LOGIN"كل شيء بدأ بلحظة غضب، اندفاع أعمى كان ثمنه غالياً جداً.. وكانت هي وحدها من دفعه ." تعيش "لمار" طالبة المحاماة حياة هادئة في سكنها الجامعي، محاولةً الهروب من كوابيس ماضٍ يطاردها في كل ليلة ماطرة، ومن أسرار عائلية تُخفيها عنها عائلتها النخبوية بجهد جهيد. لكن مكالمة هاتفية واحدة وجافة من والدتها في منتصف الليل تقلب موازين استقرارها؛ ضيف غامض سيزور المنزل غداً، ويجب أن تكون بأبهى حُلّة لاستقباله. بين رغبة عارمة في الانتقام ورد الاعتبار، وبين طريقٍ وعر اختارته بنفسها.. تكتشف لمار أن الوجوه الحقيقية لمن حولها أقسى مما تخيلت. هل كانت تذكرة العودة إلى عائلتها بداية لكشف الحقيقة، أم أنها مجرد خطوة أولى نحو فخٍ جديد؟
View Moreربما تحمستْ قليلاً عندما قررت الانتقام.. ربما أرادت ردّ اعتبارها وحسب. وأخيراً، من بين كل الأزقة الضيقة التي حُشرت فيها طوال حياتها، قررت أن تسير في طريق تملكه هي.. وليتها لم تفعل. كل شيء بدأ بلحظة غضب، اندفاع أعمى كان ثمنه غالياً جداً، وكانت هي وحدهـا من دفعت الفاتورة كاملة.
الظلام يبتلع كل شيء، باستثناء بقع صفراء باهتة تطردها أعمدة الإنارة لتسقط فوق أطراف الطريق الأسفلتي. في ذلك المدى الموحش، كان هناك خيالان يتحركان بخطى وئيدة، أحدهما يرتفع عن الآخر ببضعة سنتيمترات. الهواء البارد يلتف حولهما بشراسة، يداعب فساتينهما الطويلة، وينبش خصلات الشعر المنسدلة؛ إحداهما يطير شعرها الطويل خلفها كوشاح أسود، والأخرى بالكاد يلامس شعرها حدود كتفيها. كانت الخطوات ثقيلة ومضنية. كعوبهما العالية تغوص بعناد في الرمال المحاذية للرصيف. رفعت لمار قدمها بانزعاج طغى على ملامحها التي تكفل الظلام بإخفاء تفاصيلها، ولم يبرز منها سوى لمعة عينيها تحت الضوء الخافت المتسلل من بعيد. تنهدت شقيقتها ليلى، ورفعت رأسها لتثبت بصرها على لمار. أنفاسها المتقطعة كانت تصارع الريح. سألت بنبرة مثقلة برطوبة الحزن: "لمار.. والآن.. هل انتهى كل شيء حقاً؟" ابتسمت لمار بمرارة، وعيناها معلقتان بالشارع المضاء الذي بدأ يقترب: "ربما لا يجب أن أتهاون في شؤون العمل بعد الآن." هزت ليلى رأسها برفض قاطع، وهي تحث خطاها لتلاحق شقيقتها: "لا أقصد العمل يا لمار! أنتِ تعلمين جيداً.. أقصد، لماذا فعلتِ كل هذا؟" توقفت لمار لثانية واحدة. التقت عيناها بملامح أختها القلقة التي بدأت تتضح ملامحها أكثر فأكثر تحت أضواء الشارع. حكّت شعرها بتعب وإنهاك، ثم تابعت سيرها قائلة: "ألم أخبركِ بالأسباب بالفعل؟" ردت ليلى بهدوء صارم لا يلين: "لا.. لم تكن تلك الأسباب الحقيقية." أطلقت لمار ضحكة خافتة مخنوقة وهي تصعد المرتفع الرملي