All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 121 - Chapter 130

143 Chapters

الفصل 121

اقترب منها عدة خطوات متتالية، ثم قال بصوت مرتفع أفزعها حتى ارتجف جسدها دون إرادة منها: "من أعطاكِ الحق لتفعلي هذا؟!" اتسعت عيناها بصدمة واضحة، وكأنها لم تستوعب السؤال نفسه. أما هو فلم يمنحها الوقت لتستوعب أو ترد، بل تابع بنبرة أكثر حدة: "وبأي حق تصعدين إلى هنا أصلًا؟!" ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تشرح: "أنا فقط أردت أن..." لكن صوته جاء قاطعًا لكلماتها بعنف أكبر: "أردتِ ماذا؟!" ساد صمت ثقيل بينهما للحظات، صمت بدا وكأنه امتد طويلًا رغم أنه لم يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، قبل أن يشير حوله بعصبية واضحة ويقول: "لمجرد أنني أبقيتكِ هنا وسمحت لكِ بالتصرف بحرية، فهذا لا يعني أن هذا منزلك." كانت تلك الكلمات أشبه بصفعة مباشرة على قلبها. شعرت بها تخترق صدرها بقوة لم تكن مستعدة لها. لكن جاسر لم يكن قد انتهى بعد، فقد كان الخوف لا يزال يعمي بصيرته والغضب يسيطر على كلماته. "هناك حدود يا رهف." قالها بصرامة شديدة. "حدود يجب أن تعرفيها وتلتزمي بها." ثم أضاف بصوت أكثر قسوة: "ولا أريدكِ أن تتجاوزيها مرة أخرى." بدأ لون وجهها يتلاشى تدريجيًا حتى بدا شاحبًا بصورة مؤلمة، بينما كانت عيناها تمتلئان بال
Read more

الفصل 122

ما إن أغلقت رهف باب غرفتها خلفها واختفت عن ناظريه، حتى ظل جاسر واقفًا في مكانه وكأن الزمن قد توقف من حوله، عاجزًا عن اتخاذ خطوة واحدة أو حتى التقاط أنفاسه بصورة طبيعية، بينما كانت ملامحها الأخيرة قبل أن ترحل تلاحقه بإصرار قاسٍ لا يرحم. بقيت صورة عينيها الغارقتين بالألم، ونظرتها المنكسرة التي لم يعهد رؤيتها فيها من قبل، عالقة في ذهنه بصورة مؤلمة، تتكرر أمامه كلما حاول أن يصرف تفكيره عنها، وكأنها تأبى أن تغادره أو تمنحه فرصة للهروب مما تسبب به. لم يكن جاسر معتادًا على رؤية رهف بذلك الضعف، فهي دائمًا ما كانت تحاول التماسك حتى في أصعب لحظاتها، ولم يكن معتادًا كذلك أن يكون هو السبب المباشر في انكسار شخص أو سقوط دموعه، لذلك كان وقع ما حدث عليه أثقل مما توقع بكثير. شعر بذنب مرير بدأ يتسلل إلى أعماقه ببطء، يتمدد داخل صدره ككتلة ثقيلة تضغط على أنفاسه وتخنقه شيئًا فشيئًا، حتى بات يشعر وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر صعوبة في الوصول إلى رئتيه. أغمض عينيه لثوانٍ طويلة محاولًا استعادة هدوئه الذي تلاشى بالكامل، ثم أطلق زفرة عميقة ومضطربة وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره بعصبية واضحة، في محاولة يائسة ل
Read more

