All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 1 - Chapter 10

16 Chapters

الأستيقاظ في الأمس ..

ربما تحمستْ قليلاً عندما قررت الانتقام.. ربما أرادت ردّ اعتبارها وحسب. وأخيراً، من بين كل الأزقة الضيقة التي حُشرت فيها طوال حياتها، قررت أن تسير في طريق تملكه هي.. وليتها لم تفعل. كل شيء بدأ بلحظة غضب، اندفاع أعمى كان ثمنه غالياً جداً، وكانت هي وحدهـا من دفعت الفاتورة كاملة.الظلام يبتلع كل شيء، باستثناء بقع صفراء باهتة تطردها أعمدة الإنارة لتسقط فوق أطراف الطريق الأسفلتي.في ذلك المدى الموحش، كان هناك خيالان يتحركان بخطى وئيدة، أحدهما يرتفع عن الآخر ببضعة سنتيمترات. الهواء البارد يلتف حولهما بشراسة، يداعب فساتينهما الطويلة، وينبش خصلات الشعر المنسدلة؛ إحداهما يطير شعرها الطويل خلفها كوشاح أسود، والأخرى بالكاد يلامس شعرها حدود كتفيها.كانت الخطوات ثقيلة ومضنية. كعوبهما العالية تغوص بعناد في الرمال المحاذية للرصيف. رفعت لمار قدمها بانزعاج طغى على ملامحها التي تكفل الظلام بإخفاء تفاصيلها، ولم يبرز منها سوى لمعة عينيها تحت الضوء الخافت المتسلل من بعيد.تنهدت شقيقتها ليلى، ورفعت رأسها لتثبت بصرها على لمار. أنفاسها المتقطعة كانت تصارع الريح. سألت بنبرة مثقلة برطوبة الحزن:"لمار.. والآن..
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more

خيوط متشابكة .. وفخٌ يغلق

ارتسمت على شفتي شمس ابتسامة لطيفة، دافئة كسرت برودة الجو المحيط بهما، ثم التفت نحو لمار وسألها بنبرة هادئة:"هل تناولتِ إفطاركِ بعد؟"هزت لمار رأسها نفيّاً، وأنزلت عينيها نحو الأرض وهي تعبث بأصابعها:"لا.. لقد نسيت تماماً. البارحة استدعتني أمي للمنزل، كانت حازمة في اتصالها وأرادتني هناك قبل المساء، ولم أستطع رفض طلبها أو التفكير في شيء آخر."بابتسابته المعهودة، رفع شمس إصبعه وطرق جبهتها برفق مداعباً إياها:"لا تزال فتاتنا ساذجة كما هي! وما علاقة اتصال والدتكِ بإهمال إفطاركِ؟ أخبرتكِ أن تذهبي إلى منزل عائلتكِ، لا أن تذهبي بجسدٍ خاوٍ وجائعة!"فركت لمار جبهتها مكان ضربته الخفيفة، وجمعت حواجبها بتذمر ساخر تخفي وراءه ضحكة:"آه.. لقد كان هذا مؤلماً حقاً!"انطلقت ضحكة شمس الهادئة، ثم مد ذراعه ليضم كتفها برفق، دافعاً إياها للمشي بجانبه:"دعينا نتناول الإفطار أولاً، ثم نذهب لتنفيذ أوامر الملكة!"توقفت لمار فجأة في مكانها، ولمعت عيناها ببريق فكرة مباغتة. استدارت نحوه وبوجهٍ مشرق سألته بحماس:"هل تملك وسيلة نقل اليوم؟ أم أننا سنضطر لاستخدام دراجتي النارية؟"رفع شمس حاجبيه بذهول وصدمة، وتراجع خطو
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more

