LOGINبوصية أخيرة من والدتها، أصبحت لونا مسؤولية جاك بلاكويل… الرجل المعروف ببروده وصرامته. ولحمايتها، عرض عليها زواجًا شكليًا لا أكثر، ظنًا منه أن الأمر لن يتجاوز كونه وعدًا يجب الوفاء به. لكن العيش والعمل معًا جعل الحدود التي رسمها تتلاشى يومًا بعد يوم، وبدأت مشاعر غير متوقعة تفرض نفسها على قلبيهما. كان وعدًا بسيطًا… إلى أن تحول إلى شيء لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا له
View Moreلم يكن الضوء المتسلل من نافذة غرفة لونا دافئًا كما اعتادت أن تراه، بل باهتًا وشاحبًا، ينساب فوق الجدران الصامتة وكأنه يشاركها وحدتها.
وقفت لونا كارتر أمام المرآة تحدق في انعكاسها طويلًا، لكنها لم تكن ترى نفسها حقًا. عينان مرهقتان، وملامح تحمل أثر خسارة لا يمكن تعويضها. همست بصوت خافت: “كيف يمكن أن يصبح كل شيء فارغًا بهذه السرعة؟” سؤال لم تنتظر له جوابًا، لأنها كانت تعرف أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات. منذ رحيل والدتها، لم تعد الأيام تشبه الحياة التي عرفتها يومًا. كل شيء حولها استمر كما هو، بينما شعرت هي وكأنها توقفت في مكانها. في مكان آخر من المدينة، كان الصمت مختلفًا تمامًا. لم يكن صمت حزن أو فقد، بل صمتًا باردًا يملؤه الانضباط والسيطرة. جلست مارغريت بلاكويل أمام ابنها، تتأمله بنظرة غير معتادة. كانت امرأة لا تعرف التردد، لكن شيئًا ما بدا مختلفًا هذه المرة. وضعت ظرفًا أبيض فوق الطاولة وقالت بحزم هادئ: “اقرأه.” انتقلت نظرات جاك بلاكويل بين والدته والظرف. “ما هذا؟” “رسالة.” بهدوء، فتح الظرف وأخرج الورقة الموجودة بداخله. كان الخط أنثويًا وأقرب إلى الألفة مما توقع. بدأ يقرأ: “إلى مارغريت بلاكويل… إذا حدث لي شيء، أرجوكِ لا تتركي لونا وحدها. أنا أثق بكِ… وأثق بابنك أكثر مما أثق بأي شخص آخر في هذا العالم.” توقفت عيناه عند السطر الأخير. رفع رأسه ببطء وسأل: “وما علاقتي أنا بهذا؟” تنهدت مارغريت بخفة قبل أن تجيب: “كانت أم لونا صديقتي الوحيدة لسنوات طويلة. كانت تعرف أن ابنتها ستبقى وحدها إن رحلت.” توقفت لحظة ثم أضافت: “كتبت هذه الرسالة قبل وفاتها.” أعاد جاك الورقة إلى الظرف دون أن تتغير ملامحه. “هذا لا يغير شيئًا.” لكن والدته لم تتراجع. “بل يغير كل شيء، لأنك وعدتني يومًا ألا ترفض أمرًا أراه مسؤولية إنسانية.” ساد الصمت بينهما. لم يكن جاك رجلًا يتراجع عن وعوده بسهولة، لكنه لم يكن أيضًا ممن يسمحون للعاطفة بقيادة قراراتهم. “وتتوقعين مني أن أتحمل مسؤولية فتاة لا أعرفها؟” أجابته بهدوء وثقة: “أنا أعرفها… وهذا يكفي.” لم يرد. لكن شيئًا خفيًا مر في عينيه للحظة؛ قبول لم يعترف به بعد، أو ربما فضول لم يجد له تفسيرًا. في الجهة الأخرى من المدينة، كانت لونا تسير بين ممرات الشركة. أصوات الطابعات، خطوات الموظفين، والهمسات المتناثرة من حولها جعلت المكان يبدو طبيعيًا للجميع. إلا لها. جلست خلف مكتبها، فتحت حاسوبها، وبدأت تعمل بصمت. أصبح العمل ملاذها الوحيد من الأفكار التي لا تتوقف داخل رأسها. فجأة، رن الهاتف الداخلي. رفعت السماعة. “لونا كارتر.” جاءها الصوت رسميًا: “هناك اجتماع فوري في الطابق العلوي.” عقدت حاجبيها باستغراب. “مع من؟” “السيد جاك بلاكويل.” أغلقت الهاتف ببطء. لم يكن الاسم مألوفًا تمامًا، لكنه لم يكن غريبًا أيضًا. شعرت وكأنها سمعته سابقًا دون أن تهتم يومًا بمعرفة صاحبه. أما الآن، فقد بدا الاسم مختلفًا… أثقل من مجرد اسم. في الطابق العلوي، كان جاك يقف أمام النافذة الزجاجية الواسعة لمكتبه. بدلته الداكنة