Masukربما نفهم أنفسنا بسؤالٍ بسيط: كيف حالك؟ ماذا تشعر؟ لكن ماذا لو كانت بعض الأسئلة… تفتح أبوابًا لا يجب فتحها؟ هناك… بين الظلمة والعتمة… كتبٌ لا تُقرأ. وأسماءٌ لا يجب أن تُنطق وحين ظنّ أمير أنّه يهرب من خوفه… كان في الحقيقة يقترب من ولادته الجديدة. — نِيراس. 👁️🔥
Lihat lebih banyakكان الرجل العجوز يفترش ذلك الفراش،
فراشًا احتضن ما تبقّى من روحه المهشّمة، تلك التي ما زالت عالقةً في جسده الواهن. بعد أن أثقله الزمن، غدا شبيهًا بجهازٍ قديم، موصولٍ بأنابيب تبقيه حيًّا، يتغذّى على سائلٍ بارد، وعلى يمينه جهاز النبض، يرنّ بإيقاعٍ منتظم… ليُقنعه أنه ما زال هنا. شيءٌ ما كان يقبض على صدره، شيءٌ يعرفه… لكنه نسي اسمه، أو لعلّه تظاهر بالنسيان طويلًا. بدأ شريط عمره ينساب أمام عينيه، لم يره… بل شعر به. مدّ يده المرتجفة، كأنّه يتحسّس ظلًّا هاربًا… ثم أدركها: إنها هي… زوجته. تلك اللحظة عادت، قبل موتها بأشهر، حين سألته بهدوءٍ خافت: هل ما زلت تراني كما في المرة الأولى؟ فأجاب ببرودٍ عابر، بلا اكتراثٍ يشبه القسوة: لقد كبرتِ… لم تعودي كما كنتِ. ظنّها يومها مجرّد نزوة عاطفية، كما اعتاد أن يختصر مشاعرها دائمًا. أما الآن، فكان يحاول الصراخ… أن يقول ما لم يقله حين كان الوقت ممكنًا: لم تتغيّري… كنتِ كما عرفتكِ… كما أحببتكِ… لكن صوته خانه، وبقيت الكلمات حبيسة صدرٍ أثقله الصمت. وكان يشعر بروحه تنسحب ببطء، كأنها تتشبّث بجسده، تتلذّذ بألم الرحيل… كما تلذّذ هو يومًا بصمتٍ لم يفهمه. في لحظةٍ، تنبثق منها صورٌ كأنها تتساقط، ليرتوي حزنٌ أبى أن يسكن عطشه. لم تكن حكاية رجلٍ مجرّد غارقٍ في سريره، كمن دُفن فيه، بل بدت صورةً تتبدّد أمامه، كلّما قاوم الفراش ليشدّه ويحتضنه، ينهزم… ويعود إليه مستسلمًا. كانت صورة ابنه… ذاك الفتى الذي أسماه "أمير"، وما كان ليناديه إلا: "وحيدي". يظهر في صورةٍ، ينظر إليه، وقد رفع يده كأنه يلتقط ما تهاوى من عينيه من دموع. صاح إليه: "أبي… أبي… يا أبي…" ثم قال بصوتٍ منكسر: "نعم… هذا أنا، وحيدك. قد خُلقت بلا أخٍ أو أخت، لكنّك أبقيتني وحيدًا دائمًا… حتى وأنت بقربي، كنت أشعر بغيابك." كان ذلك الفتى في السادسة من عمره، في الصف الأول الابتدائي، في أول أيام رحلته الدراسية. كان أستاذه يحاول مباغتته بأسئلةٍ يظنّها اختبارًا لذكائه، يبدأ بأرقامٍ عشوائية: "ثلاثة عشر زائد ستة؟" فيجيبه بسرعة، فيعيد السؤال بصيغةٍ معكوسة، محاولًا تشتيت انتباهه وقياس تركيزه. لكن شيئًا ما بدأ يتشكّل داخل أمير… تلك الأسئلة التي رآها مجرّد استخفاف، أيقظت فيه حماسًا زائدًا، لم يستطع طفلٌ مثله تحمّله، وقد اعتاد أن يُطلق ما في ذهنه دون تقييد. رفع صوته قائلًا: "هذه أسئلة أطفال… وأنا لست منهم." فأجابه الأستاذ بشيءٍ من التهكّم: "وماذا تريدني أن أسألك يا أفلاطون أفندي؟" لكن ذلك التهكّم تلاشى، كقشٍّ احترق رماده، حين أجابه أمير بثقةٍ أحرجته: "لست أفلاطون يا أستاذ… لكن من يدري؟ ربما أصبح أرسطو يومًا… فأنا تلميذك." ثم أضاف: "إن أردت، يمكنك اختباري في جدول الضرب، من دون تحضير… من حيث شئت، ابدأ." نظر إليه الأستاذ مذهولًا، بين استغرابٍ من جرأته، وكبرياءٍ يحاول التماسك، ثم قرر أن يتجاهل ذلك، ويبدأ. كان أمير كالمغناطيس، يجتذب السؤال وجوابه بسرعةٍ لافتة. كان طفلًا، لكنه بدأ يصوغ للإنسان معادلةً مختلفة، إنسانًا لا يخضع لنتيجةٍ واحدة، في مجتمعٍ يعيد إنتاج فكرٍ واحد… يسمّونه: "تفكير القطيع". الفصل ٢ ما لم يمت في الطفولة، لا يشيخ… بل يزداد حضورًا، مخيفًا في عيون من يخاف العقل. بلغ الثالثة عشرة، وما زال يحمل طفولته الذكية في داخله، تكبر معه… ولا تفارقه. وإلى جانبه، كان صديقه، ذلك الفتى النحيل، بشعرٍ كشعاع قمحٍ يميل إلى الشقار، وشامةٍ على خده… كأنها توقيع الحكاية. غير أن الذكاء… قد يتحوّل إلى ثقلٍ يرهق صاحبه. بدأ يشكّل حرجًا من نوعٍ مختلف لأساتذته، لم يكن يكتفي بالإنصات، بل كان يشكّك فيما يُلقَّن به، ويردّ على الإجابات بسؤالٍ واحد يتكرر: "لماذا؟" كان عقله يسلك منطقًا غير مألوف، لا بدافع العبث… بل من ذكاءٍ صافٍ يرفض الاكتفاء بالمسلّمات. حين بلغت أفكاره ذروتها، بدأت تتشكّل في وعيٍ مستعدٍّ للمواجهة. وفي إحدى الحصص، وقف الأستاذ يشرح لهم الوجود والخلق، لكن كلماته لم تكن بحثًا عن «كيف» أو «من أين»، بل كانت إجابةً مُسبقة، تُصبّ في عقولهم كقالبٍ واحد: "هكذا خُلقنا." … وكأن السؤال لم يكن موجودًا أصلًا. كانت فكرته تقوم على أن جميع من على هذه الأرض مخلوقات، وأن الخالق هو الله، وأن لا شيء يأتي من عدم… بل لكلّ شيءٍ صانع. وكان دليل ذلك، بالنسبة له، تاريخًا يُعاد تدويره في كل زمن، من جيلٍ إلى جيل، كفكرةٍ جاهزة، مُفصّلة للإجابة، يُعدّ التشكيك فيها من المحرّمات. لكن أمير لم يكن شخصًا غير مؤمن بهذه الفكرة، بل كان يتّخذ من المنطق والفكر أساسًا يبني عليه نفسه؛ يسأل: من هو؟ من أين أتى؟ وكان يشكّك في طرح أستاذه بسؤالٍ، يُعدّ جريئًا… أو أقرب لما يُنعت بالكفر في ذلك المجتمع: "إن كان الله قد خلقنا… فمن أين أتى الله؟" بدت تلك الفكرة، أو ذاك السؤال، وكأنّه تشكيكٌ في الإيمان والدين. فأجابه الأستاذ بانفعال، أقرب إلى حارسٍ يقف على باب متحف، يخشى أن تُنهب معروضاته: "لا تسأل عمّا لا تفقهه، أيها الغبي… من أين لك بتلك الأفكار السخيفة؟" لا تهذِ بتلك الأمور… واستغفر ربك." ثم بدأ يردد بصوتٍ ضعيف: "استغفر الله… استغفر الله…" وفجأة، صرخ بالطلاب: "هيا، استغفروا الله ورائي!" تعالى صوت الاستغفار في الصف، كأنه يتوهّج… أو يختبئ خلفه شيءٌ آخر. وبصوتٍ بدا فيه شيءٌ من الارتجاف… أو الريبة، قال أمير: "لكن يا أستاذ… أنتم دائمًا تقولون: اسألوا لتفهموا، ولتَعرفوا أكثر… فأين أخطأت؟" قاطعه الأستاذ بعنف: "اصمت! اصمت! لا تُجبرني على معاقبتك. أنت ما زلت صغيرًا على هذه الأمور… ليست من اختصاصك. عليك أن تكتفي بما نُعطيك إياه." ثم أضاف بنبرةٍ تحمل اتهامًا: "أعلم أن هذا الكلام… ليس إلا من تعليم الأهل. ليس غباءً منك… بل تحفيظ." وفي خضمّ احتدام النقاش، رنّ جرس الفرصة. خرج الأستاذ، وهو يقول: "انتهى الدرس." بقيت ملامح أمير معلّقة، بين ثقةٍ تتلاشى… ويأسٍ يتشكّل ببطء. وضع يديه على المقعد، مستندًا إليه، كأن توازنه بدأ يهتزّ بصمتٍ ثقيل. إلى جانبه، جلس صديقه… يتقاسمان ذلك المقعد المهترئ، المليء بالخدوش والشخبطات الصبيانية. كان فتىً بعينين ممتلئتين بشيءٍ يشبه الفراغ، لكنه فراغٌ يضجّ بما لا يُفهم. لم يكن ما يعانيه مجرد ما يُسمّى "رهابًا اجتماعيًا"، بل شيءٌ أعمق… يظهر في ارتجاف يديه حين يتكلم، كأنه يرسم كلماته في الهواء. كان يملك وعيًا صامتًا، يفهم كل شيء… دون أن يتحرك، كأن عقله مستودعٌ يخزّن اللحظات، والمواقف، والأفكار. ومع ذلك، كان يعرف ما هو صحيح… بدقةٍ لا يُستهان بها. اسمه راشد. وكما يُقال في عاميّتنا: "لكلّ امرئٍ من اسمه نصيب." نظر إلى أمير، وسأله بهدوءٍ متردد: "أمير… أنت لا تؤمن بوجود الخالق، صحيح؟" بل شيءٌ أعمق… يظهر في ارتجاف يديه حين يتكلم، كأنه يرسم كلماته في الهواء. كان يملك وعيًا صامتًا، يفهم كل شيء… دون أن يتحرك، كأن عقله مستودعٌ يخزّن اللحظات، والمواقف، والأفكار. ومع ذلك، كان يعرف ما هو صحيح… بدقةٍ لا يُستهان بها. اسمه راشد. وكما يُقال في عاميّتنا: "لكلّ امرئٍ من اسمه نصيب." نظر إلى أمير، وسأله بهدوءٍ متردد: "أمير… أنت لا تؤمن بوجود الخالق، صحيح؟" كان أمير يحدّق بنظره ثابتًا في زاوية اللوح، كأنه عالقٌ هناك… متأرجحٌ بين ذلك السؤال وانفعال مُدرّسه. تنفّس بضيق: "هفف… هفف…" ثم قال: "يا راشد… لن تفهمني." سكت لحظة، ثم تابع: "لكنني سأقول لك… المشكلة ليست في الإيمان، ولا في وجود الله…" رفع نظره قليلًا، وكأن الفكرة تكتمل داخله: "لكن… إذا كانت الحقيقة ثابتة، فلماذا نختلف حولها؟ وإن لم تكن ثابتة… فلماذا نُجبر على تصديقها؟" "ما أقصده يا راشد… أن من حقي أن أسأل، لأعرف… لأتيقّن…" توقّف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أهدأ: "لأفهم أكثر… معنى هذه الحياة." ثم نظر إليه مباشرة: "أنا لستُ مجرّد جهازٍ لتخزين المعلومات… ولا كتابًا يُحفظ ما كُتب فيه من قبل." كان راشد يُنصت كالتلميذ إلى معلّم، يهزّ رأسه بين الحين والآخر. أخرج من حقيبته سندويشة جبنة، وأخذ يأكل… وعيناه لا تفارقان أمير، بين ارتجافةٍ وأخرى. صمت لحظة. ثم قال بصوتٍ متقطّع: "إن…ني… أ…فهمك." تردّد قليلًا، ثم أضاف: "فهمتك." لم تكن تلك بداية صداقة، ولا رفقةَ موقفٍ عابر كما في الدراما. كان أمير وراشد… ابني هذه القرية، يتجاوران في أحد أزقّتها، يلعبان اللعبة ذاتها. ومع الوقت، كبرَا معًا… وصارا طالبين يتشاركان كل شيء. في بيتِ كلٍّ منهما، كانت الدعوات تتكرّر، وسهراتٌ بسيطة في غرفةٍ ضيّقة الجدران… لكنها كانت أوسع من العالم خارجه. يمدّان دفاترهما وكتبهما وأقلامهما على حصيرتها، إلى جانب مدفأةٍ صغيرة تجمع بين دفء المكان… ودفئهما. ما بين همساتٍ وصراخ، وربما شجارٍ عابر، ثم يعودان إلى حالهما… كأنّ شيئًا لم يكن. ربما تقولون: إنها حياة الطفولة… أو بساطة القرية. وربما ترونني أتفلسف، أو مجرد إنسانٍ حسّاس… كما ينعتونني. لكن… تلك الطفولة، وتلك البساطة… ما الذي يمحوها؟ أليست جزءًا منّا؟ ألم نكن نحن…؟ فماذا حلّ بها؟ ولم تكن مداخلة أمير في الصف حدثًا عابرًا، بل كانت جزءًا من سلسلةٍ متكرّرة… محاولات لا تتوقف. ربما لأننا لا نثق سوى بالحقيقة الجاهزة، نخشى السؤال… أو نخاف أن نفقد ما اعتدنا عليه. ومع تكرار محاولات أمير، ربما نسيت أن أخبركم: أن والده… كان معلّمًا في المدرسة ذاتها، يُدرّس الصفين الأول والثاني. في تلك الأثناء، كان أستاذه قد أخبر الإدارة بتصرّفاته، وإصراره في كل مرة على التشكيك في ما يُطرح داخل الصف. في البداية، كان ردّ المدير هادئًا: "علينا أن نتحمّله… هؤلاء كأبنائنا." لكن بعد الحادثة الأخيرة، تغيّر موقفه، وقال: "سنتحدّث مع والده، الأستاذ فاضل… ولنجتمع لنفصل في أمره." وفي تلك اللحظة، رنّ جرس الانصراف للدوام الصباحي… لكن شيئًا في داخل أمير لم ينصرف. كانت المدرسة تعمل