مشاركة

الفصل الثامن

مؤلف: سحر جاد
last update تاريخ النشر: 2026-06-12 23:45:33

وقف يوسف أمام رهف للحظات طويلة.

كان واضحًا إنه بيفكر.

يتكلم؟

ولا يفضل ساكت؟

لكن لأول مرة منذ بداية كل ما يحدث، شعر أن الصمت أصبح أخطر من الحقيقة نفسها.

نظر إلى مازن ثم إلى لؤي.

وأخيرًا إلى رهف.

وقال بهدوء:

ـ تعالى معايا.

عقدت رهف حاجبيها.

ـ على فين؟

ـ هقولك حاجة لازم تعرفيها.

تجمدت ملامحها.

لأول مرة يقول جملة كهذه.

طوال الوقت كان يتهرب.

يطلب منها الصبر.

يقول "مش وقته".

أما الآن...

فهو بنفسه يريد الكلام.

---

خرجوا إلى نهاية الممر بعيدًا عن الأطباء والمرضى.

وقفت رهف أمامه وهي تعقد ذراعيها.

ـ اتفضل.

تنهد يوسف.

ـ فاكرة وإنتي صغيرة لما وقعتي من فوق العجلة؟

رمشت رهف باستغراب.

ـ إيه علاقة ده باللي بيحصل؟

ـ جاوبي.

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

ـ كنت عندي سبع سنين تقريبًا.

أومأ برأسه.

ـ فاكرة مين اللي لحقك؟

ـ إنت.

ـ ومين اللي ودّاكي المستشفى؟

ـ إنت برضو.

ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة.

ـ ومين فضل صاحي جنبك طول الليل؟

سكتت رهف.

كانت تعرف الإجابة.

---

خفض يوسف بصره للحظة.

ثم قال:

ـ عمري ما اعتبرتك مجرد بنت عمي.

شعرت رهف أن قلبها انقبض.

لكنها لم تتكلم.

---

ـ من يوم ما كنتي صغيرة وأنا شايفك مسؤوليتي.

رفع عينيه إليها.

ـ وعشان كده في حاجات كنت بعملها من غير ما تعرفي.

رهف:

ـ زي إيه؟

---

صمت يوسف.

ثم قال:

ـ من حوالي خمس سنين... حد حاول يراقب البيت.

تجمدت رهف.

ـ إيه؟

ـ وقتها افتكرناها صدفة.

بس بعد كده الموضوع اتكرر.

أكتر من مرة.

---

بدأت رهف تشعر بقشعريرة.

ـ وبابا كان عارف؟

ـ أيوة.

---

اتسعت عيناها.

ـ يعني بابا كان مخبي عليا؟

ـ كان بيحاول يحميكي.

---

ضحكت رهف بمرارة.

ـ واضح إن الحماية عندكم معناها الكذب.

---

لم يرد يوسف.

لأنه يعلم أنها محقة.

---

في الجهة الأخرى من الممر...

كان لؤي واقف عند النافذة.

يتابع الحديث من بعيد.

ووجهه يزداد قتامة مع كل دقيقة.

---

اقترب منه مازن.

ـ مالك؟

لم يرد لؤي فورًا.

ثم قال:

ـ يوسف اتأخر.

ـ في إيه؟

تنهد لؤي.

ـ في حاجات لو اتقالت دلوقتي... هتبقى كارثة.

---

نظر إليه مازن باستغراب.

ـ إنت ليه متأكد كده؟

التفت لؤي نحوه.

وقال جملة جعلت مازن يتجمد:

ـ لأن اللي بيدوروا على الملف... مش بيدوروا على الملف أصلًا.

---

ـ يعني إيه؟

ـ الملف مجرد مفتاح.

---

شعر مازن أن الأمور تزداد تعقيدًا.

ـ مفتاح لإيه؟

لكن لؤي لم يجب.

---

في نفس اللحظة...

في مكان آخر.

بعيد عن المستشفى.