مرتبة كعادتها، ونظرته ثابتة لا تكشف شيئًا مما يدور داخله. وفي يده كانت الرسالة ذاتها. “لا تترك لونا وحدها.” بقي يحدق في الكلمات لثوانٍ قبل أن يطوي الورقة ويضعها جانبًا. ثم قال لمساعده دون أن يلتفت: “استدعها.” في الأسفل، كانت لونا تقف أمام المصعد. انعكس وجهها الشاحب على الأبواب المعدنية اللامعة. لم تكن تعرف سبب استدعائها. ولم تكن تعلم أن ما ينتظرها خلف تلك الأبواب ليس مجرد اجتماع عمل عادي. بل بداية طريق رُسم لها قبل أن تحصل حتى على فرصة رفضه. أغلق المصعد أبوابه وبدأ بالصعود ببطء. ومع كل طابق يقترب منهما… كانت الحياة التي عرفها كل منهما تبتعد أكثر، لتفسح المجال لبداية جديدة لن يعود بعدها أي شيء كما كان.ساد صمت قصير بعد كلمات لونا الأخيرة، وكأن الهواء نفسه توقف للحظة بينهما.“أنت لست بخير.”بقي جاك ينظر إليها لثوانٍ، بينما كانت هي لا تزال تحدق في الضمادة التي تغطي جانب جبينه، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها أنه يقف أمامها بالفعل… وأنه بخير، رغم كل ما تراه أمامها.قطع الطبيب الصمت وهو ينهي تثبيت الضماد، وصوت احتكاك الشاش بدا واضحًا في الجو الهادئ.“الجرح في الرأس سطحي، لكنه احتاج إلى عدة غرز في اليد. لا أرى ما يدعو للقلق، لكنني أنصحك بالراحة اليوم.”هز جاك رأسه بهدوء، وكأنه يتلقى تقريرًا عاديًا لا يخصه.“شكرًا.”ثم همّ أن ينهض، إلا أن الطبيب أوقفه مجددًا وهو يرفع يده محذرًا:“ولا تستخدم يدك كثيرًا.”ألقى جاك نظرة سريعة إلى الضماد الملفوف حول كفه، ثم قال بنبرة هادئة كعادته، وكأنه يطمئن الجميع أكثر مما يطمئن نفسه:“سأحاول.”كانت لونا تستمع إلى الحديث كله، لكنها لم تبدُ مقتنعة بأي كلمة، وعيناها لم تفارقا إصاباته. اقتربت منه خطوة أخرى، وقالت بجدية لم تستطع إخفاءها:“سنعود إلى المنزل.”رفع جاك عينيه إليها، وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يجيب بهدوء، وكأنه يزن كلماته بعناية:“ليس الآن.”عقدت حاجبيها
كانت لونا تراجع بعض الملفات على مكتبها، تحاول أن تغرق نفسها في تفاصيل العمل، وكأنها بذلك تستطيع أن تهرب من أفكار الليلة الماضية التي كانت تلاحقها بإصرار لا يهدأ.ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من رفع رأسها بين الحين والآخر، تنظر نحو باب مكتب جاك وكأنها تنتظر أن يُفتح في أي لحظة.لكنه ظل مغلقًا.تنهدت بصمت، زفرة خفيفة خرجت منها دون وعي، ثم عادت إلى الأوراق أمامها، تحاول أن تستعيد تركيزها الذي كان يتبدد سريعًا.وفي تلك اللحظة…اندفع أحد المهندسين إلى مكتب السكرتيرة بخطوات متسارعة، وكأن شيئًا عاجلًا يدفعه إلى الأمام.كان التوتر واضحًا على ملامحه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالقلق:“أين الآنسة سارة؟”رفعت السكرتيرة رأسها بسرعة، وقد التقطت نبرة القلق في صوته.“ماذا حدث؟”اقترب منها أكثر، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها، ثم قال بقلق واضح:“اتصلوا بي من موقع المشروع.”انعقد حاجباها فورًا، وشعرت بأن الأمر ليس بسيطًا.“خير؟”تنهد المهندس، وكأنه يحاول أن يختار كلماته بعناية، ثم قال:“حدث عطل أثناء المعاينة…”توقف لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل:“وسقط جزء من أحد الرفوف المعدنية.”حبست السكرتيرة أنفاسها،
