LOGINزاك
لم أستطع التنفس. كنت أحدق بها فقط. لينيا. بعد كل هذه القرون… ها هي أمامي أخيرًا. حتى لو كانت مجرد روح خلف بوابة من الضوء. شعرت بأن يدي ترتجفان فوق ركبتي وأنا أحاول التمسك بعقلي. لأن جزءًا مني كان خائفًا من أن تختفي لو رمشت فقط. كانت تنظر إليّ هي أيضًا. وعيناها الرماديتان امتلأتا بالمشاعر نفسها التي أتذكرها. الاشتياق. الألم. الحب. حتى صوتها عندما همست اسمي… حطم شيئًا داخلي بالكامل. — “زاك…” أغمضت عيني للحظة وأنا أحاول منع نفسي من التقدم نحوها. لكنني رفعت رأسي بسرعة وسألتها بصوت مبحوح: — “كيف أعيدك؟” ساد الصمت للحظة خلف البوابة البيضاء. ثم نظرت نحو هرلين الواقفة قرب هيفان. وبعدها عادت تنظر إليّ. — “أنا لم أختفِ بالكامل…” كان صوتها غريبًا قليلًا، وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا. — “بقيت عالقة بين العالمين.” عقدت حاجبي بعدم فهم. أما والدة هرلين فتجمدت وهي تستمع. تابعت لينيا بهدوء: — “عندما عبرت الحاجز وأنا صغيرة… سحبني عالم الأرواح بدل عالم مصاصي الدماء.” بدأ الضوء حولها يهتز قليلًا. — “وكان يجب أن تتلاشى روحي منذ زمن طويل…” ثم رفعت يدها ببطء نحو هرلين. — “لكن هرلين كانت ما تزال حية.” اتسعت عينا هرلين بصدمة. أما أنا فشعرت بقشعريرة تمر في جسدي. — “رابطة الدم بين التوأم أبقتني موجودة.” همستها لينيا بهدوء مؤلم. حتى والدة هرلين بدأت تبكي بصمت. — “لهذا كنت قادرة على الوصول إليها في الأحلام.” سألتها بسرعة: — “إذاً هناك طريقة لتعودي؟” للحظة… ظهر الأمل داخل عينيها. ثم أومأت ببطء. — “المعبد القديم.” اهتزت القاعة كلها فجأة عندما قالت الكلمات. حتى الرموز تحت قدمي بدأت تضيء بقوة أكبر. — “في ليلة اكتمال القمر القادمة…” تنفست بصعوبة وهي تكمل: — “يجب أن تصلوا إلى معبد إلهة القمر.” عقد الملك الفريد حاجبيه فورًا. — “المعبد القديم؟” أما لينيا فتابعت بسرعة أكبر، وكأن الوقت ينفد. — “لكن هناك حارس.” شعرت بالهواء يبرد فجأة. حتى هيفان شد هرلين نحوه بغريزة. — “حارس عالم الأرواح.” همستها لينيا بصوت منخفض. ثم نظرت إليّ مباشرة. — “إذا لم تهزموه… فلن أستطيع العبور.” اشتعل شيء مظلم داخل صدري فورًا. — “سأقتله.” خرج صوتي ببرود جعل حتى هيفان يلتفت نحوي. لكن لينيا ابتسمت بحزن خفيف. نفس الابتسامة التي كانت تجعلني أضعف دائمًا. — “ما زلت كما أنت…” ثم فجأة… بدأت البوابة خلفها تضطرب بعنف. الضوء الأبيض صار أغمق قليلًا، وكأن شيئًا يحاول سحبها بعيدًا. اتسعت عيناها بخوف. لكنها رغم ذلك نظرت إليّ بسرعة وقالت: — “كنت أراك…” تجمدت. — “رأيتك وأنت تعاني وحدك كل هذه السنوات.” شعرت بأنفاسي تختنق. حتى قلبي بدأ يؤلمني بطريقة مرعبة. — “كنت أتمنى لو أستطيع العودة إليك…” بدأ صوتها يضعف أكثر. أما أنا فنسيت الجميع