LOGINم يختلف صباح لونا كثيرًا عن الأيام السابقة، لكنها استيقظت بإحساس غريب لم تستطع التخلص منه.
منذ حديثها مع مارغريت، ومنذ الرسالة التي أرسلها جاك، بدأت تشعر أن الأمور تتحرك أسرع مما كانت تتوقع. وكأن الجميع يعرف الوجهة النهائية… إلا هي. عندما وصلت إلى الشركة، لاحظت فورًا أن الطابق العلوي أكثر نشاطًا من المعتاد. موظفون يدخلون ويخرجون من المكاتب بسرعة، ملفات تنتقل بين الأقسام، واجتماعات تُعقد خلف أبواب مغلقة. لم يكن هناك إعلان رسمي، لكن شيئًا مهمًا كان يحدث. جلست خلف مكتبها تحاول التركيز، إلا أن أفكارها كانت مشتتة. ولم يمر وقت طويل حتى وصلها إشعار جديد. استدعاء مباشر من مكتب جاك. توقفت للحظة وهي تنظر إلى الشاشة. الغريب أنها لم تتفاجأ. وكأن جزءًا منها كان ينتظر ذلك. نهضت بصمت واتجهت إلى الطابق الأعلى. وخلال الطريق، حاولت إقناع نفسها أن الأمر يتعلق بالعمل فقط. لكنها لم تعد واثقة من ذلك كما كانت سابقًا. عندما دخلت المكتب، كان جاك يتحدث مع أحد أعضاء الإدارة. توقف الحديث فور رؤيتها. شعرت لونا أنها دخلت في منتصف أمر مهم، لكن أحدًا لم يعلق. رفع جاك نظره إليها. وللحظة قصيرة جدًا، شعرت أنه كان يراقب الباب قبل دخولها. قال بهدوء: “أنتِ هنا.” أجابت وهي تحاول تجاهل الارتباك الذي تشعر به: “تم استدعائي.” شعرت بانقباض خفيف في صدرها، وكأن حضوره يربك توازنها دون سبب واضح. لم يبتسم. لكنه قال: “ولم تتأخري.” ارتبكت للحظة. كانت جملة عادية. لكنها لم تبدُ كذلك. شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، وكرهت أنها تأثرت بكلماته البسيطة. عقدت حاجبيها بخفة. “هل كنت تراقب الوقت؟” ساد صمت قصير. ثم قال: “يبدو أنني فعلت.” كرهت الطريقة التي تسارعت بها نبضات قلبها بسبب جملة بسيطة كهذه. وفي الوقت نفسه، لم تستطع إنكار أنها شعرت بشيء يشبه الاهتمام. فتقدمت نحو المقعد وجلست بسرعة أكبر مما أرادت. أما جاك، فجلس مقابلها وفتح الملف أمامه. “التقرير الذي تعملين عليه.” رفعت نظرها إليه. “ماذا عنه؟” “أين وصل؟” أجابت بهدوء مهني: “في مرحلة التحليل النهائي، لكن بعض البيانات ما زالت ناقصة.” أغلق الملف ببطء. “ليست ناقصة.” توقفت. “إذًا؟” “لم تُرسل بعد.” لم يعجبها جوابه. “ولماذا؟” رفع عينيه نحوها. “لأنها ليست للجميع.” شعرت بانزعاج خفيف. لكن خلف ذلك الانزعاج، كان هناك فضول لا تريد الاعتراف به. “ومن يقرر ذلك؟” هذه المرة لم يجب مباشرة. ظل ينظر إليها للحظات طويلة. طويلة أكثر مما يجب. وكأنه لا يفكر في الإجابة فقط… بل فيها هي. شعرت بأن نظراته تخترق دفاعاتها، وأربكها ذلك أكثر مما أرادت. ثم قال: “الشخص الذي يعرف كيف يتعامل معها.” عقدت حاجبيها. “وأنت ترى أنني ذلك الشخص؟” لم يبعد عينيه عنها. “لو لم أكن أرى ذلك، لما كنتِ هنا.” للحظة نسيت الرد. كرهت أنها لم تجد جوابًا فورًا. وكرهت أكثر أنها شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلها بسبب ثقته. ذلك الدفء أربكها، وجعلها تتساءل إن كانت تنجذب إليه رغم كل حذرها. قبل أن تتكلم، فُتح الباب. دخل إدريان حاملاً بعض الملفات. توقف عندما شعر بالتوتر داخل الغرفة. ثم قال بابتسامته