جميع فصول : الفصل -الفصل 110

143 فصول

الفصل 101

أُغلق باب المصعد في نهاية الممر معلنًا رحيل خالد وعمر أخيرًا، وعادت الطمأنينة النسبية إلى الطابق بعد العاصفة التي اجتاحته قبل قليل، لكن آثارها لم تختفِ تمامًا، فقد بقي التوتر عالقًا في الهواء كشيء مرئي يمكن لمسه. وبقي بسام واقفًا خارج غرفة رهف، مستندًا إلى الجدار القريب وذراعاه معقودتان أمام صدره، يراقب الباب المغلق بصمت وهو يدرك أن الرجل الموجود في الداخل لم يعد ذلك الضابط العنيد الذي يعرفه منذ سنوات. أما جاسر، فما إن دخل إلى الغرفة حتى أغلق الباب خلفه بهدوء، وكأنه يحاول أن يعزل ذلك المكان الصغير عن العالم بأسره، ثم توجه نحو أحد الكراسي القريبة وسحبه حتى أصبح ملاصقًا تقريبًا لسرير رهف قبل أن يجلس عليه ببطء. للحظة طويلة لم يفعل شيئًا فقط جلس هناك يرافقها كما كانت ترافقه. تمامًا كما كانت تفعل خلال الأيام الطويلة التي قضاها غارقًا في غيبوبته. ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة وهو يتذكر رؤية وجهها عندما استيقظ، قبل أن تنطفئ الابتسامة سريعًا عندما عادت كلمات خالد لتتردد داخل رأسه مجددًا. "يبدو أنها ليست مجرد مهمة بالنسبة لك." أغمض عينيه للحظة لأنه لم يعد يملك أي سبب للإنكار. في الماضي كان
اقرأ المزيد

الفصل 102

لثوانٍ طويلة بدت وكأنها امتدت إلى ما لا نهاية، ظل جاسر عاجزًا عن استيعاب ما حدث أمامه، وكأن عقله رفض في البداية تصديق تلك اللحظة المفاجئة التي اندفعت فيها رهف نحوه بكل عفوية وخوف، لتلجأ إليه دون تردد أو تفكير مسبق، وكأن غريزتها وحدها هي التي قادتها إليه. تجمد في مكانه تمامًا، بينما احتاج إلى بعض الوقت ليستوعب أن الفتاة التي كانت قبل دقائق قليلة أسيرة لكوابيسها، ترتجف خوفًا وتصارع أشباح ذكرياتها المؤلمة، قد احتمت به بهذه الطريقة وكأن وجوده أصبح ملاذها الوحيد من كل ما كان يطاردها. شعر بوضوح بالارتجاف الذي كان يجتاح جسدها الصغير بين ذراعيه، كما شعر بأنفاسها المتلاحقة والمضطربة وهي ترتطم بصدره في إيقاع مرتبك يعكس حجم الرعب الذي ما زالت تعيشه، ولم تغب عنه أيضًا تلك القبضة الصغيرة التي تشبثت بملابسه بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها في اللحظة التي تتركه فيها. وفي تلك اللحظة القصيرة جدًا، التي لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، وجد نفسه ينسى كل شيء. نسي الشجار الذي دار بينه وبين خالد، وتلاشى الألم الذي كان يثقل صدره، وغاب عن ذهنه الجرح النابض في رأسه، بل إنه نسي للحظات المكان الذي يوجد فيه أ
اقرأ المزيد