حولي. نسيت القاعة. ونسيت نفسي. كل ما كنت أراه هو هي. ثم همست أخيرًا… والدموع تلمع داخل عينيها: — “أنا أحبك يا زاك.” وفي اللحظة التالية— انفجرت البوابة البيضاء بعنف. صرخت هرلين. حتى الرموز على الأرض تحطمت دفعة واحدة. وشعرت بموجة طاقة مرعبة تضرب جسدي مباشرة. الألم اجتاحني بشكل مفاجئ وعنيف لدرجة أنني لم أستطع حتى الصراخ. ثم اندفعت للخلف بقوة هائلة. واصطدم جسدي بالحائط الحجري بعنف. سمعت صوت العظام يتشقق قليلًا. لكنني بالكاد شعرت بالألم. لأن كل ما كنت أراه… هو اختفاء لينيا أمام عيني. — “زاك!” سمعت صوت هرلين بعيدًا. أما أنا فسقطت على ركبتي بصعوبة بينما الدم ينزل من طرف فمي. حتى صدري كان يحترق من أثر الطاقة. اقترب الجميع نحوي بسرعة. لكنني رفعت يدي أوقفهم. ثم نظرت ببطء نحو المكان الذي اختفت فيه لينيا. وكانت الكلمات الأخيرة ما تزال تتردد داخل رأسي. “أنا أحبك يا زاك.” أغلقت عيني للحظة… ثم نهضت رغم الألم. رفعت رأسي أخيرًا وقلت بصوت بارد لكنه مليء بالعزم: — “سنذهب إلى المعبد.” اشتعلت عينا هيفان فورًا. أما هرلين فاقتربت مني بقلق. لكنني تابعت وأنا أنظر نحو القمر خلف النوافذ: — “وفي اكتمال القمر القادم…” قبضت يدي بقوة. — “سأعيدها مهما كان الثمن.”الراوي تحولت القاعة الملكية خلال دقائق إلى خلية نحل. لم يعد أحد جالسًا. الحراس يركضون في كل الاتجاهات. الخدم يسألون بعضهم بارتباك. وأصوات الأوامر تملأ المكان. "فتشوا الحدائق!" "أغلقوا البوابات!" "أرسلوا فرقة إلى الغابة!" "لا تتركوا أي زاوية دون تفتيش!" كان التوتر ينتشر كالنار. أما سيلينا... فكانت واقفة في منتصف القاعة، شاحبة الوجه. يداها ترتجفان. وعيناها تدوران بين الوجوه وكأنها ترفض تصديق ما تسمعه همست بصوت مكسور: "لا..." "لا يمكن..." ثم بدأت تمشي بسرعة نحو الدرج. "سأبحث مرة أخرى..." صعدت الدرجات راكضة. دخلت غرفة أنجلي للمرة الثانية... ثم الثالثة... ثم الرابعة. فتحت الخزانة. نظرت تحت السرير. فتحت الشرفة. نادتها بصوت مرتفع: "أنجلي!" "أنجلي!" لكن... لم يجبها أحد. اقتربت من السرير. كان مرتبًا. لكن الوسادة... كانت تحمل رائحة ابنتها. مدت يدها ولمستها برفق. ثم أغمضت عينيها. وانهمرت دموعها. "أين أنتِ يا صغيرتي...؟" "أين ذهبتِ...؟" جلست على طرف السرير وهي تضم الوسادة إلى صدرها. ولأول مرة منذ سنوات... بدأ ا
من وجهة نظر إيفان لم تمضِ سوى دقائق... حتى أصبحت المملكة بأكملها تبحث عنها. كل فارس... كل جندي... كل حارس... خرج يبحث في كل زاوية. أما أنا... فلم أستطع الوقوف ساكنًا. "ألفا!" ركض أحد الحراس نحوي. "فتشنا الضفة الشرقية للنهر." "ولا أثر." شددت قبضتي. "أكملوا." "نعم." ركض مجددًا. داخل رأسي... كان إيف يزمجر باستمرار. "أشم رائحتها... ثم تختفي." "هناك سحر يقطع الأثر." تنهدت بغضب. "أعرف."