المعتادة: “يبدو أنني أقاطع شيئًا مهمًا.” أجابه جاك دون أن ينظر إليه: “كعادتك.” رفع إدريان حاجبه وضحك بخفة. لكن لونا التقطت شيئًا آخر. جاك لم يحول نظره عنها منذ دخول إدريان. وكأن وجود شخص ثالث لم يغير شيئًا. شعرت بارتباك مضاعف، وكأنها أصبحت محور انتباه لا تستطيع الهروب منه. تقدم إدريان ووضع الملف على الطاولة. “التقرير يحتاج مراجعة إضافية.” أومأ جاك. ثم قال: “ستتولى لونا الجزء الأخير.” رفعت رأسها فورًا. “هذا ليس ضمن مهامي.” أجاب بهدوء: “أصبح كذلك.” شعرت بالضيق. لكن جزءًا منها كان يتساءل إن كان اختياره لها يحمل معنى آخر. “أنت تتخذ القرارات وكأن رأيي غير مهم.” ساد الصمت. حتى إدريان التزم الهدوء. أما جاك فظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: “لو كان رأيك غير مهم، لما كنت أشرح لكِ شيئًا أصلًا.” توقفت الكلمات في حلقها. لم تكن تتوقع ذلك الجواب. ولم تعرف لماذا بدا شخصيًا أكثر مما يجب. شعرت بتناقض حاد؛ رغبة في الاعتراض، ورغبة أخرى في الاستماع إليه أكثر. نهض إدريان بعد لحظات وغادر الغرفة، تاركًا خلفه صمتًا جديدًا. هذه المرة كان الصمت أثقل. وأكثر خصوصية. نظرت لونا إلى الملف أمامها ثم إليه. “لماذا أنا؟” عادت لتسأله للمرة الثانية. لم يتهرب. ولم يغير الموضوع. قال بهدوء: “لأنكِ لا تتركين الأمور تمر دون أن تفهميها.” ابتسمت بسخرية خفيفة. “هذه ليست ميزة دائمًا.” ظهرت لمحة خافتة في عينيه. شيء قريب من الابتسام. لكنه اختفى بسرعة. “بالنسبة لي هي كذلك.” للحظة شعرت أن الهواء أصبح أثقل. وقلبها أسرع. لم يكن الحديث عن المشروع فقط. كانت متأكدة من ذلك. لكنها لم تملك الشجاعة لتسأله عمّا يقصده فعلًا. وفي داخلها، كانت تتأرجح بين رغبتها في الاقتراب وخوفها من ذلك القرب. في تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى الجهاز على الطاولة. نظر إليه جاك. ثم قال: “تم تأكيد موعد الغد.” شعرت بالتوتر يعود فورًا. “أي موعد؟” “العشاء في منزل العائلة.” بللت شفتيها. “ما زلنا عند كلمة عشاء فقط… صحيح؟” رفع نظره إليها. ولأول مرة منذ بداية اللقاء، بدا وكأنه يدرس رد فعلها بعناية. ثم قال: “هذا يعتمد عليكِ.” اتسعت عيناها قليلًا. “عليّ أنا؟” أومأ بهدوء. “أنتِ الوحيدة التي لم تتخذي قرارك بعد.” لم تعرف لماذا جعلتها هذه الجملة تشعر أن الأمر أكبر من مجرد زيارة. وأكبر من مجرد ترتيبات. وشعرت بثقل القرار يضغط عليها، وكأن قلبها وعقلها يسيران في اتجاهين مختلفين. خرجت من المكتب بعد ذلك بوقت قصير. لكنها لم تستطع التركيز طوال بقية اليوم. كلما فتحت ملفًا، عادت إلى حديثهما. إلى نظراته. إلى طريقته في الإجابة. وإلى ذلك الشعور المزعج الذي بدأ يتكرر كلما اقترب منها. شعور يجمع بين الانجذاب والارتباك، ويتركها بلا إجابات واضحة. في المساء، وقفت أمام المرآة في شقتها. كانت تستعد لزيارة الغد. لكنها وجدت نفسها تفكر في شيء آخر تمامًا. في الرجل الذي بدا دائمًا باردًا، صارمًا، ومستحيل القراءة… ثم بدأ يكشف لها، دون قصد ربما، أنه يراقب تفاصيلها أكثر مما ينبغي. أما في الجهة الأخرى من المدينة، كان جاك يقف أمام نافذة مكتبه. سأله مساعده: “هل تريد تأجيل أي خطوة من الترتيبات؟” ظل صامتًا للحظة. ثم قال: “لا.” “إذًا نستمر؟” أومأ. لكن بعد ثوانٍ أضاف: “فقط لا تجعلوها تشعر أنها محاصرة.” نظر إليه المساعد باستغراب. لأن هذه كانت المرة الأولى التي يهتم فيها جاك بما قد تشعر به لونا… وليس فقط بما سيحدث. أما جاك، فبقي واقفًا أمام الزجاج. يفكر فيها. وفي النظرة التي ظهرت في عينيها عندما قال إنها الوحيدة التي لم تتخذ قرارها بعد. ولسبب لم يحاول تفسيره… كان ينتظر معرفة ذلك القرار أكثر مما ينبغي.ساد صمت قصير بعد كلمات لونا الأخيرة، وكأن الهواء نفسه توقف للحظة بينهما.“أنت لست بخير.”بقي جاك ينظر إليها لثوانٍ، بينما كانت هي لا تزال تحدق في الضمادة التي تغطي جانب جبينه، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أنه يقف أمامها بالفعل… وأنه بخير، رغم كل ما تراه أمامها.قطع الطبيب الصمت وهو ينهي تثبيت الضماد، وصوت احتكاك الشاش بدا واضحًا في الجو الهادئ.“الجرح في الرأس سطحي، لكنه احتاج إلى عدة غرز في اليد. لا أرى ما يدعو للقلق، لكنني أنصحك بالراحة اليوم.”هز جاك رأسه بهدوء، وكأنه يتلقى تقريرًا عاديًا لا يخصه.“شكرًا.”ثم همّ أن ينهض، إلا أن الطبيب أوقفه مجددًا وهو يرفع يده محذرًا:“ولا تستخدم يدك كثيرًا.”ألقى جاك نظرة سريعة إلى الضماد الملفوف حول كفه، ثم قال بنبرة هادئة كعادته، وكأنه يطمئن الجميع أكثر مما يطمئن نفسه:“سأحاول.”كانت لونا تستمع إلى الحديث كله، لكنها لم تبدُ مقتنعة بأي كلمة، وعيناها لم تفارقا إصاباته. اقتربت منه خطوة أخرى، وقالت بجدية لم تستطع إخفاءها:“سنعود إلى المنزل.”رفع جاك عينيه إليها، وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يجيب بهدوء، وكأنه يزن كلماته بعناية:“ليس الآن.”عقدت حاجبيها
كانت لونا تراجع بعض الملفات على مكتبها، تحاول أن تغرق نفسها في تفاصيل العمل، وكأنها بذلك تستطيع أن تهرب من أفكار الليلة الماضية التي كانت تلاحقها بإصرار لا يهدأ.ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من رفع رأسها بين الحين والآخر، تنظر نحو باب مكتب جاك وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي لحظة.لكنه ظل مغلقًا.تنهدت بصمت، زفرة خفيفة خرجت منها دون وعي، ثم عادت إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تستعيد تركيزها الذي كان يتبدد سريعًا.وفي تلك اللحظة…اندفع أحد المهندسين إلى مكتب السكرتيرة بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا عاجلًا يدفعه إلى الأمام.كان التوتر واضحًا على ملامحه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالقلق:“أين الآنسة سارة؟”رفعت السكرتيرة رأسها بسرعة، وقد التقطت نبرة القلق في صوته.“ماذا حدث؟”اقترب منها أكثر، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها، ثم قال بقلق واضح:“اتصلوا بي من موقع المشروع.”انعقد حاجباها فورًا، وشعرت بأن الأمر ليس بسيطًا.“خير؟”تنهد المهندس، وكأنه يحاول أن يختار كلماته بعناية، ثم قال:“حدث عطل أثناء المعاينة…”توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل:“وسقط جزء من أحد الرفوف المعدنية.”حبست السكرتيرة أنفاسها،