المؤدي للأسفلت بصعوبة: "أردتُ أن أرى وجوههم الحقيقية.. ليس إلا." تنهدت ليلى، وانحنت فجأة تستند بيديها على ركبتيها لتلتقط أنفاسها الهاربة بعدما وصلتا أخيراً إلى حافة الطريق العام. قالت وصوتها يتهدج: "أعرف أن ما مررتِ به في الماضي جعل ثقتكِ بالآخرين مستحيلة.." ثم وقفت باستقامة، وتطلعت في وجه شقيقتها مباشرة وتابعت: "أنتِ بالكاد تثقين بي أنا.. ونحن معاً منذ أكثر من سبعة عشر عاماً! هل تريدين إقناعي بأنكِ وثقتِ بهم وأنتِ لم تدخلي عائلتهم إلا منذ عام واحد؟" أمسكت لمار كف أختها، وحاولت جرّها لتواصلا السير: "دعينا نعبر إلى الطرف الآخر من الشارع، الإضاءة هناك أفضل." لكن ليلى أفلتت يدها باحتجاج صامت. خطت خطوتين ووقفت في منتصف الشارع تماماً، معترضة طريق لمار. تكتفت بيدين مرتجفتين، وحملت ملامحها توسلاً دافئاً يستعطف قلب شقيقتها القاسي: "ألن تخبريني بالسبب؟ لا أصدق أن كل هذا لأجل الخيانة.. يمان كان يخونكِ منذ اليوم الأول، وأنتِ لم تحركي ساكناً طوال هذا الوقت!" تصلّب جسد لمار كأن رصاصة أصابت ظهرها. توقفت تماماً، وحدقت في ليلى بعينين تشتعلان بشرر، وهي تصر على أسنانها بغضب مكتوم كاد يفجر عروق عنقها: "ستبقين واقفة هناك؟ هل غيرتِ رأيكِ وقررتِ الوقوف في صفهم ضدي؟" ردت ليلى بنبرة صادقة وخائفة: "لمار.. أنتِ تعلمين جيداً لمَ أقف هنا، ومع من أقف." ببرود جارح، أدارت لمار ظهرها ومضت: "إذاً ابقي مكانكِ.. وانتظريهم حتى يأتوا ويأخذوكِ معهم." صرخت ليلى، والدموع تخنق حنجرتها، فبدت الكلمات مكسورة: "لمار! لا تفتعلي شجاراً لمجرد أنكِ لا تريدين سحبي معكِ! أعرف أنكِ قلقة أكثر مني، ومتأكدة أنكِ تعلمين أنني سأكون معكِ ولو تخلى العالم كله عنكِ.. لكنني أحتاج لفهم السبب! ما الذي جعلكِ تقدمين على خطوة مجنونة كهذه دون أن تبالي بمصيركِ؟ هل أنا مخطئة لأنني أخاف عليكِ؟" هنا.. انفتح بركان السنوات المكبوت. التفتت لمار، وصرخت بكل الألم والحطام الذي خبأته في صدرها لدهور: "ولماذا أبالي بمصيري؟! لقد دمر أحلامي! جعلني أستيقظ على واقع أقسى من كل ما قاسيته في حياتي كلها.. ألا يكفي هذا ليحترق كل شيء؟!" تقدمت ليلى منها بخطوات بطيئة، حذرة، كمن يقترب من قنبلة موشكة على الانفجار: "ماذا فعل؟ أخبريني.. أنتِ بحاجة لإخراج هذا السم من قلبكِ.. لمار.. دعيني أكون مستودع سركِ، دعيني أتحمل عنكِ." ثقلت خطوات لمار، وأطبقت جفنيها بقوة تحاول حبس بكاء حارق كسر كل حصونها الدفاعية. لاحظت ليلى اهتزاز كتفي شقيقتها، فتابعت بصوت منخفض حنون: "يمكنكِ قولها يا لمار.. قولي أي شيء، لن ألومكِ، لن أدينكِ، ولن أتحدث عنها أبداً." خرج صوت لمار