بنظام التناوب، بين دوام الصباح… ودوام ما بعد الظهيرة، لتستوعب عدد طلاب القرية بينما كان الطلاب قد بدأوا يتدافعون ويتزاحمون نحو الخروج، تعالت الأصوات من كل جانب… منهم من يصرخ ويشتم، لأنه تلقّى ضربةً عن غير قصد، وآخر يصرخ بأعلى صوته، معلنًا النهاية بكلمةٍ واحدة: "عالبييييت!" يمدّها قدر ما يتّسع له صوته، مرفقةً بتصفيرٍ وضحكات، وضجيجٍ يتناثر من هنا وهناك. وكان رجلٌ يمشي في باحة المدرسة، يطوف بين أبوابها ونوافذها. بوجهٍ شاحب، يميل بين الحدة والقسوة، كأنّه يقطر سمًّا. ممتلئ البنية، يضع يديه خلف ظهره، ويمشي حاملاً عصًا غليظة، خشبها داكنٌ، يميل إلى الاسوداد، تبدو قديمةً من كثرة ما اصطدمت بالأرض… والأجساد. نُقشت عليها عبارة… ليست واضحة تمامًا، لكنها تعني الكثير لمن يعرفها: "أمّ سليمان… لكلّ كسلان." الفصل ٣ ما إن انتهى دوامُ أولِ نوبةٍ، حتى تبادل الأساتذة أدوارهم، وبدؤوا بالتجمّع داخل غرفة الإدارة. غرفةٌ تبدو واسعةً في حجمها، لكنها تغصّ برائحة السجائر، التي غالبًا ما تكون "لفّ". ومع أنّ على الباب ملصقًا كُتب عليه: "ممنوع التدخين"، إلا أنّه لم يعد أكثر من عادةٍ في دوائرٍ حكومية… لا تُطبَّق. كانت الغرفة مكتظّةً بالأوراق والكتب المهملة، المتناثرة في الزوايا، وأحيانًا على الطاولة، حيث يحتسي أحدهم فنجان قهوة بصمت. تلك الطاولة… لم تعد مجرّد قطعة أثاث، بل صارت جزءًا من المشهد. تشبه لوحات الفسيفساء في شكلها فقط، لا في ألوانها ولا تفاصيلها؛ فقد بهتت، وتآكلت أطرافها، حتى غدت بلا زوايا واضحة… كأنها فقدت هويتها بين كثرة الاستخدام. هناك، خلف طاولة المكتب، كان يجلس رجلٌ يكاد يكون جزءًا منها، ملتصقًا بها كأنها امتدادٌ له. بشعرٍ خالطه الشيب، ونظاراتٍ سميكة، جعلت الطلاب يطلقون عليه لقب: "أبو أربع عيون." كان يحدّق نحو الباب، ينتظر دخول شخصٍ ما، ويعدّل نظارته بين الحين والآخر. ذلك الشخص… هو الأستاذ فاضل. رجلٌ قويّ البنية بعض الشيء، ليس قصير القامة، تعلو عينه شامة صغيرة. يرتدي بلوزةً سوداء، وتحتها قميصًا كحليّ اللون، يحمل حقيبته بيده. أما ملامحه، فكانت تحمل شيئًا من البرود… الممتدّ بين صمتٍ ثقيل. ألقى التحية على الحاضرين. كانت الغرفة خاليةً من الأساتذة، إلا قِلّةٍ منهم؛ فقد انصرف الجميع إلى حصصهم. كان من المفترض أن يبدأ درسه، لكن المدير استوقفه قائلًا: "أبقَ قليلًا… أريد التحدّث معك." … بنبرةٍ لم تكن تحتمل التأجيل. عندها، قرّر من تبقّى مغادرة الغرفة، والتوجّه إلى حصصهم. وبعد أن خلت الغرفة، قال المدير، مخاطبًا الأستاذ فاضل، بسؤالٍ حمل في طيّاته استغرابًا واضحًا: "ما هذه الأفكار التي تُزرع في عقل صبيّكم… أمير؟" بشيءٍ من الارتياب، تبدّل وجه الأستاذ فاضل قليلًا، وقال: "أيّ أفكارٍ تلك؟ عن ماذا تتحدّث يا أستاذ؟ وماذا فعل أمير؟" قاطعه المدير بنبرةٍ هادئة: "اهدأ… اهدأ." ثم تابع: "أردتُ فقط أن أُخبرك أن أمير…" … وصمت لحظة، كأنه يختار كلماته بعناية. وقال بصوتٍ يحمل نبرةً بين الترهيب… وتخفيف حدّته: "يا أبو أمير… ابنك ما عم يعجبه شيء ممّا نعطيه، سواء كان في التاريخ… أو في الدين. وأنت بتعرف شو يعني هالشي… … وخاصّة بهالأمور." تردّد قليلًا، ثم تابع بصراحةٍ مرتبكة: "بصراحة… مو عارف كيف بدي احكي لك… أو أوصف لك." بدا الأستاذ فاضل مذهولًا… مستغربًا، وقال بنبرةٍ متوترة: "احكي… فهمني. تفضّل… شو صاير؟" سكت المدير لحظة، وتبدّلت ملامحه بشيءٍ من الحذر، كأنه يزن كلماته قبل أن ينطق بها. خفض صوته قليلًا، محاولًا أن يجمع بين الحزم… وتخفيف حدّة ما سيقوله، ونادى عليه: "يا أبو أمير…" تردّد، ثم أكمل بنبرةٍ قلقة: "يعني… بصراحة، ابنك ماشي بطريق خطير، طريق… الإلحاد… لا سمح الله." توقّف لحظة، ثم رفع نظره إليه، مضيفًا بثقلٍ واضح: "وصل فيه الأمر أن يشكّك بوجود الخالق… أتتخيّل؟" تحوّل وجه الأستاذ فاضل، بين صدمةٍ… وذعرٍ… وخوف. وقال بإنكارٍ واضح: "مستحيل! أمير ملتزم… حتى في صلاة الفجر. أنا من أتولّى أموره الدينية في البيت، أوقظه دائمًا… وأشدّد عليه ليبقى قريبًا من الله." صمت المدير لوهلة، وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يهيّئ نفسه لما سيقوله. ثم قال بنبرةٍ أثقل: "يا أبو أمير… دير بالك على ابنك. علّمه أمور ديننا، وعادات مجتمعنا… ولا تتركه." توقّف قليلًا، ثم أضاف: "الله بيحاسبك كمان… إذا تركته." ثم نظر إليه نظرةً مباشرة، وقال: "أنت أستاذ… ومتعلّم… وبتفهم." بين صمتٍ… وارتباك، شعر الأستاذ فاضل برجفةٍ باردة تسري في جسده، حتى اهتزّت يداه قليلًا. حرّك شفتيه، كأن صوته تلاشى قبل أن يولد، ثم قال بصعوبة: "خلّي الموضوع بيناتنا… ما بدي حدا يسمع بهالحكي. هاد الكلام إذا طلع لبرا… بتعرف شو بيصير." توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أخفض: "رح شوف أمير… وأتدبّر الأمر." ثم نهض من الكرسي بهدوء، كأنّ جسده صار أثقل ممّا يحتمل، يجرّ قدميه ببطء… كأن الأرض تشدّه إليها. بعد أن غادر الغرفة، كان وجهه مسحوب الألوان، وشحوب الصمت بدأ يتشكّل عليه. كان يغرق في أفكاره، حتى بلغ أعمقها… تائهًا، لا يعرف ماذا يفعل، ولا كيف يتصرّف. "ماذا لو ذاع في البلدة أن ابني ملحد…؟ أو أنه ينشر ذلك الفكر اللعين؟" ماذا… وماذا… من بين تلك الأفكار، بدأت تنسلّ فكرةٌ، كوميضِ ضوءٍ في بدايتها: أن يتحدّث مع أخيه… عمّ أمير، الإمام في جامع القرية. ربما يستطيع أن يبدأ معه، ببعض الدروس، تمنح أمير شيئًا من الاستقرار الفكري. لكن شيئًا… كوخزٍ قديم، اعترضه. كيف له أن يفعل ذلك، وقد مضى زمنٌ طويل منذ آخر حديثٍ بينهما؟ كانت القطيعة قد نشأت حين تُوفي والدهما، وترك أخوه تقسيم الميراث بظلمٍ واضح؛ إذ قسّم أرض أخواته البنات إلى أجزاءٍ صغيرة، لا تصلح للزراعة… ولا للبيع، بحجّة أن أصهارهنّ سيستفيدون منها لاحقًا. ومنذ ذلك اليوم، تمدّد الخصام بينهما، كجرحٍ لم يلتئم. ومع ذلك… بدت تلك الفكرة أكثر عقلانية من صمته الطويل. الفصل ٤ كان أمير في طريقه، وفق روتينه اليومي بين البيت ووجهته المعتادة. كان يومًا مرتبكًا، كسماءٍ تتشكّل سحبها وتتشابك، ثم تهوي… أمطارٌ كالمسامير على الأرض من غزارتها. ثم تتفكك… وتنفصل، ويتلاشى جزءٌ منها، لتخلق فاصلًا تتسلّل منه الشمس كخيوطٍ خفيفةٍ من الضوء. نهارٌ مثقلٌ بضجيجٍ بدأ يتسلّل تدريجيًا… صوت بائعٍ يصيح، مكرّرًا جملته بلا توقف: "خردة… ألمنيوم… نحاس… حديد." كان ذلك الضجيج يمرّ من حوله، لكنّه في داخله… لم يكن مجرد صوت. بل كان امتدادًا لذلك الاضطراب الذي لم يهدأ، كأن العالم الخارجي يعيد إنتاج ما بداخله… بصوتٍ أعلى. في لحظةٍ ما، وأثناء سيره برفقة راشد… ذاك الفتى الذي تذكّرونه، المثقل بشيءٍ يشبه الرهاب، كانا يمشيان وسط ذلك الضجيج. أمير يركل شيئًا