داخل مكتب واسع تغرقه الإضاءة الخافتة.

جلس رجل في منتصف الخمسينات من عمره.

يرتدي بدلة سوداء أنيقة.

وأمامه شاشة كبيرة.

تظهر عليها صورة المستشفى.

وصورة رهف.

وصورة يوسف.

---

دخل أحد الرجال.

ـ يا فندم...

رفع الرجل عينيه ببطء.

ـ نعم؟

ـ الناس اللي بعتناهم للبيت فشلوا.

---

ساد الصمت.

ثوانٍ طويلة.

مرعبة.

ثم ابتسم الرجل.

ابتسامة باردة.

مخيفة.

---

ـ كنت متوقع.

قالها بهدوء شديد.

---

الرجل:

ـ البنت كانت هناك؟

ـ أيوة يا فندم.

ـ كويس.

---

نظر إلى صورة رهف على الشاشة.

وظل يتأملها طويلًا.

ثم همس:

ـ أخيرًا كبرتي يا رهف.

---

في الخارج...

شعر الرجل المساعد بالقشعريرة.

لأنه يعرف أن تلك النبرة لا تحمل خيرًا أبدًا.

---

عاد الرجل إلى مقعده.

وأمسك ملفًا قديمًا للغاية.

أطرافه مهترئة.

---

فتح الصفحة الأولى.

وظهرت صورة قديمة.

صورة تضم عدة أشخاص.

من بينهم...

مصطفى.

وشخص آخر تم تمزيق نصف وجهه من الصورة.

---

ابتسم الرجل ببطء.

وقال:

ـ حان وقت تصفية الحسابات.

---

ثم أغلق الملف.

وأصدر أمرًا واحدًا فقط:

ـ راقبوا رهف أربعًا وعشرين ساعة.

---

في المستشفى...

لم يكن أحد يعلم أن الخطر أصبح أقرب من أي وقت مضى.

وأن ما حدث حتى الآن...

ليس سوى البداية.

---

مرّت ساعة كاملة...

ساعة بدت وكأنها سنة بالنسبة لرهف.

كانت جالسة أمام غرفة العناية المركزة، تحدق في الأرض بصمت.

أول مرة في حياتها تشعر بهذا القدر من العجز.

طوال عمرها كانت مدللة والدها.

كل مشكلة كانت تنتهي بمجرد أن يقول لها مصطفى:

"متخافيش يا رهف... أنا موجود."

أما الآن...

فهو بالداخل.

بين الأجهزة والأطباء.

وهي بالخارج.

لا تستطيع فعل شيء.

---

رفعت رأسها عندما اقتربت منها زينب.

كانت قد وصلت إلى المستشفى منذ قليل بعدما أخبرها مازن بما حدث.

جلست بجوار ابنتها واحتضنتها بقوة.

فور أن شعرت رهف بأحضان والدتها...

انهارت.

انهمرت دموعها بغزارة.

واختنق صوتها:

ـ ماما...

ربتت زينب على شعرها.

ـ هيبقى كويس إن شاء الله.

ـ أنا خايفة.

ـ أبوكي قوي.

لكن الحقيقة...

أن زينب نفسها كانت خائفة.

بل مرعوبة.

لأنها رأت ذلك الخوف في عيني مصطفى قبل أن يفقد وعيه.

خوف لم تره فيه طوال سنوات زواجهما.

---

في الجهة الأخرى...

كان يوسف واقفًا عند النافذة.

ينظر إلى الشارع أسفل المستشفى.

شاردًا.

حتى اقترب منه لؤي.

وقف بجواره.

ثم قال بهدوء:

ـ لازم نتكلم.

يوسف لم ينظر إليه.

ـ مفيش كلام بيني وبينك.

ـ بالعكس.

التفت يوسف إليه أخيرًا.

كانت عيناه ممتلئتين بالغضب.

ـ أنا تعبت من ألغازك.