مهزوزاً، واهناً، كأنه ينبعث من بين ركام روح منسية: "خيانته.. تسببت في عقمي." تجمد الدم في عروق ليلى. اتسعت عيناها بذهول شلّ أطرافها، بينما تابعت لمار وهي تبتلع شهقاتها الممزوجة بالدموع: "ذهبتُ إلى بيته ذلك اليوم.. كنتُ أريد مفاجأته، أردتُ أن أخبره أنني سأمنحه فرصة ثانية لنبدأ من جديد. لكن المفاجأة كانت لي.. دخل ومعه امرأة أخرى. لم أجد نفسي إلا وأنا أختبئ خلف الأريكة، أكتم أنفاسي وأبكي بلا صوت كي لا يلاحظوا وجودي! تخيلي القسوة.. أختبئ من امرأة غريبة في منزلي!" رفعت رأسها نحو السماء المظلمة، تستنشق الهواء بصعوبة كأنها تختنق: "ومن شدة الصدمة والخوف.. سقطتُ أرضاً.. وأجهضتُ طفلي.. طفلي الذي لم أكن أعلم بوجوده أصلاً." انفرجت شفتا ليلى بصدمة يعجز عقلها عن استيعابها: "ماذا؟!" ضحكت لمار بانهيار تام، والدموع تغرق وجهها: "ولأن الإجهاض حدث في حملي الأول، ولأنني بقيتُ أنزف وحيدة.. تسبب لي بمشكلات صحية مزمنة.. تمنعني من الحمل مجدداً.. إلى الأبد." قطبت ليلى حاجبيها، والألم يعتصر ملامحها، بينما التفتت إليها لمار بعينين تشتعلان بالانتقام: "لم أعد أستطيع الإنجاب.. هل هذا سبب كافٍ لأذيقه من نفس العذاب الذي أذاقني إياه؟" سألت ليلى بصوت خافت مرتعش: "هل يعلم يمان عن الطفل؟" انفجرت لمار بغضب أعمى: "لا يستحق أن يعرف! إنه لا يهتم لأي شيء.. لذا لا يستحق.. أبداً." حاولت ليلى التقدم خطوة أخرى لمواساتها: "لمار.." لكن لمار رفعت يدها بحسم، تمنعها من الاقتراب، والكلمات تخرج بصعوبة من بين لوعتها: "لا تقتربي.. لا أريدكِ معي.. اذهبي إليهم." ثم استدارت لتمضي وهي تتمتم بصوت خفيض لم يسمعه أحد غيرها: "بقاؤكِ معي سيؤذيكِ.. لذا لا تأتي". جمعت ليلى أطراف فستانها بيدها، وبدأت تركض خلفها وهي تصرخ باكيّة: "لمار توقفي! لا تتركيني هنا.. أرجوكِ، أنا أخاف من الظلام!" كانت تستعطفها بنبرة طفولية خائفة.. ولكن، في تلك اللحظة الملعونة، توهج وجه ليلى فجأة بضوء أبيض كاسح. شعاع قوي وقادم بسرعة جنونية من اللامكان. رفعت ليلى يدها تحجب الضوء الصاعق، ووقفت مشلولة تماماً.. ثم انطلق صراخها الممزق للقلوب. انفتحت عينا لمار بفزع. كان العرق البارد يتلألأ على جبينها، وأنفاسها تتلاحق بثقل شديد كأنها كانت تركض في ذلك الشارع المظلم بالفعل. تلاشت الرؤية من أمام عينيها ببطء، ليحل محلها رنين هاتفها المحمول المزعج المنبعث من أسفل وسادتها، ممتزجاً بهدير الرعد الحقيقي الذي يضرب الخارج. استندت بظهرها بثقل على طرف السرير، وفركت صدغيها بقوة تحاول جمع شتات وعيها المبعثر. كان قلبها ينبض بعنف، وهناك شعور غريب ومرعب ينهش صدرها؛ لم يكن هذا مجرد حلم عابر.. شعرت بكامل جوارحها أن ما رأته الآن ليس كابوساً، بل هو مشهد من زمنٍ قادم.. ومصير ينتظرها خلف جدار الغد. من هو يمان؟ وماذا يعني العقم والانتقام؟ هي لا تعرف شيئاً من هذا كله الآن! نظرت إلى الشاشة التي أضاءت وجهها في عتمة الغرفة، تعرفت على هوية المتصل، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها بكسل ووهن لتطرد تلك الأفكار الغريبة: "نعم.. أمي." جاءها صوت والدتها عبر السماعة حاداً، حاسماً، وخالياً من أي مقدمات: "قبل المساء.. أريدكِ في المنزل." رفعت لمار حاجبها باستغراب، وسألت بنبرة متحشرجة: "ما الأمر؟ هل كل شيء على ما يرام؟" أجابت الأم بنفس النبرة الصارمة: "قبل أن تأتي، اذهبي إلى مصففة الشعر. دعيها ترتب شعركِ وتضع لكِ بعض مساحيق التجميل، واختاري شيئاً أنيقاً لترتديه. غداً سيزورنا ضيف مهم، ويجب أن تكوني بأبهى صورة." ارتبكت ملامح لمار، وشعرت بوخزة قلق زادت من اضطرابها بعد تلك الرؤية: "أمي.. أخبريني ما الذي يحدث؟ لم يمضِ وقت طويل على زيارتي الأخيرة، ولِمَ كل هذا الغموض؟" قاطعتها الأم بحدة: "افعلي ما قلته لكِ فحسب، وتعالي في الوقت المحدد." "ولكن أمي.." لم تمنحها فرصة لتكمل؛ إذ ساد صمت مفاجئ بعدما أغلقت الخط. حدقت لمار في الشاشة المظلمة للحظة. تملكها الفضول والخوف.. ما سر هذا الاتصال المفاجئ؟ ولماذا الآن؟ وما الذي تخطط له والدتها؟ هل هذا الضيف له علاقة بما رأته في منامها؟ قطع حبل أفكارها المضطربة صوت صارم وساخر انبعث من السرير المقابل: "كم مرة أخبرتكِ أن تضعي هاتفكِ اللعين على الوضع الصامت ليلاً؟! لقد أيقظتِني.. هل أنتِ سعيدة الآن؟" كانت هذه "لمى"، زميلتها في الغرفة، الفتاة الجادة التي لا تبتسم إلا نادراً. تملك ساقين طويلتين وملامح حادة، وترتدي نظارة طبية سميكة بسبب قصر نظرها. قالت لمار معتذرة بنبرة خفيضة: "أنا آسفة حقاً.. إنها أمي." أجابت لمى ببرود وهي تلتف للجهة الأخرى: "وما شأني أنا بأمكِ؟ فقط لا تكرري هذا الإزعاج." "أعدكِ لن يتكرر." "أتمنى ذلك." زفرت لمار بعمق. عادةً ما تضع هاتفها على الوضع الصامت، لكن انشغال بالها طوال اليوم بدراستها جعلها تنسى. تنهدت في سرها: آه، وكأن السماء تعاقبني. بدأت تحك رأسها بتوتر، فصدر عن حركتها صوت خفيف أزعج لمى مجدداً، فتنحنحت الأخيرة بضيق، لتنسحب لمار بهدوء تحت أغطيتها مستسلمة للنوم مجدداً، مصليةً ألا تعود إليها تلك الرؤية المرعبة. لمار، ذات العشرين عاماً، طالبة المحاماة التي تعيش في هذا السكن الجامعي المشترك، كانت عائلتها حتى وقت قريب تُعد من نخبة المجتمع الأثرياء. لكن كما يقال: عجلة الحياة لا تتوقف عن الدوران. وبالنسبة