الفصل 123

استند إلى السور الزجاجي للشرفة وأطلق زفرة طويلة بدت وكأنها محاولة يائسة لطرد ذلك الثقل الجاثم فوق صدره، ثم أتبعها بأخرى أكثر عمقًا، وثالثة حملت معها كل ما عجز عن قوله أو مواجهته، لكنه أدرك بعد لحظات أن شيئًا لم يتغير. لم تهدأ الفوضى التي تعصف داخله، ولم يتراجع ذلك الشعور الخانق الذي يلتف حول أفكاره كقبضة محكمة. بل على العكس تمامًا، فكلما خفتت الأصوات من حوله وسكنت الحركة في أرجاء المكان، ارتفعت الأصوات داخل رأسه بصورة أشد إزعاجًا، وكأن الصمت الخارجي منح ذكرياته وأفكاره المساحة الكافية لتهاجمه دون رحمة. وجد نفسه يستعيد ما حدث مرة بعد أخرى، وكأنه عالق داخل دائرة لا نهاية لها، يعيد مشاهدة المشهد ذاته بكل تفاصيله المؤلمة. تذكر كل كلمة خرجت من فمه، وكل تعبير ارتسم على وجهها، وكل نظرة لمحها في عينيها وهي تحاول فهم ما يحدث. واستعاد كذلك تلك اللحظات الصغيرة التي انكسر فيها صوتها قبل أن تنطق باعتذارها الخافت، وكأنها كانت تحاول جاهدة أن تخفي ألمها خلف كلمات بسيطة. "أنا آسفة." ترددت العبارة داخل ذاكرته مجددًا، واضحة ومؤلمة كما لو أنها قيلت للتو، فقبض على عينيه بقوة وأغلقهما كمن يحاول الهرو
Read more

الفصل 124

وفي الداخل، خلف باب غرفتها المغلق، كانت رهف قد استسلمت أخيرًا لذلك البكاء الذي قاومته طويلًا. جلست فوق سريرها تحتضن الوسادة إلى صدرها بقوة، وكأنها تحاول الاحتماء بها من الألم الذي يعصر قلبها. ومع مرور الوقت بدأت شهقاتها تخف تدريجيًا، لكن الوجع ظل ثابتًا في مكانه، يرفض أن يهدأ أو يتراجع. وفجأة قطع الصمت ذلك الصوت الإلكتروني الخافت الذي اعتادت سماعه، صوت قفل باب الشقة الرئيسي وهو يُغلق. رفعت رأسها بسرعة، وتوقفت دموعها للحظة قصيرة بينما اتجهت أنظارها نحو الباب. لم تحتج إلى التفكير طويلًا لتفهم ما حدث. لقد خرج. كانت متأكدة من ذلك. بقيت تحدق نحو الباب بصمت، بينما تسلل إلى داخلها شعور غريب لم تستطع تفسيره بالكامل. ربما كان لا يزال غاضبًا منها، وربما لم يعد يرغب حتى في رؤيتها الآن. وسرعان ما عادت الكلمات القاسية التي قالها لتتردد داخل رأسها من جديد، فخفضت نظرها نحو الأرض وهي تشعر بغصة موجعة تستقر في حلقها. ومع ذلك، ورغم الألم الذي سببه لها، لم تستطع أن تكرهه، بل إنها لم تستطع حتى أن تفهم ما الذي حدث بالضبط. أخذت تعيد الموقف في ذهنها مرة تلو الأخرى، باحثة عن خطأ ارتكبته أو لحظة
Read more

الفصل 125

استغرق الأمر من جاسر ساعاتٍ طويلة ليفعل شيئًا يليق بحجم الخطأ الذي ارتكبه، شيئًا يُظهر لها أنه نادم حقًا، وأن ما حدث لم يكن سوى لحظة غضب عابرة لا تعبر عن حقيقة مشاعره تجاهها. أمضى جزءًا كبيرًا وهو يصدر التعليمات لرجاله ويطلب منهم تجهيز بعض الأمور التي احتاجها لتنفيذ خطته. ثم غادر بنفسه متجهًا إلى أحد المتاجر الكبيرة، وهناك أخذ يتجول بين الأرفف بهدوء، يتفحص ما حوله بعينين شاردتين، وكأنه يبحث عن شيءٍ أثمن من مجرد هدية. وفجأة تذكر حديثًا قديمًا جمعه برهف قبل أشهر، حين كانت تتحدث بحماس طفولي عن حلمها الكبير، حلمها بأن تصبح مترجمة محترفة وتؤسس يومًا ما مكتب ترجمة خاصًا بها يحمل اسمها ويكون ثمرة سنوات من التعب والاجتهاد. كان يتذكر تفاصيل ذلك الحديث بدقة غريبة، ويتذكر كيف كانت عيناها تلمعان بالحياة وهي تتحدث عن اللغات والكتب والمستقبل الذي تتخيله لنفسها، لذلك لم يتردد وهو يتجه إلى قسم الأجهزة الإلكترونية ويختار لها حاسوبًا محمولًا حديثًا بمواصفات ممتازة. ثم انتقل إلى قسم الكتب واشترى مجموعة من أفضل قواميس الترجمة والمراجع اللغوية التي قد تساعدها في تحقيق حلمها. لم يكن الأمر مجرد هدية ب
Read more