لم يبقَ من صوت الأمواج شيء، ولا من كلمات ماكس، لكنها ظلت عالقة في رأس جاك حتى وهو يقود سيارته عائدًا. كانت المدينة نائمة والطرقات شبه خالية، أما هو فلم يكن يرى منها شيئًا، فكل ما كان يراه هو وجه لونا، ارتباكها وصمتها، والنظرة التي لمحها في عينيها قبل أن يغادر. تنهد بصمت وأدار المقود نحو المنزل.⸻في الجهة الأخرى، كانت لونا ما تزال مستيقظة ولم تستطع أن تنام، فكلما أغمضت عينيها عادت إليها صورته وهو يقف أمام الباب، ثم صوته الهادئ وهو يقول:“حين تهدئين… اسأليني عنها.”فتحت عينيها مرة أخرى وحدقت في سقف الغرفة طويلًا، ثم التفتت نحو الجهة الأخرى من السرير حيث كان مكانه فارغًا. مدت يدها نحوه دون وعي، لكنها لم تجد سوى برودة الملاءة، فسحبت يدها بسرعة وكأنها ارتكبت خطأ، وأخفضت رأسها. لم تكن تعرف ما الذي تشعر به؛ لم تعد غاضبة، لكنها لم تكن مرتاحة أيضًا، وكان هناك شيء يضغط على صدرها منذ خرج ويزداد ثقلًا مع مرور الوقت. التفتت نحو الباب وظلت تنظر إليه دقائق طويلة، وكلما سمعت صوتًا في الخارج اعتقدت أنه عاد، لكن الباب لم يُفتح.⸻توقفت سيارة جاك أمام المنزل، فأطفأ المحرك وبقي ممسكًا بالمقود، ثم رفع عي
أُغلق باب الغرفة بهدوء، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أعلى من أي صوت.وقفت لونا في مكانها لا تدري ماذا تفعل، وكانت أنفاسها متسارعة وقلبها ما يزال يخفق بعنف من كل ما حدث قبل لحظات، بينما بقي جاك واقفًا أمام الباب يشيح بنظره عنها للحظات وكأنه يحاول استعادة هدوئه الذي أفلت منه لأول مرة منذ سنوات.أغمض عينيه وزفر ببطء، فلم يكن غاضبًا منها وحدها بل من نفسه أيضًا، من الطريقة التي حملها بها إلى هنا ومن نبرة صوته التي لم يعتد أن يوجهها إليها.فتح عينيه أخيرًا ثم التفت نحوها، فوجدها ما تزال واقفة مكانها، وعنادهـا لم يختفِ، لكنه رأى شيئًا جديدًا في عينيها: الارتباك والحيرة وقليلًا من الخوف.قال بصوت عاد إليه هدوؤه المعتاد:“اسمعيني جيدًا يا لونا.”ولأول مرة منذ بداية شجارهما لم تقاطعه، بل بقيت تنظر إليه بصمت، فأكمل:“لن أتحدث عن إيفا، لأنها ليست سبب ما حدث.”عقدت حاجبيها دون أن تنطق، أما هو فأكمل بهدوء ثابت:“ما أوصلك إلى هذه الحالة هو الكلام الذي سمعته من فيكتوريا.”ساد الصمت، ثم قال:“فيكتوريا تعرفني وعائلتي منذ سنوات طويلة، هذا كل ما بيننا.”رفع عينيه إليها مباشرة وأضاف:“لا أكثر.”شعرت لو
في المساءما إن دخلت لونا القاعة برفقة جاك حتى أدركت أن هذه الأمسية تختلف عن أي فعالية عمل حضرتها سابقًا.الأضواء الدافئة، الموسيقى الهادئة، مجموعات الموظفين المنتشرة في أرجاء المكان، والضحكات التي تتعالى بين الحين والآخر… كل شيء كان أبعد من أجواء الشركة المعتادة.ورغم أنها حاولت إقناع نفسها بأنها
في صباح ذلك اليوماستيقظت لونا في غرفة غير غرفتها.للحظات قصيرة بقيت تحدّق في السقف بصمت، كأن عقلها يحاول أن يعيد ترتيب المكان قبل أن يسمح لها بالوعي الكامل.ثم تذكّرت.منزل عائلة بلاكويل.والليلة السابقة حين أصرّ جاك أن تبقى هنا.جلست ببطء على طرف السرير، تشعر بثقل خفيف في صدرها، ليس تعبًا جسديًا،
في صباح اليوم التاليلم تكن لونا مرتاحة تمامًا، رغم أن جسدها كان أفضل بكثير من الأيام السابقة. لكن شيئًا خفيفًا من القلق بقي عالقًا في الخلفية، كأنه ينتظر لحظة مناسبة ليظهر من جديد.حاولت تجاهله وهي تغادر شقتها.“أنا بخير… هذا يكفي.”لكنها لم تكن تصدق نفسها بالكامل.⸻في الشركةكان اليوم يسير بشكل
في صباح ذلك اليوماستيقظت لونا على هدوء غير مألوف داخل منزل عائلة بلاكويل. لم يكن الهدوء مريحًا بالكامل، بل كان أشبه بسكون يسبق شيئًا غير مُعلن.منذ الليلة الماضية، لم يحدث بين لونا وجاك أي حديث حقيقي. لا تفسير، لا مواجهة، ولا حتى محاولة لإغلاق ما بقي عالقًا بينهما. وكأن الصمت أصبح طريقة غير مباشرة






reviews