เข้าสู่ระบบخلال الأيام التالية، لم يحدث شيء كبير، لكن لونا بدأت تشعر أن حياتها تسير في اتجاه لم تخطط له.
كانت بالكاد ترى جاك، ومع ذلك كان حضوره موجودًا بطريقة غريبة. ملاحظات دقيقة على الملفات، تعديلات تجعل عملها أفضل، وقرارات تُتخذ قبل أن تضطر لطلب المساعدة. كانت تلاحظ أن تلك التعديلات تحمل أسلوبًا ثابتًا، كأن من يكتبها يعرف طريقة تفكيرها مسبقًا، أو ربما يسبقها بخطوة دائمًا. لم يكن يقترب منها كثيرًا، لكنه لم يكن بعيدًا تمامًا أيضًا. أحيانًا كانت تشعر أنه يراقب من بعيد، ليس بدافع السيطرة، بل كأنه يتأكد من شيء لا تفهمه بعد. أما إدريان، فبقي مجرد زميل عمل لطيف تتعامل معه بحكم العمل اليومي. في أحد الأيام، وصلها إشعار بعنوان وموعد محدد دون شرح. ترددت قليلًا قبل أن تتوجه إلى المكان. وعلى غير عادتها، شعرت أن هذا الموعد مرتبط بجاك بطريقة ما، رغم أنه لم يُذكر اسمه. عندما وصلت، وجدت منزلًا هادئًا يحمل شعورًا بالألفة. طرقت الباب، وبعد لحظات فُتح لها. ظهرت أمامها امرأة أنيقة ذات ملامح دافئة. نظرت إليها للحظة ثم قالت بلطف: “أنتِ لونا، أليس كذلك؟” أومأت لونا. ابتسمت المرأة وقالت: “ادخلي يا عزيزتي.” دخلت لونا بهدوء. جلستا في غرفة الجلوس، وبعد حديث قصير قالت المرأة: “أنا مارغريت بلاكويل.” توقفت لونا للحظة. “والدة جاك.” أومأت مارغريت مبتسمة، ثم أضافت: “كنت أعرف والدتك جيدًا.” ساد الصمت لثوانٍ. شعرت لونا بوخزة في صدرها، كأن الاسم أعاد فتح باب حاولت إغلاقه طويلًا. قالت مارغريت بهدوء: “كانت تتحدث عنك كثيرًا.” اشتاقت لونا لصوتها فجأة، لضحكتها، لكل شيء. تابعت مارغريت: “كنتِ تزورين هذا المنزل وأنتِ صغيرة، لكنك ربما لا تتذكرين.” رمشت لونا بدهشة. “حقًا؟” ضحكت مارغريت بخفة: “كنتِ تركضين في كل مكان وتجعلين والدتك تعتذر نيابة عنك.” ابتسمت لونا بصدق، لكن خلف الابتسامة كان هناك حنين مؤلم. وبينما كانت تستمع، بدأت تربط بين هذا المكان وبين شعورها الغريب تجاه جاك، كأن وجوده في حياتها لم يكن وليد اللحظة كما ظنت. بعد لحظة صمت، قالت: “لماذا أشعر أن الجميع يعرف أشياء لا أعرفها أنا؟” نظرت إليها مارغريت بحنان وربتت على يدها برفق. “لأن بعض القصص تحتاج وقتًا حتى تكتمل يا لونا.” توقفت لحظة قبل أن تضيف: “لكن شيئًا واحدًا أستطيع أن أؤكد لكِ إياه…” رفعت لونا نظرها إليها. ابتسمت مارغريت بلطف وقالت: “جاك لم يدخل حياتكِ صدفة.” بقيت الكلمات عالقة في ذهن لونا طوال طريق عودتها. ولأول مرة، لم تفكر في الوصية فقط، بل في الرجل الذي يصر على الوفاء بها مهما كلفه الأمر. وتساءلت بصمت إن كان ذلك الإصرار نابعًا من واجب فقط، أم من شيء أعمق ظل يخفيه خلف هدوئه الغامض. تنهدت مارغريت بخفة وهي تنظر إلى فنجان الشاي بين يديها. “أعرف أن كل هذا يبدو غريبًا بالنسبة لك.” ابتسمت لونا ابتسامة باهتة. “قليلًا.” ضحكت مارغريت برفق. “صدقيني، كان غريبًا بالنسبة لجاك أيضًا.” رفعت لونا نظرها إليها. “إذن لماذا وافق؟” ساد الصمت لثوانٍ. ثم قالت مارغريت بهدوء: “لأن جاك عندما يعتبر شيئًا مسؤوليته… لا يتراجع