LOGINزاك
لم أنم تلك الليلة. ولا الليلة التي قبلها. ولا حتى أي ليلة منذ أخبرتني هرلين بالحقيقة. كلما أغلقت عيني… كنت أرى وجه لينيا. ضحكتها. عينيها. والطريقة التي ماتت بها بين ذراعي. لكن الآن… هناك أمل. أمل سخيف، مرعب، ومستحيل… لكنه موجود. وقفت قرب نافذة غرفتي أراقب القمر العملاق في السماء. الليلة كان مكتملًا. ليلة الطقوس. شعرت بأن قلبي ينبض بقوة غريبة داخل صدري، وكأنني عدت ذلك الشاب الذي كان ينتظر لقاء رفيقته لأول مرة. لكن الخوف كان أكبر من الأمل. لأنني لا أعرف إن كنت أستطيع تحمل خسارتها مجددًا. خرجت أخيرًا من الغرفة متجهًا نحو القاعة القديمة أسفل القصر، حيث ستقام الطقوس. وفي منتصف الممر… رأيتها. كانت هرلين تقف وحدها قرب الأعمدة الجليدية، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا وشعرها الفضي الطويل ينسدل فوق كتفيها. وعندما رأتني، اقتربت بسرعة. حتى جوليا داخلها بدت متوترة. — “زاك…” رفعت عيني نحوها. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن رائحتها كشفت قلقها بالكامل. — “هل أنت مستعد؟” ضحكت بخفة مريرة. — “لا أظن أن أحدًا يمكن أن يكون مستعدًا لشيء كهذا.” خفضت عينيها قليلًا بحزن. ثم قالت بهدوء: — “سنجدها.” للحظة… بدت تمامًا مثل لينيا. حتى الطريقة التي قالت بها الجملة جعلت شيئًا مؤلمًا يتحرك داخل صدري. لكنني اكتفيت بالإيماء بصمت. ثم أكملنا طريقنا نحو القاعة. --- كانت القاعة القديمة مختلفة تمامًا الليلة. مظلمة. هادئة. وممتلئة بطاقة غريبة جعلت الهواء ثقيلًا. في منتصف الأرضية، رسمت والدة هرلين دائرة ضخمة بالرموز السحرية القديمة، تتوهج بلون أزرق خافت. وحولها عشرات الشموع البيضاء. حتى هيفان بدا متوترًا رغم محاولته إخفاء ذلك. كان واقفًا قرب هرلين، ويده لا تتركها أبدًا. أما الملك الفريد، وأيان، والملكة… فكانوا يراقبون بصمت مشحون بالخوف. اقتربت والدة هرلين من منتصف الدائرة وهي تحمل وعاءً فضيًا صغيرًا. ثم نظرت إلى هرلين. — “أعطني يدك.” تقدمت هرلين ببطء. وبهدوء، جرحت والدتها إصبعها قليلًا بخنجر صغير. سقطت قطرات الدم داخل الوعاء الممتلئ بالحبر الأسود. وفور اختلاط الدم بالحبر… بدأ السائل يلمع بلون فضي غريب. حتى أنا شعرت بقشعريرة تمر في جسدي. بعدها ركعت والدة هرلين داخل الدائرة، وبدأت تكتب اسمًا وسط الرموز. لينيا. رؤية اسمها بعد كل هذه السنوات… جعلت أنفاسي تختنق. ثم رفعت المرأة رأسها نحوي. — “زاك.” اقتربت فورًا. — “اجلس داخل الدائرة.” نفذت كلامها بصمت. لكن قبل أن تبدأ، نظرت إليّ بجدية. — “مهما حدث… لا تتحرك.” عقدت حاجبي. — “ماذا؟” — “إذا انقطعت الدائرة أثناء التواصل، قد نفقدها للأبد.” شعرت بقلبي يتجمد. أومأت أخيرًا وأنا أجلس داخل الرموز المتوهجة. ثم بدأت الطقوس. ارتفع صوت التعاويذ القديمة داخل القاعة. لغة لم أسمعها منذ قرون. الكلمات كانت تخرج من فم والدة هرلين بهدوء مخيف، بينما بدأت الرموز حولي تضيء أكثر فأكثر. وفجأة… اهتزت الأرض قليلًا. شهقت هرلين بخفة. حتى هيفان شدها نحوه فورًا. أما أنا… فلم أستطع تحريك عيني عن الضوء الذي بدأ يتجمع وسط الدائرة. ضوء أبيض ناصع. أقوى وأقوى… حتى شعرت أنني لم أعد أرى شيئًا سواه. ثم فجأة— بدأ شيء يشبه البوابة يتشكل أمامنا. شق أبيض وسط الهواء نفسه. والطاقة حوله كانت مرعبة. حتى الشموع انطفأت كلها دفعة واحدة. ثم… خرج الوهج منها. وببطء شديد… ظهرت فتاة. شعرت بأن العالم توقف. شعر فضي طويل. عينان رماديتان. ووجه… يشبه هرلين تمامًا. شهقت هرلين بصدمة. أما والدتها فبدأت تبكي فور رؤيتها. حتى الملك الفريد تجمد مكانه. وأيان همس بعدم تصديق: — “لينيا…” أما أنا… فنهضت دون وعي. قلبي كان يضرب بعنف جنوني وأنا أحدق بها. لينيا. لينيا أمامي. بعد كل هذه القرون. كدت أتحرك نحوها فعلًا… لكن صوت والدة هرلين أوقفني فورًا. — “زاك! لا تتحرك!” تجمدت بصعوبة. كانت البوابة تهتز بعنف، وكأن أي حركة خاطئة قد تدمر كل شيء. تنفست بعنف وأنا أنظر إلى لينيا. أما هي… فرفعت عينيها نحوي ببطء. ولأول مرة منذ مئات السنين… ابتسمت لي.الراوي تحولت القاعة الملكية خلال دقائق إلى خلية نحل. لم يعد أحد جالسًا. الحراس يركضون في كل الاتجاهات. الخدم يسألون بعضهم بارتباك. وأصوات الأوامر تملأ المكان. "فتشوا الحدائق!" "أغلقوا البوابات!" "أرسلوا فرقة إلى الغابة!" "لا تتركوا أي زاوية دون تفتيش!" كان التوتر ينتشر كالنار. أما سيلينا... فكانت واقفة في منتصف القاعة، شاحبة الوجه. يداها ترتجفان. وعيناها تدوران بين الوجوه وكأنها ترفض تصديق ما تسمعه همست بصوت مكسور: "لا..." "لا يمكن..." ثم بدأت تمشي بسرعة نحو الدرج. "سأبحث مرة أخرى..." صعدت الدرجات راكضة. دخلت غرفة أنجلي للمرة الثانية... ثم الثالثة... ثم الرابعة. فتحت الخزانة. نظرت تحت السرير. فتحت الشرفة. نادتها بصوت مرتفع: "أنجلي!" "أنجلي!" لكن... لم يجبها أحد. اقتربت من السرير. كان مرتبًا. لكن الوسادة... كانت تحمل رائحة ابنتها. مدت يدها ولمستها برفق. ثم أغمضت عينيها. وانهمرت دموعها. "أين أنتِ يا صغيرتي...؟" "أين ذهبتِ...؟" جلست على طرف السرير وهي تضم الوسادة إلى صدرها. ولأول مرة منذ سنوات... بدأ ا
من وجهة نظر إيفان لم تمضِ سوى دقائق... حتى أصبحت المملكة بأكملها تبحث عنها. كل فارس... كل جندي... كل حارس... خرج يبحث في كل زاوية. أما أنا... فلم أستطع الوقوف ساكنًا. "ألفا!" ركض أحد الحراس نحوي. "فتشنا الضفة الشرقية للنهر." "ولا أثر." شددت قبضتي. "أكملوا." "نعم." ركض مجددًا. داخل رأسي... كان إيف يزمجر باستمرار. "أشم رائحتها... ثم تختفي." "هناك سحر يقطع الأثر." تنهدت بغضب. "أعرف."