في جوف المجهول..قصرٌ خلف الركام

تصلّب جسد لمار فوق مقعد دراجتها النارية، وعقلها عاجز تماماً عن استيعاب الثواني الأخيرة. لم يكن اقتحاماً بالمعنى الحرفي، بل كان أشبه باختطاف مباغت وخاطف؛ صعد الرجل خلفها دون إذن، بحركة بالغة السرعة والخفة، كأنه جسد مدرب على مثل هذه الوثبات الخطيرة منذ سنوات.لم تتمكن من الاستدارة لتتفحص وجهه كاملاً، لكن لمحة سريعة بطرف عينها كانت كافية لتبصر ملامحه المغطاة بخطوط من الدماء القانية، التي جفّ بعضها فوق بشرته ليرسم لوحة مرعبة. كان دليلاً قاطعاً على أنه خرج للتو من شجار عنيف وضارٍ، أو ربما حرب صغيرة خاضها بمفرده، وهذا الاحتمال الأخير كان الأقرب لروحه الشرسة.شلّت الصدمة قدرتها على التفكير، خاصة عندما شعرت بملمس معدني بارد لـسلاح صغير يضغط مباشرة على خاصرتها، أخفاه عن أعين المارة ببراعة تامة تحت كفه الكبيرة القوية. وبنبرة حادة كالشفرة، لفح صوتُه اللاهث أذنَها:"انطلقي الآن.. وإلا قتلتكِ هنا."كانت هالته المرعبة ثقيلة وطاغية، تعبق برائحة الخطر والبارود والدم، لتكتسح المساحة الضيقة من حولهما. هذه الهجمة وضغط السلاح الحارق أعادا لمار فجأة إلى أرض الواقع المرير الذي وجدت نفسها فيه دون إنذار، أو
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more

خبوط الدم الابيض

أجاب ببرودٍ يثير الجنون، كأنه يلقي حكماً قدرياً لا رجعة فيه: "لا، ليس اليوم."انقبضت أسارير لمار، واجتاحتها موجة تذمر عارمة لم تستطع كبتها، فهتفت بنبرة حادة: "لماذا ليس اليوم؟ ألا يكفي بأنني تأخرت بما يكفي؟ هل تريد إيقاعي بالمشاكل؟ فاليوم لدي موعد مهم ومصيري وعليّ حضوره حتماً!"لم تحرك كلماتها الساخنة شعرة واحدة من بروده؛ بل أجاب بصوت هادئ، منخفض، يقطر ثقة مخيفة: "أعتقد بأن سلامتكِ، والأهم من ذلك سلامتي، أهم بكثير من موعدكِ المهم هذا."نظرت إليه، وكانت الدهشة تكسو ملامحها الشاحبة. تزلزلت من هدوئه الغريب، وسألت نفسها بذهول: كيف يستطيع أن يبقى هادئاً هكذا في مثل هذه الظروف العصيبة؟ فأنا التي لا علاقة لي بكل هذا الجحيم لا أستطيع التقاط أنفاسي، وهو يتنفس البرود!فجأة، التقت عيناه بعينيها. رمقها بحدة خارقة، وتساءل بنبرة مستنكرة: "لِمَ تنظرين إليّ بهذه الطريقة؟"بلعت ريقها الجاف، وحاولت رسم ابتسامة متصنعة باهتة على شفتيها بالكاد تخفي انزعاجها: "متعجبة."رفع حاجبه الأيمن إلى الأعلى في تحدٍّ صارخ: "مِن ماذا؟"ظلت الابتسامة المُرّة معلقة على وجهها وهي تقاوم الرغبة في الصراخ: "من هدوئك الذي سيص
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more

"قبلة فوق جليدٍ رقيق "

انقبض قلب لمار بشدة وهوت أطرافها عندما انفتحت عيناه فجأة والتقت نظرته بنظرتها؛ لكنها رأت برعب أن وعيه كان غائباً تماماً، وكانت عيناه فارغتين من أي إدراك، قبل أن يستسلم لجاذبية الضعف ويعود ليغوص في نوم ثقيل ومبهم، لم تعلم إن كان سيفيق بعده أبداً أم أنها غيبوبة الموت.​لم تعد لمار تعرف إن كان النهار قد حل في الخارج أم أن الليل لا يزال بسواده؛ فبمجرد دخولها إلى هذا الحصن الأبيض الخفي، فقدت صلتها بالكون الخارجي تماماً وتلاشت قيم الوقت لديها، خاصة بعد أن ومضت شاشة هاتفها ومضتها الأخيرة ونفدت بطاريته ليموت تماماً.​عادت تحوم حول سريره الدائري كفراشة قلقة؛ تضع المنشفة البيضاء المبللة على جبينه اللاهب، وتمسح خصلات شعره وأطراف رأسه بالماء البارد دون كلل أو ملل، وكأن هذا الرجل يعنيها منذ زمن، وليس الخاطف الذي ساقها إلى سجن غامض لا تدري إن كانت ستخرج من بواباته سليمة أم جثة هامدة. كان التوتر الخانق يرتسم خطوطاً واضحة بين حاجبيها، والخوف من عدم زوال الحمى ينهش عقلها؛ ماذا لو ساءت حالته أكثر؟ كيف يمكنني استدعاء طبيب إلى مكان لا أعرف طيف جغرافيته ولا أملك وسيلة للتواصل مع من هم خارجه؟​كانت حالته
last updateLast Updated : 2026-07-10
Read more

