما الثلج يتساقط خلف النوافذ.

رفعت هرلين نظرها نحو والدتها وقالت أخيرًا: — “لكن… كيف سنقوم بهذه الطقوس أصلًا؟”

توقفت والدتها عن تقليب الأعشاب التي كانت تضعها فوق الطاولة.

ثم رفعت عينيها إليها بهدوء.

— “لأنني أعرف السحر.”

ساد الصمت لثوانٍ.

هرلين رمشت بصدمة.

— “ماذا؟”

حتى جوليا داخلها شهقت بدهشة.

أما والدتها فاكتفت بابتسامة حزينة.

— “أنا نصف ساحرة… ونصف ذئبة.”

شعرت هرلين وكأن العالم توقف حولها.

نهضت من مكانها فورًا.

— “أنتِ… ماذا؟!”

ضحكت والدتها بخفة على صدمتها، لكنها بدت متألمة أيضًا.

— “لم أخبركِ يومًا.”

اقتربت من الخزانة القديمة داخل الغرفة، ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا مغطى بالرموز.

وعندما فتحته…

توهج ضوء خافت بلون أزرق داخل الغرفة.

اتسعت عينا هرلين أكثر.

حتى الهواء تغير للحظة.

— “كل نساء عائلتي كنّ يمتلكن السحر.”

قالتها والدتها بهدوء وهي تمرر أصابعها فوق الرموز القديمة.

— “لكن بعد الحرب بين السحرة ومصاصي الدماء…”

انخفض صوتها قليلًا.

— “قرر كثيرون إخفاء قواهم.”

اقتربت هرلين ببطء، ما تزال غير مصدقة.

— “لكن لماذا لم تخبريني؟”

تنهدت والدتها وهي تغلق الصندوق.

ثم همست: — “لأنني كرهت هذا الجانب مني.”

عقدت هرلين حاجبيها بحزن.

أما والدتها فتابعت وعيناها شاردتان في الماضي: — “بعد اختفاء لينيا… استخدمت كل تعاويذي للبحث عنها.”

بدأ صوتها يرتجف قليلًا.

— “ليالٍ كاملة وأنا أحاول إيجادها.”

— “لكنني فشلت.”

خفضت رأسها بألم.

— “ومع الوقت… بدأت أكره السحر لأنه لم يستطع إعادتها لي.”

شعرت هرلين بغصة داخل صدرها وهي ترى الحزن القديم داخل عيني أمها.

ثم جلست قربها بهدوء.

— “أمي…”

ابتسمت والدتها بخفة وربتت على شعرها.

— “لكن الآن… ربما أعطتنا إلهة القمر فرصة ثانية.”

مرت الأيام التالية بسرعة غريبة بعدها.

كل شيء داخل القصر أصبح مشحونًا بالتوتر والانتظار.

الملك الفريد شدد الحراسة حول القصر بالكامل.

أما أيان فبقي قريبًا من هرلين طوال الوقت، وكأنه يخشى أن تختفي هي الأخرى.

وحتى هيفان…

أصبح أكثر تعلقًا بها.

كان ينام وهو يضمها بقوة كل ليلة، وكأنه يخشى أن يفقدها إذا تركها للحظة واحدة.

أما زاك…

فكان أكثرهم صمتًا.

لكنه أيضًا أكثرهم انتظارًا.

وأخيرًا…

حلّت ليلة اكتمال القمر أخيراً.

وكان القمر الأبيض العملاق يضيء سماء نورفاي بالكامل…

كأنه يراقبهم هو أيضًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    217

    من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."

  • قلب من جليد    216

    من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.

  • قلب من جليد    215

    من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.

  • قلب من جليد    214

    من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت

  • قلب من جليد    213

    من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ

  • قلب من جليد    212

    من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم

  • قلب من جليد    137

    الرواي لم يعد إيفان يسمع شيئًا. لا صرخات. لا أصوات السيوف. لا حتى صوت المعركة نفسها. كل ما كان يراه أمامه... سيلفورد. اندفع نحوه مرة بعد أخرى. مخالبه تمزق الأرض. وسيفه يضرب بعنف جعل حتى جنود سيلفورد يبتعدون خوفًا من الاقتراب. أما سيلفورد فبدأ يدرك أن هذا الشاب لم يعد يقاتل بعقله

  • قلب من جليد    136

    الراوي كانت لافندر بالكاد قادرة على الوقوف. أنفاسها متقطعة. رؤيتها مشوشة. واستخدامها المستمر للسحر وجيش الموتى بدأ يستهلك ما تبقى من قوتها. لكنها رفضت التراجع. رفعت يدها مجددًا. وحاولت استدعاء المزيد من الأرواح. وفجأة... ظهر سيلفورد أمامها. سريعًا بشكل مرعب. لم تستطع حتى رؤيته يقترب. و

  • قلب من جليد    135

    الراوي كانت المعركة تزداد سوءًا مع كل دقيقة تمر. الدخان غطّى أجزاء كبيرة من ساحة القتال. والأرض التي كانت يومًا خضراء أصبحت مليئة بالحفر وآثار السحر والنيران. بعد أن نزع الملك ألفريد السهم الفضي بنفسه، سال الدم من كتفه بغزارة، لكنه رفض التراجع. وقف بصعوبة. أسنانه مطبقة بقوة. ثم قال بصوت جع

  • قلب من جليد    134

    من وجهة نظر هيفان كان كل شيء غارقًا في الفوضى. صراخ. دماء. أصوات السيوف. وسحر يمزق الهواء من كل اتجاه. كنت أقاتل بجانب الملك ألفريد، ظهري إلى ظهره كما فعلنا عشرات المرات خلال السنوات الماضية. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه ليست معركة ضد متمردين. وليست هجومًا عابرًا. هذه حرب ستحدد مصير نور

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status