عنه.” توقفت قليلًا قبل أن تكمل: “كان بإمكانه أن يبحث عن أي مخرج أو أي عذر، لكنه لم يفعل.” فكرت لونا في ذلك للحظة. فعلاً… منذ لقائهما الأول لم يحاول التهرب من الأمر ولو مرة واحدة. ربما كان باردًا، وربما بدا وكأنه يتعامل مع كل شيء كصفقة عمل… لكنه بقي موجودًا. قالت مارغريت بابتسامة صغيرة: “قد لا يكون أفضل شخص في التعبير عن نفسه، لكنه لا يستخف بالوعود أبدًا.” بقيت لونا صامتة. ولأول مرة، وجدت نفسها تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. ليس كرجل فُرض عليها فجأة… بل كرجل وجد نفسه داخل الموقف نفسه، واختار رغم ذلك أن يبقى.أُغلق باب الغرفة بهدوء، لكن الصمت الذي استقر بينهما كان أعلى من أي صوت.وقفت لونا في مكانها لا تدري ماذا تفعل، وكانت أنفاسها متسارعة وقلبها ما يزال يخفق بعنف من كل ما حدث قبل لحظات، بينما بقي جاك واقفًا أمام الباب يشيح بنظره عنها للحظات وكأنه يحاول استعادة هدوئه الذي أفلت منه لأول مرة منذ سنوات.أغمض عينيه وزفر ببطء، فلم يكن غاضبًا منها وحدها بل من نفسه أيضًا، من الطريقة التي حملها بها إلى هنا ومن نبرة صوته التي لم يعتد أن يوجهها إليها.فتح عينيه أخيرًا ثم التفت نحوها، فوجدها ما تزال واقفة مكانها، وعنادهـا لم يختفِ، لكنه رأى شيئًا جديدًا في عينيها: الارتباك والحيرة وقليلًا من الخوف.قال بصوت عاد إليه هدوؤه المعتاد:“اسمعيني جيدًا يا لونا.”ولأول مرة منذ بداية شجارهما لم تقاطعه، بل بقيت تنظر إليه بصمت، فأكمل:“لن أتحدث عن إيفا، لأنها ليست سبب ما حدث.”عقدت حاجبيها دون أن تنطق، أما هو فأكمل بهدوء ثابت:“ما أوصلك إلى هذه الحالة هو الكلام الذي سمعته من فيكتوريا.”ساد الصمت، ثم قال:“فيكتوريا تعرفني وعائلتي منذ سنوات طويلة، هذا كل ما بيننا.”رفع عينيه إليها مباشرة وأضاف:“لا أكثر.”شعرت لو
واصلت لونا النظر إلى طبقها.أما جاك… فلم يبعد عينيه عنها لحظة، وكأن كل ما قيل قبل دقائق لا يزال عالقًا بينهما، يتردد في رأسه بلا توقف، بينما لم تمنحه حتى نظرة واحدة.وهذا… كان يستفزه أكثر من أي رد.منذ عرفها، كانت تهرب إذا غضبت، تختفي وتتركه خلفها، أما الآن فهي تعاقبه بصمتها، وذلك الصمت كان ينهش أعصابه ببطء، ببرود أشد من أي كلمات قاسية.ساد الهدوء حول المائدة.ثم نهضت والدة جاك بهدوء، وجمعت الأطباق الفارغة وهي تنظر إليهما بطرف عينها، لم تكن غافلة عما يحدث، لكنها أدركت أن تدخّلها الآن لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا.ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:“سأحضر الشاي.”ثم غادرت.وما إن أُغلق باب المطبخ، حتى بدا المنزل كله ساكنًا بصورة مزعجة، كأن الصمت نفسه يضغط على الجدران.⸻رفع جاك رأسه نحوها وقال بهدوء حاول أن يحافظ عليه:“لونا.”لم ترفع رأسها، بل استمرت تعبث بالشوكة بين أصابعها وكأن صوته لم يصل إليها أصلًا.انتظر ثانية.ثم قال هذه المرة بنبرة أكثر جدية:“انظري إلي.”وضعت الشوكة جانبًا، نهضت، سحبت الكرسي بهدوء، ثم اتجهت نحو الباب، مرّت إلى جواره وكأنه قطعة أثاث لا أكثر.شعر جاك بانقباض حاد في صدره