لم يبقَ من صوت الأمواج شيء، ولا من كلمات ماكس، لكنها ظلت عالقة في رأس جاك حتى وهو يقود سيارته عائدًا. كانت المدينة نائمة والطرقات شبه خالية، أما هو فلم يكن يرى منها شيئًا، فكل ما كان يراه هو وجه لونا، ارتباكها وصمتها، والنظرة التي لمحها في عينيها قبل أن يغادر. تنهد بصمت وأدار المقود نحو المنزل.⸻في الجهة الأخرى، كانت لونا ما تزال مستيقظة ولم تستطع أن تنام، فكلما أغمضت عينيها عادت إليها صورته وهو يقف أمام الباب، ثم صوته الهادئ وهو يقول:“حين تهدئين… اسأليني عنها.”فتحت عينيها مرة أخرى وحدقت في سقف الغرفة طويلًا، ثم التفتت نحو الجهة الأخرى من السرير حيث كان مكانه فارغًا. مدت يدها نحوه دون وعي، لكنها لم تجد سوى برودة الملاءة، فسحبت يدها بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ، وأخفضت رأسها. لم تكن تعرف ما الذي تشعر به؛ لم تعد غاضبة، لكنها لم تكن مرتاحة أيضًا، وكان هناك شيء يضغط على صدرها منذ خرج ويزداد ثقلًا مع مرور الوقت. التفتت نحو الباب وظلت تنظر إليه دقائق طويلة، وكلما سمعت صوتًا في الخارج اعتقدت أنه عاد، لكن الباب لم يُفتح.⸻توقفت سيارة جاك أمام المنزل، فأطفأ المحرك وبقي ممسكًا بالمقود، ثم رفع عي
أُغلق باب الغرفة بهدوء، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أعلى من أي صوت.وقفت لونا في مكانها لا تدري ماذا تفعل، وكانت أنفاسها متسارعة وقلبها ما يزال يخفق بعنف من كل ما حدث قبل لحظات، بينما بقي جاك واقفًا أمام الباب يشيح بنظره عنها للحظات وكأنه يحاول استعادة هدوئه الذي أفلت منه لأول مرة منذ سنوات.أغمض عينيه وزفر ببطء، فلم يكن غاضبًا منها وحدها بل من نفسه أيضًا، من الطريقة التي حملها بها إلى هنا ومن نبرة صوته التي لم يعتد أن يوجهها إليها.فتح عينيه أخيرًا ثم التفت نحوها، فوجدها ما تزال واقفة مكانها، وعنادهـا لم يختفِ، لكنه رأى شيئًا جديدًا في عينيها: الارتباك والحيرة وقليلًا من الخوف.قال بصوت عاد إليه هدوؤه المعتاد:“اسمعيني جيدًا يا لونا.”ولأول مرة منذ بداية شجارهما لم تقاطعه، بل بقيت تنظر إليه بصمت، فأكمل:“لن أتحدث عن إيفا، لأنها ليست سبب ما حدث.”عقدت حاجبيها دون أن تنطق، أما هو فأكمل بهدوء ثابت:“ما أوصلك إلى هذه الحالة هو الكلام الذي سمعته من فيكتوريا.”ساد الصمت، ثم قال:“فيكتوريا تعرفني وعائلتي منذ سنوات طويلة، هذا كل ما بيننا.”رفع عينيه إليها مباشرة وأضاف:“لا أكثر.”شعرت لو
واصلت لونا النظر إلى طبقها.أما جاك… فلم يبعد عينيه عنها لحظة، وكأن كل ما قيل قبل دقائق لا يزال عالقًا بينهما، يتردد في رأسه بلا توقف، بينما لم تمنحه حتى نظرة واحدة.وهذا… كان يستفزه أكثر من أي رد.منذ عرفها، كانت تهرب إذا غضبت، تختفي وتتركه خلفها، أما الآن فهي تعاقبه بصمتها، وذلك الصمت كان ينهش أعصابه ببطء، ببرود أشد من أي كلمات قاسية.ساد الهدوء حول المائدة.ثم نهضت والدة جاك بهدوء، وجمعت الأطباق الفارغة وهي تنظر إليهما بطرف عينها، لم تكن غافلة عما يحدث، لكنها أدركت أن تدخّلها الآن لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا.ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:“سأحضر الشاي.”