لعائلتها، دارت تلك العجلة بسرعة جنونية مؤخراً، جالبة معها مصيبة علمتهم درساً قاسياً. لم تكن لمار تعرف التفاصيل الكاملة لتلك المصيبة، لكنها كانت متأكدة من أن ما حدث له علاقة بها بشكل أو بآخر؛ لطالما لمحت ذلك في نظراتهم المتهمة وكلماتهم المسمومة. لكنها توقفت عن التخمين والسؤال منذ زمن.. فالأيام علمتها أن الأسرار التي يخفيها الأهل بجهد جهيد، غالباً ما تكون إجاباتها مؤلمة. ضربت جبينها بكفها وهمست لنفسها قبل أن تغمض عينيها: "لا بأس.. غداً سأعود للمنزل وأعرف الحقيقة." في صباح اليوم التالي، أيقظها صوت المنبه الصاخم. نعم، ولسوء حظها، اليوم كان يوم العطلة. فتحت عينيها بفزع كمن لمستها صعقة كهربائية، ولم تكد تستوعب مكانها حتى استقبلت وسادة طائرة ضربت وجهها مباشرة! صرخت لمى بغضب عارم: "كم مرة قلتُ لكِ ألا تزعجينا في يوم العطلة بقصص منبهاتكِ الحزينة؟!" ضمت لمار يديها معتذرة بسرعة: "أنا آسفة.. آسفة جداً." تدخلت "جنان"، زميلتهما الثالثة في الغرفة، وهي تقلد نبرة لمار باستهزاء مضحك: "في كل مرة تقولينها (أنا آسفة)، وفي كل مرة تكررين نفس الخطأ!" لكن "سارة"، برقتها المعهودة، تدخلت لتهدئة الأجواء قائلة بابتسامة: "ألم تعتادوا على هذا بعد؟ لمار خُلقت لتعتذر فحسب." انطلقت ضحكات الفتيات في أرجاء الغرفة، ولم تملك لمار إلا أن تضحك معهن. إنهن يعشن معاً منذ عامين في هذا السكن، ورغم الشجارات اليومية التافهة، كن دائماً مصدر الدعم الوحيد لها في غربتها. نهضت لمار، ارتدت بنطالها الجينز الواسع مع قميصها الأبيض الناعم الذي تفضله. وقبل أن تخرج، أغلقت كتاب القانون السميك الذي كانت أوراقه تتقلب باستمرار بفعل الهواء البارد القادم من النافذة المفتوحة، ثم تسللت خارج الغرفة بهدوء. بعد ليلة ماطرة وطويلة، صارعـت فيها النوم بسبب الرعد والرياح التي تبقيها دائماً في حالة تأهب لتجنب الرعب، أشرقت الشمس أخيراً. رائحة المطر العذبة كانت لا تزال عالقة في الأرض الطينية، وقطرات الماء تتساقط من أوراق الشجر بنغم رتيب دافئ. كان شعرها الطويل مضفوراً بعناية يتدلى على كتفها، وتطايرت خصلات متمردة منه على وجهها فداعبت أنفها. في تلك اللحظة بالذات، مر شاب من جانبها.. شعرت بكهرباء مألوفة تسري في جسدها، وتجمدت خطواتها فجأة. تلك العينان الخضراوان الخاطفتان..! همست بدهشة حقيقية، وكأنها لا تصدق ما تراه: "شمس؟!" كان يبتسم لها بذات الدفء القديم. تقدمت نحوه بحماس، وابتسامتها اتسعت لتملأ وجهها كأنها لم تبتسم منذ سنوات. وقفت أمامه صامتة، تحدق في تفاصيله، وهو أيضاً كان ينظر إليها بنظرات طويلة وعميقة، كأنهما غرقا معاً في بحر من الذكريات المشتركة. لطالما كان شمس هو الشخص الأقرب إلى روحها.. بعد أختها ليلى. قال شمس أخيراً، محطماً حاجز الصمت: "كيف حالكِ يا لمار؟ لقد مضى وقت طويل جداً منذ آخر لقاء لنا." قالت بنبرة طافحة بالشوق: "اشتقتُ إليك حقاً!" تقدمت خطوة ومدت يدها لتصافحه، فابتسم بدفء وأخرج يده من جيب معطفه السميك ليلتقي كفاهما. قال بحماس وعيناه تلمعان: "ما زلتِ كما أنتِ لمار.. لم تتغيري أبداً." ضحكت بخفة وردت: "وأنت أيضاً.. لا تزال وسيماً وجذاباً كعادتك."كانت الشمس قد غربت تماماً، تاركةً وراءها سماءً مخضبةً بأطياف مغيب دامٍ، بينما انساب النسيم البارد بين كتل المباني الأسمنتية حاملاً معه عبق المساء الشتوي الراكد. القمر، على الرغم من نقص تكوينه، كان يفرض هيبته بنور الفضي هادئ، تتناثر حوله نجمات ساطعة كحبات لؤلؤ منثورة بعناية على صفحة السماء المخملية الواسعة. على الجسر المرتفع، سارت سيارة سوداء فارهة ببطء هادئ. كان الشارع شبه خالٍ من الحركة، فيما انبعث من أعمدة الإنارة توهج أصفر كثيف، يعكس ضياءً يخدع الأبصار كأن النهار يأبى الرحيل، لولا ذلك الأفق المظلم القابع في البعيد والذي يذكّر بحقيقة الليل الزاحف. في الداخل، كان يمان يجلس خلف المقود، مستنداً بيد واحدة على عجلة القيادة بملل، بينما جلس كرم إلى جانبه يتفقد شاشة هاتفه بتكاسل. رنّ الهاتف فجأة، وانعكس اسم "أمي" على الشاشة الرقمية للسيارة. ضغط يمان على زر الرد، ونطق بنبرة باردة حاول بها إخفاء اضطرابه الداخلي: "نعم، أمي؟" جاء صوت فاتن حادّاً من الطرف الآخر، يحمل نبرة أمر عسكرية لا تقبل جدالاً: "لقد أخبرتُك أن تعود إلى المنزل فوراً. هناك جبال من الترتيبات والأمور التي يجب علينا إ
"كلها بضعة أمتار، تستطيعين أن تقطعيها سيراً على الأقدام لتصلي إلى المحطة."قالتها لمار لنفسها بصوت هامس، محاولةً أن تزرع بذرة شجاعة في قلبها الصغير الذي تجمّد من الخوف، والبرد، وقسوة الخذلان العائلي.لكن تلك "البضعة أمتار" تحوّلت في ميزان وجعها إلى كيلومترات طويلة، مرهقة، أثقلت قدميها وجعلت كل خطوة أشبه بسحب صخرة. ظلّت تمشي، تحمل حقيبتها بيدٍ مرتجفة، وتضم بالذراع الأخرى جسدها المتجمد الذي لم يكن يرتدي ما يكفي ليحمي نفسه من لسعات الشتاء القارس ونسماته القاتلة.رنّ هاتفها في الحقيبة، فتجاهلته ببرود. من عساه يتذكرها الآن؟ هل هو قلقهم المتأخر؟ أم تأنيب جديد من والدتها؟ في كلتا الحالتين، لم تظن أن الأمر مهم بعد الآن.تابعت سيرها والغصة تحاصر حنجرتها كالطوق، حتى وصلت أخيرًا إلى المحطة المتهالكة، حيث ستستقل حافلة تقلها إلى المدينة، ومن هناك تتوجه إلى الحرم الجامعي الذي كان يمثل ملاذها الأخير. جلست على المقعد الخشبي البارد، وراحت تقلب في رأسها أحداث الأيام القليلة الماضية. أدركت فجأة كم أن تلك الأيام -رغم قلّتها- كانت محمّلة بزخم مرعب، وكأن السماء قررت دفعة واحدة أن تُسقطها في متاهة ظنت طوال