قبض جاك على معصمها قبل أن تبتعد، وشدّ أصابعه قليلًا دون أن يقصد، كأنه يخشى أن تفلت منه فعلًا.تأملها بقلقٍ لم يسعَ هذه المرة إلى إخفائه، وعيناه تتفحصان ملامحها المتصلبة، وقال بصوتٍ خفيض:“لونا… ماذا حدث؟”ظلت صامتة لبرهة، وارتجفت أطراف أصابعها بين يده قبل أن تسحبها برفق من بين أصابعه، متجنبة النظر إليه.رفعت عينيها نحوه أخيرًا، ولم يكن فيهما أثر دموع، بل ذلك الألم الغامض الذي عجز عن تفسيره، مع شدّ خفيف في فكها كأنها تكبح شيئًا.عاد يقول، وقد مال قليلًا نحوها:“انظري إلي.”هزّت رأسها بخفة، وشدّت شفتيها:“ليس الآن.”انعقد حاجباه، ومرر يده في شعره بتوتر:“لكن…”قاطعته بنبرة هادئة، وكأنها استنزفت كل ما لديها من طاقة، بينما كانت أصابعها تقبض على طرف الملف بقوة:“لدينا عمل.”ثم انتزعت الملف من يده بحركة أسرع مما ينبغي، واستدارت عائدة إلى مكتبها دون أن تلتفت.ظل واقفًا في مكانه لثوانٍ، ويده ما زالت معلقة في الهواء قبل أن يسقطها ببطء.يراقب ابتعادها، وعيناه تضيقان قليلًا.وللمرة الأولى…أحسّ بأن بينهما فجوة لا يعرف كيف يجسرها.⸻انقضى ما تبقى من الدوام ببطءٍ ثقيل.كانت لونا تؤدي مهامها بإتقان
مرّت الأيام الثلاثة التالية بهدوءٍ بدا غريبًا.هدوءٌ لم يكن يشبه ما قبله.فمنذ تلك الليلة…لم يعد جاك ولونا يعودان إلى الصمت المؤلم.لم يتحدثا كثيرًا.لكن شيئًا ما…تغيّر.أصبح جاك يلتفت إليها تلقائيًا كلما دخلت الغرفة.وأصبحت لونا تبتسم له دون أن تنتبه.حتى والدة جاك…لاحظت ذلك.واكتفت بابتسامة راضية كلما رأتهما يتبادلان نظرة قصيرة، يظنان أن أحدًا لم يرها.⸻في ذلك الصباح…كانت شركة بلاكويل تعيش أحد أكثر أيامها ازدحامًا.اجتماعٌ مهم مع مجلس الشراكة.تقارير.ملفات.وعقود تنتظر المراجعة الأخيرة.انتهى الاجتماع بعد أكثر من ساعتين.وقف الجميع يتبادلون المصافحات، ثم بدأوا يغادرون القاعة واحدًا تلو الآخر.أما جاك…فبقي مكانه.كان يقلب بعض الملفات بسرعة، ويكتب ملاحظات قصيرة بقلمه الأسود.طرق الباب.“ادخل.”انفتح الباب بهدوء.دخلت فيكتوريا لم تذهب بعد.كانت تحمل ملفًا رفيعًا بين يديها.وأغلقت الباب خلفها ببطءٍ متعمّد، وكأنها تحبس الهواء داخل الغرفة معها.ابتسمت بثقتها المعتادة، لكن عينيها كانتا تلمعان بشيءٍ أكثر حدة.“ظننت أنكِ غادرت.”“لدي بعض التعديلات.”اقتربت حتى وقفت أمام مكتبه، وانحنت
تسللت أشعة الصباح بهدوء عبر الستائر، لترسم خيوطًا ذهبية فوق السرير.رفرفت أهداب لونا ببطء قبل أن تفتح عينيها، واحتاجت ثوانٍ قليلة حتى تستوعب أين هي، ثم…عادت إليها أحداث الليلة الماضية كلها دفعة واحدة؛ اعتراف جاك، وصوته الهادئ في الظلام، وكلماته التي لم تتوقع يومًا أن تسمعها منه.“كان يجب أن أتصل…”شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، فاستدارت بحذر.كان جاك ما يزال نائمًا، ووجهه بدا مختلفًا، هادئًا، وكأن ذلك العبء الذي حمله طوال الأسبوع بدأ يخف أخيرًا.تأملته بصمت، ثم ابتسمت دون شعور.“حتى وأنت نائم…”“ما زلت تبدو جادًا.”كادت تضحك، لكنها انتبهت فجأة إلى المسافة بينهما، فقد كانت أقرب إليه مما اعتادت.اتسعت عيناها.“يا إلهي…”ابتعدت ببطء شديد حتى لا توقظه، وجلست أمام المرآة تمشط شعرها، وفي اللحظة نفسها…سمعت صوته الهادئ خلفها.“صباح الخير.”توقفت يدها، ثم التفتت إليه وابتسمت بخجل.“صباح النور.”ساد بينهما صمت قصير، لكنه لم يكن يشبه صمت الأيام الماضية، بل كان صمتًا مريحًا، صمت شخصين يعرفان أن شيئًا بينهما بدأ يلتئم.نهض جاك من السرير، وارتدى ساعته، ثم قال وهو يلتقط مفاتيح السيارة:“سنخر