ثم غادرت.وما إن أُغلق باب المطبخ، حتى بدا المنزل كله ساكنًا بصورة مزعجة، كأن الصمت نفسه يضغط على الجدران.⸻رفع جاك رأسه نحوها وقال بهدوء حاول أن يحافظ عليه:“لونا.”لم ترفع رأسها، بل استمرت تعبث بالشوكة بين أصابعها وكأن صوته لم يصل إليها أصلًا.انتظر ثانية.ثم قال هذه المرة بنبرة أكثر جدية:“انظري إلي.”وضعت الشوكة جانبًا، نهضت، سحبت الكرسي بهدوء، ثم اتجهت نحو الباب، مرّت إلى جواره وكأنه قطعة أثاث لا أكثر.شعر جاك بانقباض حاد في صدره
قبض جاك على معصمها قبل أن تبتعد، وشدّ أصابعه قليلًا دون أن يقصد، كأنه يخشى أن تفلت منه فعلًا.تأملها بقلقٍ لم يسعَ هذه المرة إلى إخفائه، وعيناه تتفحصان ملامحها المتصلبة، وقال بصوتٍ خفيض:“لونا… ماذا حدث؟”ظلت صامتة لبرهة، وارتجفت أطراف أصابعها بين يده قبل أن تسحبها برفق من بين أصابعه، متجنبة النظر إليه.رفعت عينيها نحوه أخيرًا، ولم يكن فيهما أثر دموع، بل ذلك الألم الغامض الذي عجز عن تفسيره، مع شدّ خفيف في فكها كأنها تكبح شيئًا.عاد يقول، وقد مال قليلًا نحوها:“انظري إلي.”هزّت رأسها بخفة، وشدّت شفتيها:“ليس الآن.”انعقد حاجباه، ومرر يده في شعره بتوتر:“لكن…”قاطعته بنبرة هادئة، وكأنها استنزفت كل ما لديها من طاقة، بينما كانت أصابعها تقبض على طرف الملف بقوة:“لدينا عمل.”ثم انتزعت الملف من يده بحركة أسرع مما ينبغي، واستدارت عائدة إلى مكتبها دون أن تلتفت.ظل واقفًا في مكانه لثوانٍ، ويده ما زالت معلقة في الهواء قبل أن يسقطها ببطء.يراقب ابتعادها، وعيناه تضيقان قليلًا.وللمرة الأولى…أحسّ بأن بينهما فجوة لا يعرف كيف يجسرها.⸻انقضى ما تبقى من الدوام ببطءٍ ثقيل.كانت لونا تؤدي مهامها بإتقان
في صباح اليوم التاليلم يكن إعلان الزواج هو ما شغل لونا طوال الليل، بل الجملة التي قالها جاك قبل أن يغادر.“سأطلب تجهيز الإجراءات الخاصة بالإعلان.”ببساطة مزعجة.وكأن الأمر قرار إداري لا علاقة له بحياتها.وعلى عكس ما توقعت، لم تناقشه مجددًا.لأنها كانت تدرك جيدًا أنه عندما يقرر شيئًا كهذا، فإنه لا
في صباح اليوم التاليلم تستطع لونا التوقف عن التفكير في حديث مارغريت ليلة أمس.كلما حاولت تجاهله، عادت كلماتها إلى ذهنها من جديد.“ما الضرر إن أصبح هذا الزواج حقيقيًا يومًا ما؟”وكأن السيدة زرعت سؤالًا وغادرت تاركة الجميع يتعامل مع نتائجه وحده.نزلت إلى الطابق السفلي متأخرة قليلًا.فوجدت مارغريت تق
انتهت الأمسية أخيرًا بعد ساعات طويلة من الأحاديث والمجاملات.ومع مغادرة آخر الضيوف تقريبًا، خرجت لونا مع جاك نحو السيارة.كانت متعبة، لكن ليس من الحفل نفسه بقدر ما كانت متعبة من كثرة التفكير.أما جاك فكان هادئًا بشكل غير معتاد.هادئًا أكثر مما ينبغي.وهي بدأت تتعلم أن هدوءه الزائد غالبًا ما يعني أن
في المساءما إن دخلت لونا القاعة برفقة جاك حتى أدركت أن هذه الأمسية تختلف عن أي فعالية عمل حضرتها سابقًا.الأضواء الدافئة، الموسيقى الهادئة، مجموعات الموظفين المنتشرة في أرجاء المكان، والضحكات التي تتعالى بين الحين والآخر… كل شيء كان أبعد من أجواء الشركة المعتادة.ورغم أنها حاولت إقناع نفسها بأنها