الفصل 103

لم تدم تلك الأجواء الهادئة طويلًا. فبينما كانت رهف تجلس فوق سريرها وقد استعادت شيئًا من حيويتها المفقودة، وبينما كان جاسر يراقب ابتسامتها الصغيرة التي بدأت تعود تدريجيًا إلى وجهها بعد ساعات طويلة من الخوف والانهيار، انفتح باب الغرفة فجأة دون مقدمات. دخل بسام بخطواته المعتادة التي تحمل قدرًا غريبًا من الفوضى والمرح في الوقت نفسه، وما إن وقعت عيناه على رهف حتى توقف في منتصف الطريق، ثم رفع حاجبيه بتمثيل مبالغ فيه وكأنه يشاهد معجزة حدثت أمامه للتو. اتسعت ابتسامته وهو يقول بصوت مرتفع: "أخيرًا استيقظت الأميرة!" ثم أشار بإبهامه نحو جاسر الجالس بجوارها وأضاف بنبرة ساخرة: "أتعلمين؟ لقد كان هذا الوحش على وشك قلب المستشفى رأسًا على عقب بسببكِ، ولم يوافق حتى على تناول أي شيء طوال اليوم." تحولت نظرات رهف مباشرة نحو جاسر بدهشة، أما جاسر فقد رمقه بنظرة حادة كافية لإسكات معظم الناس. لكن بسام لم يكن من هؤلاء الناس، بل انفجر ضاحكًا فورًا. "لا تنظر إليّ هكذا، الحقيقة يجب أن تُقال." "بسام." خرج اسم صديقه من بين أسنان جاسر بتحذير واضح. لكن ذلك لم يمنع رهف من الضحك، ضحكة صغيرة وخافتة في البداية،
اقرأ المزيد

الفصل 104

حلَّ الصباح أخيرًا بعد ليلة بدت أكثر هدوءًا من الليالي السابقة، وإن لم تكن خالية تمامًا من ذلك القلق الثقيل الذي ظل يطارد رهف حتى في أكثر لحظات نومها عمقًا. فكلما أغمضت عينيها واستسلمت للنعاس كانت تجد نفسها تعود إلى تلك الذكريات المؤلمة التي حاولت الهروب منها مرارًا، لترى وجه مدحت يطل أمامها بتهديداته ونظرته المخيفة، فتنتفض مذعورة من نومها قبل أن تدرك بعد لحظات مرتبكة أنها ما تزال في غرفتها بالمستشفى، وأن ما عاشته لم يكن سوى كابوس جديد أضيف إلى سلسلة الكوابيس التي أصبحت جزءًا ثابتًا من أيامها الأخيرة. ومع ذلك، كان هناك أمر مختلف هذه المرة، شيء صغير لكنه منحها قدرًا من الطمأنينة لم تشعر به منذ فترة طويلة، فقد كان هناك وعد قطعه لها فهد في الليلة الماضية، وعد بدا منذ اللحظة الأولى لاستيقاظه عازمًا على تنفيذه دون تردد أو تأجيل. منذ ساعات الصباح الأولى كان يتحرك بين مكاتب الإدارة وغرف الأطباء بخطوات سريعة وواثقة، ينهي إجراءات خروجهما ويوقع المستندات المطلوبة ويتابع أدق التفاصيل بنفسه، بينما بقيت رهف جالسة على سريرها تراقبه بصمت، غير قادرة على تجاهل ذلك الشعور بالأمان الذي كان يتسلل إلى
اقرأ المزيد

الفصل 105

كانت غرفة المعيشة واسعة إلى درجة يصعب وصفها بالكلمات، تمتد أمامها مساحة هائلة تتوسطها أرائك فاخرة وطاولات أنيقة وشاشات ضخمة موزعة بعناية، بينما كانت النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف تكشف منظرًا بانوراميًا مذهلًا للمدينة بأكملها، حتى بدا لها وكأنها تقف فوق العالم نفسه. تقدم جاسر نحو إحدى الأرائك وأنزلها عليها بحذر شديد قبل أن يخبرها بأنه سيذهب لإحضار الكرسي المتحرك، ثم غادر نحو المدخل تاركًا إياها بمفردها وسط ذلك المكان المذهل. وبقيت رهف تنظر حولها ببطء، تتأمل الأسقف المرتفعة والتصميم العصري واللوحات الفنية المعلقة على الجدران، وتراقب التفاصيل الدقيقة التي كانت تكشف دون حاجة إلى تفسير أن صاحب هذا المكان يمتلك ثروة ضخمة لا يستهان بها. ثم انتقلت نظراتها إلى الجانب الآخر، لتكتشف مطبخًا أمريكيًا مفتوحًا بمساحة غرفتها السابقة، تتوسطه جزيرة رخامية ضخمة وتحيط به خزائن حديثة وأجهزة منزلية فاخرة، في مشهد بدا مرتبًا ومثاليًا بصورة تكاد تكون غير واقعية. غير أن أكثر ما لفت انتباهها كان ذلك السلم الداخلي الواسع الموجود في أحد الأركان، والذي صُمم بأسلوب عصري أنيق يقود إلى مستوى علوي د
اقرأ المزيد