ـ وأنا تعبت من إنك فاكر إنك تقدر تحمي الكل لوحدك.

اشتد فك يوسف.

ـ على الأقل بحاول.

ابتسم لؤي بسخرية.

ـ بتحاول؟

ثم اقترب خطوة.

ـ ولا بتحاول تخفي الحقيقة؟

---

سادت لحظة صمت متوترة.

ثم قال يوسف بحدة:

ـ قول اللي عندك.

خفض لؤي صوته.

ـ مصطفى لازم يقول الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.

---

تجمد يوسف.

ـ مش وقته.

ـ بالعكس.

دلوقتي وقته.

---

نظر إليه يوسف طويلاً.

ثم قال:

ـ لو رهف عرفت الحقيقة كلها مرة واحدة...

هتنهار.

---

رد لؤي ببرود:

ـ ولو ما عرفتهاش...

ممكن تموت.

---

كانت الجملة كفيلة بإشعال الموقف.

أمسك يوسف ياقة قميصه بعنف.

ـ بلاش تتكلم عنها بالشكل ده.

نظر لؤي إلى قبضته.

ثم قال بهدوء مستفز:

ـ شوفت؟

دي مش طريقة واحد بيعتبرها مجرد بنت عمه.

---

تصلبت ملامح يوسف.

لكن قبل أن يرد...

فتح باب غرفة العناية.

وخرج الطبيب.

---

قفز الجميع من أماكنهم.

رهف:

ـ بابا عامل إيه؟

أجاب الطبيب:

ـ فاق شوية.

اتسعت عيناها.

ـ بجد؟

ـ بس حالته لسه ضعيفة جدًا.

---

ثم نظر الطبيب إلى يوسف.

ـ هو طلب يشوفك.

---

ساد الصمت.

نظر الجميع إلى يوسف.

حتى رهف نفسها.

---

عقدت حاجبيها.

لماذا طلب يوسف بالتحديد؟

ولم يطلبها هي؟

أو زوجته؟

---

شعر يوسف بنظراتهم.

لكنه لم يعلق.

واتجه مباشرة إلى الغرفة.

---

دخل ببطء.

أغلق الباب خلفه.

---

كان مصطفى مستلقيًا على السرير.

شاحب الوجه.

ضعيفًا بشكل مؤلم.

لكن عينيه كانتا مفتوحتين.

---

اقترب يوسف منه بسرعة.

ـ حمد لله على السلامة يا عمي.

رفع مصطفى يده بصعوبة.

وأشار له أن يقترب أكثر.

---

انحنى يوسف نحوه.

فهمس مصطفى بصوت متقطع:

ـ اسمعني كويس...

ـ أنا سامعك.

---

أغمض مصطفى عينيه للحظة.

ثم قال:

ـ لو جرالي حاجة...

احمي رهف.

---

شعر يوسف بأن قلبه انقبض.

ـ متقولش كده.

---

لكن مصطفى أكمل:

ـ اسمعني...

الوقت قليل.

---

أخذ نفسًا متعبًا.

ثم قال:

ـ خالد رجع.

---

تجمد يوسف.

---

كانت تلك أول مرة يسمع الاسم من مصطفى نفسه.

---

أكمل مصطفى بصعوبة:

ـ خالد مش بيدور على الملف.

---

اتسعت عينا يوسف.

---

ـ أمال بيدور على إيه؟

---

نظر مصطفى مباشرة إلى عينيه.

وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه:

ـ بيدور على رهف.

---

سقط الصمت فجأة.

---

يوسف شعر وكأن الأرض اهتزت تحته.

---

ـ رهف؟!

---

أومأ مصطفى بصعوبة.

ثم همس:

ـ هي السبب...

---

لكن قبل أن يكمل...

بدأت أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا مرتفعة.

---

دخل الأطباء بسرعة.

وأبعدوا يوسف عن السرير.

---

خرج من الغرفة مصدومًا.

---

في الخارج...