الفصل 126

سارت رهف بجواره بصمت وهي لا تزال تحاول فهم ما يحدث. وعندما وجدت نفسها تخرج معه من الشقة اتسعت عيناها قليلًا. "هل سنخرج؟" سألته باستغراب، لكنها لاحظت أن وجهته لم تكن نحو المصعد كما توقعت. بدلًا من ذلك، اتجه إلى نهاية الممر الطويل الذي لم تكن قد أولته اهتمامًا من قبل، وهناك كان يوجد سلم ضيق مخفي نوعًا ما في آخره. تبعته وهي تزداد حيرة مع كل خطوة. صعدا الدرج حتى وصلا إلى باب معدني كبير، فأخرج جاسر مفتاحًا وفتحه، ثم أفسح لها المجال لتدخل أولًا. وما إن عبرت الباب حتى توقفت مكانها تمامًا. لقد كان سطح المبنى. مساحة واسعة ومفتوحة يحيط بها سور متوسط الارتفاع، والنسيم المسائي البارد يمر فوقها برقة، بينما كانت أضواء المدينة المتناثرة تمتد أمامهما كلوحة مضيئة تحت السماء. لكن ذلك لم يكن أكثر ما فاجأها. ففي منتصف السطح كانت هناك طاولة أنيقة أُعدت بعناية، تحيط بها أضواء صغيرة دافئة تضفي على المكان سحرًا خاصًا، وعلى الطاولة كانت توجد أطباق متنوعة من الطعام والمشروبات، إضافة إلى بعض الزهور التي زينت المكان ببساطة جميلة. تجمدت رهف في مكانها وهي تحدق بالمشهد غير مصدقة. ثم التفتت إليه ببطء وس
Read more

الفصل 127

وبعد أن انتهيا من تناول الطعام وعادا إلى الشقة وسط هدوء المساء الذي كان يلف المكان، كانت رهف تسير إلى جواره وهي تظن أن مفاجآت هذا اليوم قد انتهت، وأن اعتذاره الذي بذل فيه كل ذلك الجهد كان آخر ما يريد قوله.لذلك توقعت أنه سيتمنى لها ليلة هادئة ثم يتجه إلى غرفته لينام، لكن ما إن دخلا حتى التفت إليها فهد وأخبرها بهدوء أنه يريدها أن تأتي معه إلى مكان آخر.عقدت حاجبيها باستغراب، ثم تبعته بنظراتها وهو يتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، إلا أن قدميها توقفتا عند أول درجة وكأن حاجزًا خفيًا منعها من التقدم أكثر.بقيت واقفة مكانها تتردد، تنظر إلى الأعلى ثم إلى الأرض، بينما كان جاسر قد صعد عدة درجات قبل أن يلتفت إليها.وما إن وقعت عيناه عليها حتى فهم فورًا ما يدور في ذهنها؛ فقد كان ذلك المكان بالنسبة لها جزءًا من عالمه الخاص الذي لم يسمح لأحد بالاقتراب منه من قبل.تنهد بخفة، ثم عاد أدراجه ونزل الدرجات التي صعدها حتى وقف أمامها مباشرة، ومد يده نحوها دون أن يقول شيئًا في البداية، وكأن صمته كان أكثر طمأنينة من أي كلمات.ثم أمسك يدها برفق وسحبها معه إلى الأعلى، وقال بصوت هادئ يحمل شيئًا من الصد
Read more

الفصل 128

مرّت الأيام التالية مختلفة تمامًا عن كل ما سبقها، وكأن ذلك المساء الذي فتح فيه فهد باب مكتبه أمام رهف لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل نقطة فاصلة انقسمت عندها حياتها إلى مرحلتين؛ مرحلة كانت تسير فيها بلا هدف واضح، تتشبث بالأيام فقط لأنها مضطرة إلى الاستمرار، ومرحلة أخرى بدأت فيها تستعيد نفسها قطعةً قطعة، وتعيد جمع الأحلام التي ظنت يومًا أنها ضاعت إلى الأبد. فبعد ذلك اليوم، وكأن نافذةً قديمة أُغلقت في قلب رهف لتُفتح مكانها أبواب واسعة نحو المستقبل، بدأت تستعيد حلمها الذي ظنّت لسنوات أنه تاه بين ظروف الحياة ومسؤولياتها الثقيلة. كانت تجلس كل مساء أمام شاشة حاسوبها، تحيط بها الكتب من كل جانب، وتتصفح مواقع الترجمة والنشر الإلكتروني بعينين تلمعان بالأمل. لم تعد ساعات الفراغ بالنسبة لها مجرد وقت يمر ببطء، بل أصبحت فرصة جديدة تقترب بها خطوة إضافية من حلمها الكبير. كانت تدرك جيدًا أنها لا تستطيع الالتحاق بوظيفة تقليدية تتطلب منها الحضور اليومي إلى مكتب والعمل لساعات طويلة خارج المنزل، لكن ذلك لم يعد يزعجها كما كان في السابق. فقد آمنت للمرة الأولى منذ سنوات أن النجاح لا يملك طريقًا واحدًا، وأن ا
Read more