أمامه بقدمه، كلاعب كرةٍ شارد، بينما كان راشد يلتفت حوله بين حينٍ وآخر، كأنّه يخاف شيئًا… يجهله. كان أمير يفكّر في أمرٍ ما، تردّد في البداية، خوفًا من أن يُفشي ما بداخله… لكنه حسم أمره، وسأل: "شو رأيك بكل اللي عم يصير؟" أجابه راشد باستغراب: "بماذا تقصد؟" قال أمير: "بكل شي… الحياة، الناس، تفكيرهم… تفكيرنا، هالشي اللي بيسمّوه تفلسف!" تبعثرت كلماته قليلًا، كأنها تبحث عن شكلٍ واضح، لكن راشد كان ينصت. ثم قال بهدوء: "يا أمير… يمكن ما فهمت كل اللي عم تقوله حرفيًا، بس… أنا حاسس فيك." صمت لحظة، ثم أكمل: "بس نحنا لسا صغار… مين رح يسمع لهالحكي؟ مثل ما بيقولوا… سخافات." بدا الانفعال على أمير، وقال: "إيه… نحنا صغار، مو كبار… بس العقل مو إله عمر! ما بيتغيّر بالحجم… بس بطريقة تفكيره." اقترب قليلًا، وقال بنبرةٍ أخفض: "اسمعني منيح… أنا بدي أعمل شي." نظر إليه راشد: "مثل شو؟" تردّد أمير، ثم قال: "شي… ما بعرف شو هو بالضبط… بس شي مختلف." صمت لحظة، كأن الفكرة تتشكّل داخله، ثم قال فجأة: "ليش ما نعمل شي… مثل اللي بيسموه ثورات فكرية؟" اتسعت عينا راشد: "ثورات؟ كيف يعني؟!" ابتسم أمير ابتسامة خفيفة، وقال: "بصراحة… قرأت مرة جملة، ما بتذكر وين… كتاب أو جريدة، بس علقت براسي." ثم أكمل: "الثورات العظيمة ما بتبدأ بالشوارع… بتبدأ بالعقول اللي ترفض تبقى مثل ما هي. كان ذلك الحوار أشبه بترانيم حديث، يتسلّل من كلمةٍ إلى جملة، ثم ينحدر إلى فكرةٍ لا تشبه بدايته. لم تكن طريق العودة تتجاوز ربع ساعةٍ، لكن الحديث مدّ في الزمن ظلّه، وأطال المسافة بين خطوةٍ وأخرى، كأن الوقت فقد وزنه، وصار ينساب مع الكلام… لا مع المسافة. انحرفا عن الدرب دون وعيٍ واضح، كأن الكلمات هي من تسحبهما، لا الطريق. كانا يمشيان في شوارع ترابية، ما زالت تحتفظ ببقايا المطر، تغوص الأقدام فيها قليلًا، ثم تُسحب ببطء، كأن الأرض لم تُنهِ استقبالها بعد. ويبقى الأثر لوهلة، أطول مما ينبغي… ثم يختفي، كأنّه لم يكن. الفصل ٥ حتى عاد كلٌّ منهما إلى بيته… منفردًا. كان راشد قد اقترب من منزله. ورغم تأخّره، ومعرفته أن أمّه لن تترك الأمر دون توبيخٍ — أو ما هو أشد — إلا أنه لم يتراجع، ومضى حتى النهاية. أمّا أمير، فكان طريقه أطول قليلًا. مرّ بماركتٍ صغير، اشترى بعض الأقلام والدفاتر الناقصة، ثم تابع طريقه. وصل إلى بيته. بيتٌ ريفيّ، تلتفّ حوله الأشجار، ويمتدّ الورد على جانبيه. بوابة، وسورٌ مرتفع قليلًا، ودرَجٌ متصدّع عند الأطراف. كان السطح… أكثر ما يريحه في هذا البيت، مكانًا يشعر فيه أن الجدران أخفّ ممّا تبدو عليه. في الداخل، كانت أمّه منشغلة بأعمال البيت؛ أنهت الغسيل، وتُحضّر الطعام، حين فُتح الباب. رفعت صوتها فورًا: "أمير… رجعت؟" أجاب: "إي، جيت." ثم قالت، وفي صوتها حنانٌ واضح: "تأخّرت يا ابني… وينك لهلأ؟ بدّل تيابك، وجهّز للغدا… أبوك قرب يوصل." كان الوقت يسير على الأستاذ فاضل بخفةٍ… وثقلٍ في آنٍ واحد، أو هكذا كان يشعر. عاد إلى المنزل، وجلس إلى مائدة الغداء. لاحظت أمّ أمير شيئًا غريبًا يحيط به، فسألته: "شو في؟ مو مبين عليك بخير." تنفّس بعمق، ثم أخبرها بما حدث. صمت لحظة، ثم قال بنبرةٍ مثقلة: "أنا… أنا اللي صنعت أمير بهالشكل… بهالانحراف الفكري." حاولت أن تهدّئه، وقالت بلطف: "لا تقول هيك… أنت ما عملت شي، هو طفل… وهذا طبيعي." لكنّه لم يكترث، وأردف بصوتٍ يختلط فيه الندم: "أنا من صغره… ما عاملته كطفل." توقّف قليلًا، ثم تابع: "ما اشتريت له ألعاب… ما أخدته عالملاهي… ولا حتى عالحديقة. ما خليته يعيش مثل باقي الأولاد." أطرق برأسه، وأكمل: "كنت بدي ياه يكون مفكّر… يعمل اللي أنا ما قدرت أعمله." تنهد، وقال: "بس… مو هيك كان بدي النتيجة." ثم تابع، وكأن الكلمات تنسحب منه بصعوبة: "كنت اشتري له كتب بدل الهدايا… آخده معي عالندوات… حتى أفلام الأطفال، ما تركته يعيشها… كنت أنا اللي أختار له كل شي." رفع نظره، وقال بثقل: "شو صار بالنهاية؟ عم بحصد اللي زرعته… بس مو بالطريقة اللي توقعتها." سكت لحظة، ثم قال بحزمٍ خافت: "بس رح أصلّح هالشي." نظرت إليه زوجته باستغراب: "كيف؟" أجاب: "حكيت مع أخي… وأمير رح يحضر كل دروسه بالجامع." تجمّدت ملامحها، وقالت بدهشة: "أخوك؟ مو كنتو—" قاطعها بسرعة: "إيه… مشان أمير." سكتت لحظة، ثم قالت بتردّد: "بس أمير… ما عاد صغير مثل طلاب الجامع." أجاب ببرودٍ حاسم: "ما بيهم… المهم يتعلّم." كانت الساعة تشير إلى الثامنة وسبع عشرة دقيقة، وكان الظلام قد أطبق بكفّيه على المكان، لا يترك إلا شقوقًا ضيّقة يتسرّب منها ضوء قمرٍ بدري… كأنّه يتنفّس بصعوبة. في الداخل، كانت أمّ أمير ما تزال تُنهي ما تبقّى من أعمال البيت؛ تدخل المطبخ، ثم تخرج إلى الشرفة، تنشر الغسيل… أو تجمعه، ثم تعود من جديد، كأنها تدور في حلقةٍ لا تنتهي. بدت وكأنها تُحضّر شيئًا ما؛ ربما نوعًا من الحلوى، أو تُجهّز ما ستعدّه لطعام الغد. وحين أنهت كل مهامها، بدأت جولتها التفقدية في البيت، تبحث عن شيءٍ ما… ربما أضاعته، أو نسيته بين يديها. حتى وصلت إلى غرفة أمير. كان الباب مغلقًا. طرقت بنقرتين خفيفتين، ثم فتحت. غرفة بسيطة؛ طاولة تحتل زاوية منها، ونافذة تتوسط الجدار، وعلى يمينها سرير أمير. كان يجلس خلف الطاولة، منشغلًا بشيءٍ ما. بدت ملامح وجهه غير مألوفة… مشوَّشة، كأنّ شيئًا ما يستولي على تفكيره. سألته: "كيف دروسك يا ابني؟" ثم أردفت بلطف: "كيف كان يومك؟" ردّ على سؤال أمّه بصوتٍ مرتجفٍ متقطّع: "تمام… ماشي الحال. "كمّل دراستك، ولا تخلي شي يشغلك عنها… ما فيك تغيّر العالم. ادرس… تخرّج… وتزوّج… هاي هي حياتك يا ابني مو أكتر.نقطة الحيادهناك أماكن...لا يُقاس البعد عنها بالخطوات،بل بما تتركه في الروح حين تغادرها.سَدَمحين تصبح بلا رغبة...ولا ندم...ولا شوق...ولا ألم...وتغدو مجرّد لحمٍ يسير بأمر الزمن...فلا تقل إنّك حيّ.تأكّد فقط...أنّك هنا.حيث لا يموت الإنسان...بل يموت ما كان يجعله إنسانًا.أهلًا بك...في سَدَم، يا نِيراس.—ارتجف أمير فجأة.—واتّسعت عيناه.—ثم صاح:— سَدَم...!—— أتذكّرها...—— أتذكّرها جيّدًا!—تراجع خطوة.—ثم صرخ بغضب:— ماذا؟!—— أيّها الوغد...—— أتريد أن تُسلّمني إلى صفادك؟—— لن أسمح لك!—— سأقضي عليك!—واندفع نحوه.—لكنّ عتمور بقي ثابتًا.—وقال بهدوء:— اهدأ يا نِيراس.—— لو أردت تسليمك...—— لما جئت بك إلى هنا أصلًا.—قهقه أمير بسخرية.—ثم قال:— وهل تريدني أن أصدّقك مرّةً أخرى؟—— أما شبعت من الكذب؟—رفع عتمور رأسه.—وقال ببرود:— أنت غبي.—— ولو كنت تفهم...—— لما وقفت الآن تصرخ في وجهي.—اشتعل غضب أمير.—وقال:— أنا الغبي؟!—— يا تافه!—ابتسم عتمور ابتسامةً باهتة.—ثم قال:— أجل...—— لأنّك لم تفهم بعد.—— لم آتِ بك إلى سَدَم لأسلّمك.—س