وقفت رهف أمامه فورًا.

ـ بابا قال إيه؟

---

نظر إليها يوسف.

طويلًا.

طويلًا جدًا.

---

ثم تذكر جملة مصطفى الأخيرة:

"خالد مش بيدور على الملف... خالد بيدور على رهف."

---

وشعر لأول مرة...

أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد.

---

وفي نهاية الممر...

كان رجل غريب يقف مرتديًا قبعة سوداء.

يراقب الجميع بصمت.

---

ثم أخرج هاتفه.

وقال بهدوء:

ـ أكدت المعلومة.

---

جاءه صوت من الطرف الآخر:

ـ والبنت؟

---

ابتسم الرجل.

ونظر ناحية رهف.

ثم قال:

ـ تحت المراقبة.

---

وأغلق الخط.

---

في اللحظة نفسها...

شعرت رهف بقشعريرة غريبة تسري في جسدها.

كأن أحدًا يراقبها.

---

لكنها لم تكن تعلم...

أن عينين بالفعل كانتا تراقبانها.

منذ سنوات طويلة.

---

يتبع... 🔥

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • وجع باسم الحب   الفصل السابع و الخمسون

    "يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها

  • وجع باسم الحب   الفصل السابع و الخمسون

    "يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها

  • وجع باسم الحب   الفصل السادس و الخمسون

    "دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س

  • وجع باسم الحب   الفصل الخامس و الخمسون

    تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت

  • وجع باسم الحب   الفصل الرابع و الخمسون

    بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي

  • وجع باسم الحب   الفصل الثالث و الخمسون

    ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر

  • وجع باسم الحب   الفصل الأربعون

    تجمد الزمن حول رهف.لم تعد تسمع أصوات الرصاص.ولا صراخ الرجال.ولا ارتطام الأجساد بالأرض.كل شيء اختفى.كأن العالم كله انكمش داخل تلك الورقة الصغيرة بين يديها."العنصر الأساسي للمشروع: رهف مصطفى الهلالي."أعادت قراءة السطر مرة.ثم مرتين.ثم عشر مرات.وفي كل مرة كانت الكلمات تصبح أكثر قسوة.وأقل منط

  • وجع باسم الحب   الفصل التاسع و الثلاثون

    لم يفهم يوسف معنى الكلمات في البداية.لكن الطريقة التي قال بها مصطفى الجملة كانت كافية لتزرع القلق في النفوس."هو لسه عايش..."تقدم إبراهيم بسرعة.وخطف الجهاز من يده.قرأ الاسم الظاهر على الشاشة.فتغيرت ملامحه هو الآخر.للحظة قصيرة جدًا...بدت عليه الصدمة.ثم عاد ذلك القناع البارد الذي اعتاد الجميع

  • وجع باسم الحب   الفصل الثامن و الثلاثون

    الظلام ابتلع المكان بالكامل.لثوانٍ طويلة لم يسمعوا سوى أصوات أنفاسهم.متقطعة.متوترة.وممتلئة بالترقب.شعرت رهف بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها.مدت يدها في الظلام تبحث عن أي شيء تستند إليه.لكن قبل أن تفعل...شعرت بيد تمسك يدها بقوة.يد تعرفها جيدًا.يوسف.لم يتكلم.ولم يحتج للكلام أصلًا.كانت قبضته

  • وجع باسم الحب   الفصل السابع و الثلاثون

    تردد صدى الطلقة داخل المخزن المهجور كالرعد.لحظة واحدة فقط...لكنها كانت كافية لتقلب المشهد بالكامل.تجمد الجميع في أماكنهم.وتناثر الزجاج فوق الأرض الخرسانية في صوت حاد أشبه بالإنذار.أما رهف فشعرت بقلبها يقفز إلى حلقها.لم تكن خائفة من الرجل الملثم بقدر خوفها من شيء آخر...الملف.ذلك الملف الذي س

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status