الفصل 106

ظلّ جاسر واقفًا بمحاذاة السور الزجاجي للشرفة لوقتٍ أطول مما بدا طبيعيًا، بينما كانت الرياح الليلية الباردة تمر بينه وبين رهف في هدوء غريب، وكأنها هي الأخرى توقفت لتنتظر إجابته. لم يكن صمته ناتجًا عن عدم سماعه لسؤالها، بل على العكس تمامًا؛ فقد سمعه بوضوحٍ شديد، وربما بوضوحٍ أكثر مما كان يتمنى، حتى شعر وكأن الكلمات استقرت في أعماقه وأيقظت كل ما كان يحاول تأجيل مواجهته منذ أشهر طويلة. كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي في نهاية المطاف، منذ اليوم الذي دخل فيه حياة رهف تحت اسم "فهد"، ومنذ اللحظة التي اتخذ فيها قرار الاقتراب منها باعتبارها جزءًا من مهمة مهنية لا أكثر. كان يعرف أن الوقت سيأتي الذي ستتجاوز فيه أسئلتها البسيطة والعابرة، وستنظر إليه بتلك النظرة المليئة بالفضول والشك والرغبة في الفهم، ثم تطرح السؤال الحقيقي الذي لا يمكن الهروب منه إلى الأبد: من أنت؟ أطلق زفيرًا طويلًا وهو يشيح ببصره نحو أضواء المدينة الممتدة في الأفق البعيد، لأن الحقيقة لم تكن سهلة كما قد تبدو، ولأن الإجابة التي تستحقها رهف كانت أعقد بكثير من أن تُقال في بضع كلمات. ماذا كان يفترض به أن يفعل؟ هل يخبرها بكل شيء دفع
اقرأ المزيد

الفصل 107

عبرا غرفة المعيشة الواسعة ثم اتجها نحو ممر طويل يمتد إلى الجهة الأخرى من الشقة، كان مضاءً بإضاءة دافئة مخفية داخل الجدران، فيما تزينت جوانبه بلوحات فنية أنيقة وأبواب مغلقة أضفت على المكان مزيجًا متوازنًا من الفخامة والراحة. كانت رهف تلتفت حولها باستمرار، وكلما اكتشفت زاوية جديدة أو تفصيلًا آخر ازداد اقتناعها بأنها لم تر سوى جزء صغير من هذا المكان المذهل. توقف جاسر أخيرًا أمام أحد الأبواب، ثم فتحه ودفع كرسيها إلى الداخل. وما إن دخلت رهف ورأت الغرفة حتى اتسعت عيناها مرة أخرى. كانت الغرفة واسعة ومريحة بطريقة تبعث على الطمأنينة، تضم سريرًا كبيرًا وأثاثًا أنيقًا بألوان هادئة، بينما كانت نافذتها الزجاجية تطل على مشهد آخر من أضواء المدينة. لكن ما لفت انتباهها أكثر كان الباب الجانبي. أشار إليه جاسر قائلاً: "هناك حمام خاص بالغرفة." ثم أضاف: "لن تحتاجي للخروج أو طلب المساعدة في كل مرة." التفتت إليه، فتابع بهدوء: "أردت فقط أن تحصلي على أكبر قدر ممكن من الخصوصية." في تلك اللحظة شعرت رهف بدفء خفي يتسلل إلى قلبها، لأنه كان دائم الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها معظم الناس، تلك ا
اقرأ المزيد

الفصل 108

استمر العشاء بينهما لوقت أطول بكثير مما كان أيٌّ منهما يتوقع في البداية، لا لأن الحديث الذي دار بينهما كان يحمل أهمية استثنائية أو لأنهما كانا يناقشان قرارات مصيرية قد تغير مجرى حياتيهما. بل على العكس تمامًا؛ فقد كان السبب الحقيقي وراء امتداد تلك الساعات هو أنهما وجدا نفسيهما، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، يتحدثان عن أشياء عادية للغاية، أشياء بسيطة لا تتعلق بالمطاردات أو المخاطر أو الأشخاص الذين يسعون خلفهما، بل عن تفاصيل يومية مألوفة كأنهما يحاولان استعادة جزء من حياة طبيعية افتقداها منذ زمن. ومع مرور الوقت وانسياب الأحاديث بينهما بهدوء، بدأت آثار الأيام القاسية التي مرت بها رهف تظهر بوضوح أكبر، فقد كانت ساعات التوتر المتواصلة والإرهاق النفسي والجسدي الذي تحملته خلال الفترة الماضية أثقل من أن تستطيع إخفاءه إلى الأبد. أصبحت حركاتها أبطأ قليلًا، وبدأ التعب يتسلل إلى ملامحها رغم محاولاتها المستمرة للظهور بمظهر متماسك، بينما بدت عيناها وكأنهما تحملان عبء أيام طويلة من السهر والقلق. ولم يكن جاسر بحاجة إلى أن تخبره بذلك؛ فقد لاحظ الأمر قبل أن تنطق به، إذ كان يراقب تفاصيلها الصغيرة أكثر
اقرأ المزيد