**** في الجهة الأخرى... كان لوكا وأيان يركضان وسط الغابة. تحول كلاهما إلى ذئبين ضخمين. أرن كان يشم الأرض بجنون. بينما ذئب أيان يدور بين الأشجار. قال أيان عبر الرابط الذهني: "وجدت آثار أقدام!" ركض لوكا نحوه بسرعة. لكن بعد لحظات... خرج صوته من جديد. "...لا." "إنها آثار غزلان." ضرب لوكا جذع شجرة بمخالبه. حتى تشقق نصفها. "تبًا!" --- أما داخل القصر... فكان زاك يتنقل بين الغرف بنفسه. يفتح الأبواب... يفتش النوافذ... يدقق في الأرض. لينيا كانت خلفه مباشرة. ورغم هدوئها المعتاد... إلا أن أصابعها كانت ترتجف. قالت بصوت منخفض: "
من وجهة نظر إيفان استيقظت ببطء. فتحت عيني على ضوء الصباح الذي تسلل من بين الستائر، لكن الغريب أن أول ما شعرت به... لم يكن الصداع، ولا التعب. بل ذلك الدفء. ذلك الشعور الذي بقي عالقًا في صدري منذ ليلة الأمس. رائحة الزهور... وضغط أصابعها الخفيف على فرائي عندما كانت تركب فوق ظهر إيف. أغمضت عيني مرة أخرى. "ما هذا الشعور..." ضحك إيف داخل رأسي. "أخبرتك... كانت سعيدة معنا." تنهدت بهدوء. "لا تفسر الأمور كما تريد." "وأنت لا تهرب كما تريد." لم أجبه. نهضت من السرير، غسلت وجهي بالماء البارد، ثم ارتديت ملابسي السوداء المعتادة، وربطت شعري الأبيض للخلف. لكن رغم كل ذلك... كانت صورة أنجلي وهي تضحك فوق الجبل تقتحم ذهني دون استئذان. هززت رأسي بقوة. "يكفي..." "لن تنساها." " ......." خرجت من الغرفة متجهًا إلى القاعة الرئيسية. كانت الطاولة الكبيرة ممتلئة بالجميع. جدي ألفرد... أبي هيفان... زاك... لينيا... أيان... إيلورا... ملك سيلينفورد وزوجته ألونا... ولوكا أيضًا. الخرائط كانت منشورة فوق الطاولة. قال ألفرد بجدية: "الختم الذي وجدتموه يخص مملكة الظل الأسود... لكن هذا لا يعني
من وجهه نظر أنجلي في البداية كان كل شيء ضبابياً. أصوات بعيدة. وجوه غير واضحة. وكلمات لا أستطيع فهمها. كنت أمشي وسط الضباب وكأنني أبحث عن شيء ضاع مني منذ زمن طويل. ثم بدأت الصور تتجمع ببطء. شجرة كبيرة. حديقة مليئة بالورود البنفسجية.قصر ضخم. وضوء شمس دافئ. رمشت باستغراب.كنت أسير بين الزهور والأشجار.كنت أشعر وكأني أعرف هذا المكان،وكأنه جزء مني منذ زمن شعرت بحرارة غريبة داخل عيني.إلي أن.... فجأة رأيتهم. أشخاص يجلسون حول طاولة كبيرة. يضحكون. ويتحدثون بسعادة. شعرت أنني أعرفهم.بل... كنت متأكدة أنني أعرفهم. هناك كان إيفان. بشعره الأبيض الطويل. وعينيه الزرقاوين. وبجانبه لوكا. ثم هيفان وهرلين. وزاك ولينيا. وأيان. ووالدت هرلين ولينيا لورين ووالدهم ألنيوس. والملك ألفرد والملك إيلينا. الجميع كانوا يضحكون. والجو مليء بالدفء. شعرت بشيء يخنق صدري. وكأنني اشتقت لهم. اشتقت لهم كثيراً. ثم سمعت صوت لينيا. واضحاً هذه المرة. "لافندر، هل يمكنك إحضار كوب ماء لي؟" تجمدت. لافندر؟ التفت الجميع نحو جهة ما. لكن قبل أن أرى الشخص... بدأ كل شيء يختفي. تشوشت الأصوات. وتحط