سياج المثالية المنكسر

ظلّ بصر تيم مثبتاً عليها؛ مرّ بعينيه بخفة يتأملها من أسفل قدميها وحتى أعلى رأسها. حركاتها الواثقة، وثباتها العجيب، وخلوّ ملامحها من أي ارتباك أو خوف منه، جعل يده الممسكة بكأس الماء ترتعش برفق، وظلّت قطبتا حاجبيه المتفاجئتين تحتلان ملامحه. تحول بنظراته المصعوقة إلى السكين المستقرة بين يديها وهي تقطع الخضار بمهارة وسرعة، وبدت متمرسة في الأمر وكأنها تفعل ذلك منذ سنوات. شعرت لمار بسؤاله الذي بقي عالقاً في حنجرته ويأبى الخروج، فحولت عينيها إليه دون أن توقف حركة السكين: "قل.. ما الذي تريد قوله؟" تمركزت عيناه الصفرواوان في عينيها مباشرة. لمحت لمار في تلك اللحظة ومضة من الضياع في عينيه المتسعتين؛ وقالت في نفسها بزهو: ربما لم يقترب من فتاة بهذا القرب قط قبلها، لذا ارتبك. لم تفهم لمار لماذا انتابها هذا الشعور بالذات، لكنه كان مريحاً لروحها؛ ففكرة أن تكون هي "الأولى" التي تزلزل حصونه لم تكن سيئة لشخص مغرور ومتسلط مثله. أن يتعثر في الكلام معها هي بالذات، بدا لها كإنجاز تاريخي لم تحققه طوال حياتها تحت ظل التهميش. اكتشفت فجأة أن تكون متسلطة ومتطفلة ليس بالسوء الذي كانت تسمع عنه؛ فطالما مُورست
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more

رقة القاتل .. ومضات الهاوية

لم تنكر لمار أن تلك الكلمة قد نفذت إلى أعمق نقطة في روحها وأثّرت فيها بشدة. لقد أشعلت ناراً كبريتية كانت نائمة داخلها، أو ربما لم تكن نائمة تماماً.. بل كانت تختبئ خلف دخان كثيف من الصمت والمداراة، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتتقد. وكانت كلمات تيم القاسية هي تلك الشرارة الكفيلة بإشعال النيران، فالتهمت كل حصونها، أو ربما بدأت تلتهمها هي وحدها في عتمة صدرها. للأسف، كانت تلك النيران المشتعلة من نصيبها وحدها؛ تأكل استقرارها ببطء وبلا رحمة، ولم تمتلك حتى الجرأة لتصرخ أو تطفئها.. أو لتنقذ نفسها من هذا التيه، حتى وإن أرادت ذلك بكل قوتها. بعد مرور بعض الوقت في غرفتها، تسلّل إليها ملل خانق كاد يطبق على أنفاسها. خرجت من سجن الغرفة تبحث عن أي شيء يشغلها.. شيء يشتّت عقها المنشغل بتفاصيل واقعه الجديد. تذكرت فجأة حساءها وطعامها الذي لم تكمل إعداده، فاتجهت نحو السلم بهدوء لإنهاء ما تبقّى. وهي تهبط درجات السلم الحلزوني، رأت بعينيها شخصاً لم يعد غريباً على تفاصيل يومها؛ كان هو.. "تيم". كان الشاب منغمساً بكليته في الطهي، مرتدياً مئزراً قماشياً أنيقاً يلتف حول خصره.. ذات المئزر الذي نسيت هي ارتداءه عندما
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more

أنفاس تحت الأرض..