الفصل 109

انتهى الفطور على مهل، وكأن كليهما كان يؤخر لحظة انتهاء تلك الجلسة الهادئة دون أن يشعر بذلك بصورة واعية. وعلى غير ما اعتاداه خلال الأيام الماضية، لم يكن الصمت الذي خيّم على المكان بعد انتهاء الطعام صمتًا ثقيلًا أو محرجًا يفرض نفسه بين شخصين لا يعرفان كيف يملآن الفراغ بالكلمات، بل كان صمتًا مريحًا ودافئًا يحمل في أعماقه شعورًا خفيًا بالألفة والاعتياد. ذلك النوع من الألفة الذي يتسلل إلى النفوس تدريجيًا دون ضجيج أو مقدمات واضحة. كانت رهف ترتشف آخر قطرات القهوة من فنجانها ببطء بينما راقبت فهد وهو يجمع الأطباق وينقلها إلى المطبخ، وقد بدا منشغلًا بأفكاره أكثر من انشغاله بالمهمة البسيطة التي يؤديها. وبعد دقائق قليلة عاد إلى غرفة الجلوس، لكن رهف لاحظت على الفور أن ملامحه قد استعادت جديتها المعتادة، تلك الجدية التي كانت ترتسم على وجهه كلما تعلق الأمر بالعمل أو بأي شأن يحمل قدرًا من المسؤولية والخطر. توقفت عن تحريك فنجانها بين أصابعها وأخذت تتأمله باهتمام، فقد بدا وكأنه غارق في سلسلة طويلة من الأفكار المتشابكة التي يحاول ترتيبها داخل رأسه. مدّ يده نحو الطاولة والتقط مفاتيحه قبل أن يقول بنب
اقرأ المزيد

الفصل 110

في الجهة الأخرى، كانت سيارة جاسر تشق طريقها بصبر وسط زحام الشوارع المكتظة، متقدمة بسرعة ثابتة لا تعكس شيئًا من العاصفة التي كانت تعصف داخل رأسه. فعلى الرغم من الضوضاء المحيطة به وأصوات المركبات المتداخلة من كل اتجاه، لم يكن ذهنه منشغلًا إلا باسم واحد ظل يطارد أفكاره طوال الفترة الماضية، اسم تحول تدريجيًا من مجرد هدف أمني إلى هاجس ثقيل وكابوس حقيقي يرفض أن يغادره. مدحت. ذلك الرجل الذي استطاع، على نحو يثير الإحباط، أن يفلت من قبضتهم مرة بعد أخرى. ففي كل مرة كانوا يقتربون فيها من كشف مكانه أو تضييق الخناق عليه، كان ينجح بطريقة ما في التواري والاختفاء قبل لحظات فقط من الوصول إليه. وكلما اعتقدوا أنهم أمسكوا بالخيط الذي سيقودهم أخيرًا نحوه، اكتشفوا أن مدحت كان قد سبقهم بخطوة جديدة، وكأنه يراقب تحركاتهم من الظل ويعرف مسبقًا إلى أين سيتجهون. شدد جاسر قبضته على المقود دون أن يشعر، بينما كانت عضلات فكه تنقبض تدريجيًا. لم يكن مرتاحًا، ولم يعرف معنى الراحة منذ فترة طويلة. فكيف يمكنه أن يستريح بينما مدحت ما زال حرًا يتنقل في الخفاء؟ وكيف يسمح لنفسه بالابتعاد عن العمل بينما الخطر الذي يسعو
اقرأ المزيد
السابق
1
...
910111213
...
15
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status