بقي جاك واقفًا في المطبخ، لم يتحرك، وما زالت كلمات والدته تتردد في رأسه وكأنها قيلت قبل لحظات.“أنت كنت تعتقد أنك تطمئن عليها… بينما هي كانت تنتظر أن تطمئن هي عليك.”خفض بصره وأطلق زفرة طويلة، ولأول مرة منذ زمن لم يجد شيئًا يدافع به عن نفسه. لم يكن قد قصد أن يجرحها، ولم يخطر بباله أصلًا أن صمته قد يكون مؤلمًا إلى هذا الحد.أعاد زجاجة الماء إلى الثلاجة وأغلق الباب بهدوء، ثم رفع رأسه نحو الدرج حيث كانت غرفتهما في الأعلى… وخلف ذلك الباب كانت لونا.لا يعرف إن كانت ما تزال غاضبة، أم تبكي، أم ندمت على كل كلمة قالتها، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط… أنه لم يعد يحتمل أن يبقى هذا الصمت بينهما.⸻صعد الدرج ببطء، خطوة تلتها أخرى، حتى وصل إلى باب الغرفة. وضع يده على المقبض وتردد لثانية قبل أن يفتح الباب بهدوء.كان الضوء مطفأ، ولم يبقَ سوى ضوء القمر المتسلل من بين الستائر، يرسم خيطًا فضيًا فوق السرير.وقعت عيناه عليها فورًا؛ كانت مستلقية في طرف السرير، تعطيه ظهرها، وقد شدت الغطاء حتى كتفيها.توقفت قدماه وظل ينظر إليها بصمت، ثم ابتسم ابتسامة باهتة؛ حتى وهي غاضبة ما زالت تنام بالطريقة نفسها.أغلق ال
في المساءكانت لونا جالسة على طرف السرير، والملف مفتوح أمامها، لكن الكلمات كانت تمر دون أن تُقرأ فعليًا.منذ الصباح، وكل ما في الشركة لم يخرج من رأسها.نظرات فيكتوريا.جملتها الهادئة.وطريقتها في التحدث وكأنها تعرف كل شيء دون أن ترفع صوتها.لكن الأسوأ لم يكن فيكتوريا نفسها…بل الطريقة التي يُقال به
في صباح اليوم التالياستيقظت لونا على صمت مختلف عن الأيام السابقة، صمت لم يعد يوحي بالراحة بقدر ما يوحي بأن هناك شيئًا لم يُحسم بعد.جلست على طرف السرير، تمرر يدها على جبينها قليلًا.منذ حديث جاك الأخير، وكل شيء صار يبدو وكأنه يتحرك تحت سطح هادئ ظاهريًا، لكن بتيار خفي لا يُرى.“لا تخرجي وحدك.”الجم
في صباح اليوم التاليلم يكن إعلان الزواج هو ما شغل لونا طوال الليل، بل الجملة التي قالها جاك قبل أن يغادر.“سأطلب تجهيز الإجراءات الخاصة بالإعلان.”ببساطة مزعجة.وكأن الأمر قرار إداري لا علاقة له بحياتها.وعلى عكس ما توقعت، لم تناقشه مجددًا.لأنها كانت تدرك جيدًا أنه عندما يقرر شيئًا كهذا، فإنه لا
في صباح اليوم التاليلم تستطع لونا التوقف عن التفكير في حديث مارغريت ليلة أمس.كلما حاولت تجاهله، عادت كلماتها إلى ذهنها من جديد.“ما الضرر إن أصبح هذا الزواج حقيقيًا يومًا ما؟”وكأن السيدة زرعت سؤالًا وغادرت تاركة الجميع يتعامل مع نتائجه وحده.نزلت إلى الطابق السفلي متأخرة قليلًا.فوجدت مارغريت تق