**** في الجهة الأخرى... كان لوكا وأيان يركضان وسط الغابة. تحول كلاهما إلى ذئبين ضخمين. أرن كان يشم الأرض بجنون. بينما ذئب أيان يدور بين الأشجار. قال أيان عبر الرابط الذهني: "وجدت آثار أقدام!" ركض لوكا نحوه بسرعة. لكن بعد لحظات... خرج صوته من جديد. "...لا." "إنها آثار غزلان." ضرب لوكا جذع شجرة بمخالبه. حتى تشقق نصفها. "تبًا!" --- أما داخل القصر... فكان زاك يتنقل بين الغرف بنفسه. يفتح الأبواب... يفتش النوافذ... يدقق في الأرض. لينيا كانت خلفه مباشرة. ورغم هدوئها المعتاد... إلا أن أصابعها كانت ترتجف. قالت بصوت منخفض: "
من وجهة نظر إيفان استيقظت ببطء. فتحت عيني على ضوء الصباح الذي تسلل من بين الستائر، لكن الغريب أن أول ما شعرت به... لم يكن الصداع، ولا التعب. بل ذلك الدفء. ذلك الشعور الذي بقي عالقًا في صدري منذ ليلة الأمس. رائحة الزهور... وضغط أصابعها الخفيف على فرائي عندما كانت تركب فوق ظهر إيف. أغمضت عيني مرة أخرى. "ما هذا الشعور..." ضحك إيف داخل رأسي. "أخبرتك... كانت سعيدة معنا." تنهدت بهدوء. "لا تفسر الأمور كما تريد." "وأنت لا تهرب كما تريد." لم أجبه. نهضت من السرير، غسلت وجهي بالماء البارد، ثم ارتديت ملابسي السوداء المعتادة، وربطت شعري الأبيض للخلف. لكن رغم كل ذلك... كانت صورة أنجلي وهي تضحك فوق الجبل تقتحم ذهني دون استئذان. هززت رأسي بقوة. "يكفي..." "لن تنساها." " ......." خرجت من الغرفة متجهًا إلى القاعة الرئيسية. كانت الطاولة الكبيرة ممتلئة بالجميع. جدي ألفرد... أبي هيفان... زاك... لينيا... أيان... إيلورا... ملك سيلينفورد وزوجته ألونا... ولوكا أيضًا. الخرائط كانت منشورة فوق الطاولة. قال ألفرد بجدية: "الختم الذي وجدتموه يخص مملكة الظل الأسود... لكن هذا لا يعني
من وجهه نظر أنجلي في البداية كان كل شيء ضبابياً. أصوات بعيدة. وجوه غير واضحة. وكلمات لا أستطيع فهمها. كنت أمشي وسط الضباب وكأنني أبحث عن شيء ضاع مني منذ زمن طويل. ثم بدأت الصور تتجمع ببطء. شجرة كبيرة. حديقة مليئة بالورود البنفسجية.قصر ضخم. وضوء شمس دافئ. رمشت باستغراب.كنت أسير بين الزهور والأشجار.كنت أشعر وكأني أعرف هذا المكان،وكأنه جزء مني منذ زمن شعرت بحرارة غريبة داخل عيني.إلي أن.... فجأة رأيتهم. أشخاص يجلسون حول طاولة كبيرة. يضحكون. ويتحدثون بسعادة. شعرت أنني أعرفهم.بل... كنت متأكدة أنني أعرفهم. هناك كان إيفان. بشعره الأبيض الطويل. وعينيه الزرقاوين. وبجانبه لوكا. ثم هيفان وهرلين. وزاك ولينيا. وأيان. ووالدت هرلين ولينيا لورين ووالدهم ألنيوس. والملك ألفرد والملك إيلينا. الجميع كانوا يضحكون. والجو مليء بالدفء. شعرت بشيء يخنق صدري. وكأنني اشتقت لهم. اشتقت لهم كثيراً. ثم سمعت صوت لينيا. واضحاً هذه المرة. "لافندر، هل يمكنك إحضار كوب ماء لي؟" تجمدت. لافندر؟ التفت الجميع نحو جهة ما. لكن قبل أن أرى الشخص... بدأ كل شيء يختفي. تشوشت الأصوات. وتحط