الفصل 129

ورغم أن الأيام الأخيرة كانت تسير على نحو أفضل مما تجرأ جاسر يومًا على تخيله، ورغم أن رؤية رهف وهي تستعيد شغفها القديم وتعود للحياة تدريجيًا كانت تمنحه شعورًا عميقًا بالراحة والرضا، إلا أن هناك حقيقة واحدة ظلت جاثمة فوق صدره كحجر ثقيل لا يسمح له بالتنفس بحرية. حقيقة كانت تلاحقه في كل لحظة هدوء، وتفسد عليه أجمل الأوقات التي يقضيها معها، وتجعل السعادة التي يشعر بها ناقصة مهما حاول إقناع نفسه بعكس ذلك. كان يكفي أن يراها تضحك أمامه أو تتحدث بحماس عن مشروع ترجمتها الجديد حتى يشعر قلبه بالدفء، لكن ذلك الدفء لم يكن يلبث أن يتلاشى عندما يتذكر السؤال الذي أصبح يؤرقه ليلًا ونهارًا: متى سيخبرها بالحقيقة؟ وماذا ستفعل عندما تعرف؟ كان السؤال يتكرر في رأسه عشرات المرات كل يوم حتى أصبح أشبه بصوت دائم لا يتوقف. كم مرة جلس أمامها مستعدًا للاعتراف؟ كم مرة أخبر نفسه أن الوقت قد حان؟ وكم مرة فتح فمه ليبدأ الحديث ثم تراجع في اللحظة الأخيرة؟ لقد فقد القدرة على العد. في بعض الليالي، وبعد أن تنام رهف ويعم السكون أرجاء الشقة، كان يجلس وحده في مكتبه المظلم، ينظر عبر النافذة إلى أضواء المدينة البعيدة وي
Read more

الفصل 130

وفي إحدى الأمسيات، بينما كان جالسًا داخل مكتبه غارقًا بين أكوام الملفات والتقارير التي تملأ مكتبه، محاولًا التركيز على الأرقام والبيانات المعروضة أمامه على شاشة الحاسوب، اهتز هاتفه فوق الطاولة معلنًا وصول مكالمة جديدة.وما إن وقعت عيناه على الاسم الظاهر على الشاشة حتى أطلق زفرة طويلة مليئة بالاستسلام، لأن اسم والدته كان كافيًا ليخبره مسبقًا بموضوع المكالمة قبل أن يجيب عليها.رفع الهاتف ببطء وكأنه يستعد لدخول معركة يعرف تفاصيلها ونتيجتها مسبقًا، ثم قال بصوت هادئ: "مساء الخير يا أمي."فورًا جاءه صوتها الدافئ المليء بالمحبة، ذلك الصوت الذي كان يملك قدرة عجيبة على إذابة أي توتر داخله وجعله أكثر لينًا مهما حاول المقاومة.لكنه في الوقت ذاته كان يعرف والدته جيدًا، وربما أكثر مما ينبغي، ولذلك أدرك منذ اللحظة الأولى أن تلك البداية اللطيفة لم تكن سوى مقدمة لطلب جديد قادم لا محالة.وحين تبادلا السؤال عن الأحوال والصحة، وساد بينهما صمت قصير لم يستمر سوى ثوانٍ معدودة، أدرك أن اللحظة المنتظرة قد حانت، فبادرها بحذر قائلاً: "حسنًا... ماذا تريدين؟"ضحكت بخفة وكأنها فوجئت بقدرته على كشف نواياها بهذه ال
Read more
PREV
1
...
101112131415
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status