من وجهه نظر إيفان. وقفت أراقب الظلام بين الأشجار بينما أصوات العواء ترتفع من كل مكان حولنا. كانت ليلة جري القطيع. ليلة ينتظرها الجميع. حتى إيف داخل رأسي كان سعيداً بشكل لا يصدق. "انظر إليهم..." قال بسعادة.:"الجميع مع رفقائهم." تنهدت وأنا أراقب الذئاب الضخمة تركض بين الأشجار. كان جميع التسلسل الهرمي للذئاب مجتمعين ،اليكان والببيتا والاميغا. والدي هيفان كان في المقدمة تقريباً، يركض بفخر بين أفراد القطيع، بينما كانت والدتي هرلين إلى جانبه بشكلها الذئبي. لوكا كان مع إيفونا. أيان مع إيلورا. وزاك بشكله كا خفاش . كان يحلق فوق قطيع الذئاب وقرب لينيا. الجميع بدا سعيداً. الجميع... إلا أنا. وقفت بصمت أراقبهم حتى سمعت صوت خطوات خفيفة خلفي. التفت. كانت أنجلي. شعرها الذهبي يتحرك مع نسيم الليل، وعيناها البنيتان تعكسان ضوء القمر. ابتسمت بخفة. "ألن تذهب معهم؟" هززت رأسي. "سأذهب بعد قليل." ثم نظرت إليها. "وأنتِ؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحزن. "كما ترى... لا أستطيع." ساد الصمت للحظة. ثم تابعت وهي تنظر إلى الذئاب البعيدة: "لكن يبدو شعوراً جميلاً... أن تركض بحرية
الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
هرلين بعد انتهاء العشاء، بقيت شاردة طوال الوقت. حتى وأنا جالسة قرب هيفان، لم أستطع التوقف عن التفكير بما حدث قبل قليل. “لينيا.” الاسم وحده جعل أمي ترتجف. وأبي أيضًا. وكأنهما يعرفان هذه الفتاة. أو يعرفان شيئًا عنها. شعرت بالاختناق كلما تذكرت الحلم الذي رأيته… وصوت الفتاة التي تشبهني وهي تتو
هرلين ما إن انتهى الجميع من الاطمئنان عليّ، حتى اقترب هيفان مني دون أن يقول شيئًا. ثم فجأة حملني بين ذراعيه بسهولة. شهقت بخفة وأنا أتمسك بعنقه تلقائيًا. لكنني لم أعترض. في الحقيقة… شعرت براحة غريبة وأنا أدفن وجهي قرب رقبته مجددًا. رائحته وحدها كانت كافية لتجعل كل خوفي يهدأ. حتى جوليا كانت
زاك وقفت بصمت أمام بوابات نورفاي، بينما الرياح الباردة تحرك شعري الأسود الطويل حولي. لكنني بالكاد كنت أشعر بالبرد. كل ما كان يدور داخل رأسي… هو هي. هرلين. أو بالأصح… الشبح الذي أعاد فتح جروح ظننت أنها ماتت منذ قرون. أغمضت عيني للحظة. حتى الآن لم أستوعب كيف حدث ذلك. بعد كل تلك السنوات… بع
هيفان كنت على وشك الخروج من القصر مجددًا. لم أعد أشعر بالتعب أصلًا. رغم أنني لم أنم منذ اختفاء هرلين، ورغم أن جسدي كان مرهقًا حتى العظم… لم أستطع التوقف. كيف أنام وهي ليست هنا؟ كنت أنزل درجات القصر بسرعة عندما أوقفني أحد الحراس. — “سيدي الألفا…” صوته كان مترددًا. التفت إليه ببرود م