من وجهه نظر إيفان. وقفت أراقب الظلام بين الأشجار بينما أصوات العواء ترتفع من كل مكان حولنا. كانت ليلة جري القطيع. ليلة ينتظرها الجميع. حتى إيف داخل رأسي كان سعيداً بشكل لا يصدق. "انظر إليهم..." قال بسعادة.:"الجميع مع رفقائهم." تنهدت وأنا أراقب الذئاب الضخمة تركض بين الأشجار. كان جميع التسلسل الهرمي للذئاب مجتمعين ،اليكان والببيتا والاميغا. والدي هيفان كان في المقدمة تقريباً، يركض بفخر بين أفراد القطيع، بينما كانت والدتي هرلين إلى جانبه بشكلها الذئبي. لوكا كان مع إيفونا. أيان مع إيلورا. وزاك بشكله كا خفاش . كان يحلق فوق قطيع الذئاب وقرب لينيا. الجميع بدا سعيداً. الجميع... إلا أنا. وقفت بصمت أراقبهم حتى سمعت صوت خطوات خفيفة خلفي. التفت. كانت أنجلي. شعرها الذهبي يتحرك مع نسيم الليل، وعيناها البنيتان تعكسان ضوء القمر. ابتسمت بخفة. "ألن تذهب معهم؟" هززت رأسي. "سأذهب بعد قليل." ثم نظرت إليها. "وأنتِ؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحزن. "كما ترى... لا أستطيع." ساد الصمت للحظة. ثم تابعت وهي تنظر إلى الذئاب البعيدة: "لكن يبدو شعوراً جميلاً... أن تركض بحرية
الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر أنجلي كنت أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعني. هذا أفضل بكثير من البقاء هنا. داخل غرفة إيفان. بعد أكثر موقف محرج مر علي في حياتي. "أنجلي." رفعت رأسي ببطء. فوجدته ينظر إلي. وكانت هناك ابتسامة خفيفة في عينيه. ابتسامة مستفزة قليلًا. "لم أركِ خجولة هكذا عندما كنتِ تراقبين التدريب." اتسع
من وجهة نظر إيفان بعد أن غادرت أنجلي... بقيت واقفًا للحظات أحدق في الوردة البنفسجية التي كانت تحملها. ذلك الشعور الغريب لم يتركني. وكل يوم أقضيه هنا... يزداد الأمر سوءًا. أو ربما... يزداد وضوحًا. "ها أنت هنا." التفتُّ لأجد لوكا يقترب. "ماذا تريد؟" سألته. فرفع كتفيه. "الأمير
من وجهة نظر إيفان بعد أن افترقت عن أنجلي... عدت إلى غرفتي. لكن المشكلة... أن عقلي لم يعد معي. وقفت أمام النافذة. أنظر إلى البحيرة الفضية. بينما كنت أعيد ما حدث اليوم للمرة الألف. ثم توقفت عند لحظة واحدة فقط. رائحتها. أغمضت عيني. ما زلت أتذكرها بوضوح. رائحة الزهور. وتلك الرائحة الأخرى.
من وجهة نظر أنجلي طوال طريق العودة إلى القصر... كنت أسير بجانب إيفان بهدوء. ولأول مرة منذ سنوات... مر الوقت بسرعة غريبة. كنا نتحدث أحيانًا. ونصمت أحيانًا. لكن الصمت لم يكن مزعجًا. بل مريحًا بشكل غريب. لدرجة أنني لم ألاحظ أننا وصلنا إلى القصر. وما إن دخلنا من البوابة الرئيسية.. حتى سمعنا