شعر باهتزاز خفيف في جيبه. ابتعد عن أسوار المنزل بخطى حذرة، أخرج الهاتف ووضعه على أذنه، وقبل أن ينطق بحرف، باغتته النبرة المتحمسة والمضطربة لتيم من الطرف الآخر:"زياد... زياد!"قاطعه زياد بنبرة هادئة ومتحفظة:"هاه.. أسمعك.""أرجوك يا زياد، أريد معرفة هوية الفتاة التي نقلتها من القصر ... أيمكنك فعل ذلك؟"قلّب زياد بصره في عتمة الليل، مثبتاً نظراته على الضوء الضئيل المتسلل عبر نافذة غرفتها، وتنهد بثقل:"ألم تقل إنك ستطوي صفحتها تماماً ما إن تغادر (قصر الثلج)؟ أغيرت رأيك الآن؟""إنها... إنها تشغل الحيز الأكبر من تفكيري، لا تخرج من عقلي!" قال تيم مبرراً بنفاد صبر.ملامح زياد تشنجت في الظلام، وبنبرة جافة اعتذر:"آسف... لقد غادرت المدينة بالفعل، ولا أستطيع فعل شيء لأجلك."أغلق الهاتف فجأة قبل أن يسمع رد تيم. اشتدت قبضته حول هاتفها حتى ابيضت مفاصله، وتمتم من بين أسنانه بغضب:"يا له من لعوب.. يمتلك واحدة بالفعل، ويرغب بالثانية!"في الصباح الباكر..فتح يمان عينيه ببطء، وكان السرير بجانبه بارداً وخالياً... ربما غادرت قمر مبكراً كعادتها. فكّر بذلك وهو يمرر أصابعه الطويلة بين خصلات شعره المتشابكة،
كانت عينا ليلى تشعان بتحدٍّ صارخ وهي تحدّق في والديها، وكأنها تسألهما بصمت لاذع: أتنوون تزويجها كشاةٍ تساق، دون أن تسألوها إن كانت ترغب بذلك، أو إن كانت مستعدّة له؟ تكلّمت هية بثقة عمياء، متجاهلة تماماً نظرات ابنتها الصغرى الحادّة. كانت ليلى هي الأخت المدللة في هذا البيت، المدللة إلى حدّ لم يُرفض لها فيه طلبٌ يومًا، مما غذّى اعتزازها بنفسها وجعل منها شخصية جبارة لا تخشى المواجهة. لكن ليلى لم تكن لمار مجرد أخت صغرى؛ بل كانت درعها الواقي، وصوتها الصاخب حين يخرسها الخوف، وقرارها الحاسم حين تعجز عن اتخاذه. كانت، ببساطة، ملاكها الحارس الذي يذود عنها صقيع هذه العائلة. قالت هية مبرّرة ببرود لا مبالٍ: "ولمَ لا ترغب لمَارَ في الزواج؟ إنّها الآن في سنّ مناسبة، والرجل المتقدّم لها مناسب جداً ولا يُرفض." تدخّلت ليلى سريعاً، ونبرتها المبحوحة تقطر سخرية لا ترحم: "أنتم لم تكلفوا أنفسكم عناء سؤالها حتى إن كانت تحبّ أحداً! ألم يخطر ببالكم العبقري أنها في سنّ يسمح لها بالمواعدة؟ إنها في الجامعة الآن وسط مجتمع مفتوح، كيف لم يخطر لكم هذا؟" رمقتها هية بنظرة قاسية مشحونة بالاستهزاء والتحقير: "أتعتق
reviews