نظر إليها تيم متسائلاً بعينين حائرتين.ابتسمت له لمار برقة بالغة، ثم قالت بصوت هادئ ومنخفض يشوبه غموض أثقل من عتمة المكان:"ومن قال إن القتل.. يحتاج إلى رقة؟"شحب وجه تيم فوراً، وضاقت عيناه اللوزيتان وهو يحدّق في ملامحها المسترخية بدهشة عارمة. تراجع خطوة صغيرة إلى الوراء، وبدأ يردد عبارتها بصوت خافت متهدج وكأنه يحاول فك شفرة تعويذة لم يفهمها:"ومن قال.. إن القتل لا يحتاج إلى رقة...؟"اتسعت ابتسامة لمار، ومال طرف فمها بثقة وثبات، وضاق سحر عينيها وهي تجيبه بنبرة متهكمة:"ألم تتوقع أن أقول شيئاً كهذا؟"ثم أردفت، ونبرتها تتحول فجأة إلى حدة دافئة تمزج بين وجع قديم وقوة مستحدثة:"أنا يا سيد .. مجرد فتاة عادية جداً، عشت حياتي بأكملها وأنا أتمنى أن أتمكن من الاعتماد على نفسي يوماً ما، بعد تجارب مخزية وانكسارات متلاحقة كادت أن تكسر ظهري. ورغم كل ذلك السواد، كنت أردد لنفسي أمام المرآة دائماً: إياكِ والاستسلام. وكلما زادت رغبتي في الوقوف، ازداد الثقل على كاهلي حتى سقطت على ركبتي رغماً عني، وما زلت أكابر وأقول: سأكون قوية. دخلت أسوار الجامعة معتقدة أنني سأتنفس الحرية لأول مرة بعيداً عن قيودهم، لك
last updateLast Updated : 2026-07-13
Read more

وداع مغزول بالبرود ..

قالت له بصوت خافت تائه:"أنا آسفة... لم أكن أقصد."رفع تيم يده الطويلة في الهواء، وكأنه يسدل بستار سميك على حوارهما العاصف، ثم قال بنبرة هادئة ورتيبة:"لا بأس... دعينا لا نتحدث عن هذا الآن."نهض بهدوء، ومدّ كفه الدافئة نحوها وأمسك أصابعها المرتجفة بلطف، ثم جذبها برفق لتقف أمامه، وصوته بدا أكثر ليونة وعطفاً مما توقعت بكثير:"هيا، اصعدي لتبدّلي ملابسكِ المبتلة بشيءٍ جاف، بينما أجهز مائدة الطعام."شددت لمار قبضتها على المنشفة الرطبة فوق رأسها، وكأنها تتشبث بها بما تبقى في جسدها من اتزان مهزوز، ثم همست بتردد وعينها في الأرض:"شكرًا لك."ابتسم تيم خفية، وكأن شيئاً مكتوماً في أعماق صدره تنفّس الراحة أخيراً، ثم دفع كتفها بخفة نحو السلم وهو يقول مداعباً:"هيا، اذهبي قبل أن يصيبكِ الزكام."صعدت إلى الأعلى، وبدّلت ثيابها الملتصقة بجسدها بتلك التي غسلتها بيديها في المساء وجفّت مُسبقًا بفعل حرارة التهوية. لم تنكر لنفسها... كانت تشعر بنبضة فرح غريبة تسري في عروقها.وحين نزلت درجات السلم، كان هو الآخر قد استبدل ثيابه المبتلة ببيجاما رياضية قطنية بيضاء ناصعة. ابتسمت لمار وسألته بمزاح خفيف تكسر به ال
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

ظل تحت النافذة ..

بعد أن أنهت مكالمتها مع ليلى، تسارعت نبضات قلبها وهي تبحث بين جهات الاتصال. سرعان ما اتصلت بشمس، صديق طفولتها المقرب، لتطمئنه هو الآخر، بعدما أرسلت لها ليلى رقمه الجديد.لم يتأخر في الرد إطلاقاً، وجاء صوته متوتراً عبر السماعة، يحمل رجفة خفية تكاد تنطق بما يشعر به من خوف عليها، وكأنه يراها أمامه الآن:"لمار؟! هل أنتِ بخير حقاً؟"زفرت براحة دافئة، ومرّت ابتسامة باهتة متعبة على شفتيها وقالت بصوت مهدئ:"أنا بخير يا شمس... بخير تماماً، لا تقلق."لكن صوته ظل مشحوناً بقلق صريح ولهفة حارقة وهو يمطرها بالأسئلة:"أين اختفيتِ فجأة بعد أن تركتكِ في ذلك اليوم؟ وأين كنتِ طوال هذه الأيام المرعبة؟ وأين أنتِ الآن أصلًا؟"أجابته بهدوء غريب بردت فيه نبرتها، وكأن كل ما مرت به من خطف واحتجاز تحت الأرض لم يكن سوى كابوس عابر تلاشى مع الصباح:"سأرسل لك موقعي الحالي.. تعال إلى هنا، وهناك نكمل حديثنا."تنفّس شمس الصعداء بعمق، وسمعت صوت زفيره بوضوح:"نعم، هذا أفضل بكثير... سآتي إليكِ في الحال، انتظريني ولا تتحركي."أنهت المكالمة دون أن تفكر في الاتصال بأي شخص آخر؛ لم تكن بحاجة لأكثر من ليلى وشمس في حياتها، فوجو
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status