ما تبقّى من أميربعضُ الحروب...لا تُخاض بين شخصين.بل بين اسمٍ...وذاكرة.---حتى وإن صدقت...وإن كان جسدك نِيراس...فإنّ روحك ما زالت أمير.ويجب عليّ أن أُنقذ آخر ما تبقّى من أمير...قبل أن تنزف روحه.جلس مكانه.ونظراته معلّقة بالمكان الذي اختفى فيه عتمور.وكان الصمت...يسري في داخله ببطء.حتى كاد يختنق بأفكاره.يحاول إنكار الحقيقة...لكنّه لم يستطع.ثم همس لنفسه:— مهلًا...— هل أنتظر عتمور؟— أم أخرج من هنا؟— وإن كان عتمور يخدعني...— فلن يغفر لي دَجين.دَجين...لكن دَجين لم يغفر لك أصلًا...إن كان قد سمع حديثكما فعلًا.ساد الصمت.ثم جاءه صوتٌ من أعماقه:— ومن تكون أنت؟— ألم تعرفني بعد؟— أم أنّك تحاول نسيان من تكون؟أغمض أمير عينيه.ثم صاح:— لم أعرفك!— من أنت؟!جاءه الصوت من جديد:— انظر إليّ...— ربّما ترى ملامحًا بعيدة...— ما زال شيءٌ منها يسكنك.ثم ضحك بخفوت.وقال:— وهل هذا...— ما تبقّى منك؟— اسمك أمير...— وهل يغيّر ذلك شيئًا...— إن بقي؟— لقد محوتَ كلَّ أثرٍ...— كان يمكن أن يعيدك إليّ.— ولكن انظر...— ها أنت تعود.ساد الصمت.ثم عاد الصوت يهمس:— أنا لستُ مجرّد اسم
الوهم—ليس كلُّ ما تتذكّره...—قد عاشه قلبك.—ساد هدوءٌ...—يبعث في النفس ريبةً لا تُفسَّر.—حتى بدا المكان...—وكأنّ الصمت قد تسلّل إلى جدرانه.—فصار كلُّ ما فيه...—يشبهه.—وكان أمير يشعر...—أنّ صوتًا غير مسموعٍ يقطع أنفاسه.—ويتردّد في داخله سؤالٌ واحد:—من أنا؟—ومن أكون؟—لكنّه تردّد في طرحه.—وكأنّ كلّ ما حدث...—جعل تصديق المستحيل أهون عليه من إنكاره.—رفع رأسه ببطء.—ونظر إلى عتمور.—ثم قال بصوتٍ مكسور:— أرجوك يا عتمور...—— كفى هذا الهراء.—— حقًّا...—— لم أعد أحتمل.—— أرجوك...—— أتوسّل إليك.—أغمض عتمور عينيه.—ثم قال بهدوء:— نِيراس...—— الإنسان يولد مرّتين.—— مرّةً حين تلدُه أمّه.—— ومرّةً حين يلدُه الألم.—— والمفارقة...—— أنّ اللحظتين كلتيهما مؤلمتان.—— وبعد الألم...—— يأتي تقبّل الحقيقة.—— ولو بعد سنين من الوهم.—خفض أمير رأسه.—ثم همس:— يا الله...—— لماذا يحدث كلّ هذا معي أنا؟—ساد الصمت.—ثم أردف بصوتٍ يكاد يختنق:— أمّي...—— أبي...—— هل كانوا جميعًا وهمًا؟—— ماذا...—— لا أصدّق...—— لا أصدّق.—— لا أستطيع
— أعرف. — — أرى ما أنتم. — — لكنّني أسألكم عمّا كنتم... — — قبل أن تنساكم الحقيقة. — بينما كان أمير يحاول النهوض من ارتطامته العنيفة... — عادت الأصوات. — لكن هذه المرّة... — بصوتٍ واحد. — "أنا نَفَسُك يا أمير... — أنا روحك التي ألقيتَ بها في هذا الفراغ المظلم. — لن آتي من العدم. — بل جئت لأعيدك. — هيا يا أمير... — هذا ليس مكاننا. — تعال..." — اتّسعت عينا أمير. — وصاح بذهول: — لا... — — لا... — — هذا يكفي! — وكان الصوت يتردّد في رأسه. — "لن تستطيع الكذب على نفسك. — أنت أمير... — ولست نِيراس. — تعال... — تعال..." — اقترب أمير. — وكأنّ إرادته لم تعد ملكه. — شيءٌ خفيّ... — كان يجذبه إلى الداخل. — ثم سقط على ركبتيه. — وأخذ يضرب رأسه بكلتا يديه. — وهو يصرخ: — هذا أنا... — — هذا أنا! — — ما زلت حيًّا! — — ولن أصبح نِيراس! — — أنا أمير! — — يكفي... — — يكفي! — ثم ارتفع صوتٌ آخر. — "أمير... — ولدي..." — تجمّد مكانه. — وهمس: — أمّي... — — أمّي! — "تعال يا بني... — أما اشتقت إلى أمّك؟" — انهمرت دموعه.
Ulasan-ulasan