Mag-log inفي يوم الجمعة صحوتُ في الصباح الباكر وأنا أعرف أن هذا اليوم مختلف. ليس لأن فيه اختباراً أو موعداً مهماً — الاختبار كان قبل يومين وانتهى. بل لأن مساءه يحمل عشاءً في بيت الأهل، عشاءً طلبه أبي بجملة قصيرة لم تحتاج شرحاً: "أنت وأحمد." كلمتان كافيتان لأن يعرف كل من سمعهما ما الذي تعنيه. أمضيتُ الصباح بهدوء. قرأتُ، شربتُ قهوة أطول من المعتاد، ورسمتُ في ذهني كيف سيكون المساء. ليس تحضيراً لمواجهة، بل محاولة لأن أصل إلى البيت بعقل حاضر لا بعقل مشغول بكل الاحتمالات. أرسلتُ لراما قبل أن أخرج: "سأذهب الآن. أبي وأمي وأحمد." ردّت: "سيكون جيداً. وإن لم يكن، ستعود وتُخبرني وسنتحدث." بسيطة وصادقة كما هي دائماً. قدتُ إلى بيت الأهل في ضوء الغروب. وقفتُ أمام البيت وأنا أنظر إلى سيارة أحمد في المكان المعتاد. وصل قبلي. أخذتُ نفساً واحداً عميقاً، ليس من خوف بل من حاجة لأن أضع كل شيء في حجمه الصحيح قبل أن أدخل. هذا عشاء في بيت أهلي. هذه مائدة أكلتُ عليها آلاف المرات. الرجل داخل كان أخي قبل أن يكون أي شيء آخر، وسيبقى أخي بعد كل شيء آخر. طرقتُ الباب. فتحت أمي، وجهها يحمل تلك الابتسامة التي لا تستطيع إ
جاء الاتصال من منى في صباح الثلاثاء، صوتها يحمل ذلك الهدوء المهني الذي يسبق الأخبار الجيدة، هدوء من يعرف ما سيقوله وقرر الطريقة التي سيقوله بها قبل أن يرفع السماعة. "راما، مرحباً. أريد أن أُخبرك بأننا قررنا المضي قدماً معك." جلستُ على الكرسي الذي كنتُ أقف بجانبه، لا من صدمة بل من حاجة جسدية لأن تستقر الكلمات قبل أن أستجيب لها. شعرتُ بشيء يتنفس في صدري بشكل مختلف. "شكراً." قلتُ، والكلمة خرجت بسيطة وكافية بدون أي إضافة. "إجازتك التجريبية ثلاثة أشهر. وتبدأين الأحد القادم إن كان هذا مناسباً." "مناسب تماماً." أغلقتُ الهاتف ووضعتُه على الطاولة وجلستُ لدقيقتين في الصمت، لا أُفكر في شيء محدد، فقط أُتيح لنفسي أن تستوعب ما حدث. قبلتني. ليس فقط وظيفة وليس فقط راتباً، بل منى التي سمعتُ جوابي غير المعتاد ورأت فيه شيئاً يستحق، قالت نعم. أرسلتُ لكريم رسالة واحدة قصيرة: "قبلوني." جاء رده فوراً: "كنتُ أعرف." ابتسمتُ. بعض الردود تكفي بلا توضيح. في الأحد وصلتُ قبل الموعد بعشر دقائق، وقفتُ أمام باب المبنى لثانية واحدة قبل أن أدخل. لم تكن ثانية تردد، بل لحظة صغيرة أعطيتُها لنفسي لأُلاحظ أنني هنا
لم أكن من يكتب في دفاتر. هذه عادة تخص النساء والشعراء والناس الذين لديهم وقت فراغ يحتاج ملئاً. أنا رجل عملتُ أربعين سنة، ربيتُ ولدين، وبنيتُ حياة بالأفعال لا بالكلمات. لكن فايزة حين أخبرتني بما أخبرتني به، وجلستُ وحدي في الصالة بعد أن غادرت، شعرتُ بحاجة لأول مرة في حياتي لأن أكتب شيئاً. ليس لأقرأه لاحقاً، بل لأنني احتجتُ أن أُخرج ما في داخلي بطريقة تجعله أقل ضجيجاً في الرأس. فتحتُ دفتراً وجدتُه في درج زوجتي القديم، دفتر أبيض الصفحات كانت تُعدّه لشيء لم أعرف ما هو. وكتبتُ. كتبتُ عن أحمد أولاً. عن الطفل الذي كان، جاد ومتأنٍّ حتى في الصغر، يُرتب ألعابه قبل النوم ويغضب إن تحرك شيء من مكانه. كتبتُ عن الرجل الذي أصبح، الناجح في عمله، المستقر في حياته، الذي ظننتُ أنني أعرفه كاملاً حتى بدأت هذه الأشهر وكشفت لي أنني كنتُ أعرف الصورة التي أراد أن أراها، لا الإنسان بداخلها. كتبتُ عن كريم. عن الطفل الأصغر الذي كان دائماً يصطدم بكل شيء لأنه يُركّض قبل أن يُكمل المشي. عن الشاب الذي فعل ما فعله ثم جاء وقال لي الحقيقة بصوت خافت لم يكن يخفي الخوف بل كان يحمله ويمشي رغمه. كتبتُ عن نفسي. وهذا كان ا
اتصلتُ بكريم في مساء الأربعاء، وهذه المرة لم أُفكر طويلاً قبل أن أضغط على اسمه. المرة الأولى احتجتُ أسبوعاً لأقرر، وهذه المرة احتجتُ ثانية واحدة. ليس لأن الأمور أصبحت سهلة، بل لأن الخطوة الأولى حين تُخطى، تجعل الخطوة الثانية أخف وزناً بطريقة لا يمكن تفسيرها لمن لم يمر بها. "أحمد؟" صوته جاء بدهشة خفيفة، أقل من المرة الأولى لكنها لا تزال موجودة. "نعم." قلتُ. "عندي وقت. ظننتُ أتصل." "أنا أيضاً عندي وقت." قال، وسمعتُ في الخلفية صوت كتاب يُطوى. "كيف المذاكرة؟" سألتُ. "الاختبار بعد أربعة أيام." قال. "أشعر أنني مستعد. زياد يقول إنه مستعد أيضاً وهو ليس من يمتحن." ضحكتُ. "زياد دائماً كان مستعداً لكل شيء. حتى لامتحانات غيره." "أنت تعرفه؟" سأل كريم بدهشة خفيفة. "رأيتُه مرة أو مرتين في الجامعة حين كنتُ أزورك في الأيام الأولى من دراستك." قلتُ. "قبل أن تتعقد الأمور. كان دائماً يحمل ثلاثة كتب في نفس الوقت." "لا يزال يفعل هذا." قال كريم، وفي صوته شيء دافئ حين تحدث عن صديقه. تحدثنا عن الجامعة، عن الفصل القادم، عن التخصص الذي لم يحسمه بعد. أسئلة وأجوبة لم تكن تحمل ثقلاً أو حذراً مبالغاً فيه،
جاءني عرض الوظيفة في مدينة أخرى في نفس الأسبوع الذي قررتُ فيه، بصمت داخلي لم أُعلنه لأحد، أن وقت التغيير قد حان فعلاً. لم يكن قراراً مفاجئاً ولا انفعالياً. كان قراراً تراكم ببطء على مدى أسابيع طويلة، مثل ثلج يتراكم على سطح دون أن تُلاحظه حتى يصل إلى وزن تسمع معه صوت السطح يئنّ قليلاً. لم يكن الوزن كله من قصة كريم وأحمد وما جرى، لكن تلك القصة كانت آخر طبقة أضيفت، الطبقة التي جعلت الثقل الكلي واضحاً لا يمكن تجاهله بعد الآن. أمضيتُ أسبوعاً كاملاً أُعيد قراءة عرض الوظيفة كل يوم. ليس لأنني ترددتُ في القرار، بل لأنني أردتُ أن أتأكد أن ما أراه فيه حقيقي وليس مجرد رغبة في التغيير لذاته. حين قرأتُه في اليوم السابع ووجدتُ نفس الشعور الأول لا يزال موجوداً دون أن يتلاشى، عرفتُ أن القرار جاهز. اتصلتُ بنور في مساء الاثنين. "قبلتُ العرض." قلتُ مباشرة، بلا مقدمة طويلة، لأن نور تعرف متى الكلام يستحق مقدمات ومتى يجب أن يبدأ من الجوهر مباشرة. صمت قصير من جهتها، صمت من تستوعب لا من تُفاجأ. "متى قررتِ؟" "قبل أن يصلني العرض بأسبوعين." قلتُ بصدق. "العرض فقط أعطى القرار شكلاً ملموساً وتاريخاً محدداً."
وصلتُ إلى مكتب الدكتور سليم في الموعد المحدد، الورقة التي أعطاني إياها في لقائنا الأول في يدي، مع ملاحظات كتبتُها الليلة السابقة عن الفصول التي أعدتُ قراءتها وما الذي لا يزال غير واضح. "كريم." استقبلني الدكتور سليم ببساطته المعتادة. "اجلس. كيف سارت المذاكرة؟" "أحسن مما كانت في الأسابيع الأولى." قلتُ بصدق. "الفصل الخامس والسادس كانا المشكلة الأساسية. أعدتُ قراءتهما ثلاث مرات وبدآ يستقران." "ما الذي تغيّر؟" فكرتُ في السؤال. "أعتقد أن الذهن كان مشغولاً بأشياء خارج المادة في الفصل الماضي. الآن تلك الأشياء استقرت، والمساحة الذهنية أصبحت متاحة." أومأ الدكتور سليم برأسه، نظرة رجل يُقدّر الصدق ولا يطلب تفاصيل لم تُعطَ. "سأُعطيك نموذجاً من اختبارات سابقة." قال، وفتح درجاً وأخرج ورقة. "ليس للحل الآن، بل لتعرف ما الذي ينتظرك. الاختبار سيكون بنفس الهيكل." أخذتُ الورقة وتصفحتُها. ثلاثة أسئلة رئيسية، كل منها يتفرع. النوع الذي يتطلب فهماً لا حفظاً. "سؤال." قلتُ. "تفضل." "إذا اجتزتُ الاختبار، هل يُمحى الرسوب من السجل تماماً؟" "تماماً." قال. "تُسجَّل نتيجة اختبار الإعادة وكأنها النتيجة الأص
استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لت
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة
جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. "ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف







