All Chapters of قيد من جمر: Chapter 11 - Chapter 20

48 Chapters

الفصل الحادي عشر: شقاق تحت الضوء الخافت

امتدت ساعات العمل في الطابق التاسع والعشرين حتى حطّ الليل سدوله على المدينة، لتتحول ناطحات السحاب من حولهما إلى أبراج من الأضواء المتلألئة التي تخترق الجدران الزجاجية للمكتب لتصنع ظلالاً متحركة. ورغم مغادرة الموظفين وهدوء الممرات الشاسعة، بقي التوتر في مكتب ليث مشحوناً، كالهواء الثقيل الذي يسبق العاصفة.لم تتنازل لمى عن هدوئها طوال النهار. جلست خلف طاولة الاجتماعات الصغيرة، تراجع كل ورقة وقّعت عليها بدقة متناهية. كانت تشعر بنظرات ليث الحارقة التي تخترقها بين الحين والآخر من وراء مكتبه الضخم، نظرات صامتة تدرس حركاتها، طريقة إمساكها بالقلم، وحتى طريقة تنفسها الهادئة. ترفع غرتها الحريرية التي سقطت لتعيق رؤيتها، وتعيدها خلف أذنها برقة تامة، مدركةً أن كل حركة تفعلها تخضع لمراقبته الصارمة.عندما أعلنت الساعة الثامنة مساءً، نهضت لمى وأغلقت ملفها الأخير بهدوء مبالغ فيه لتعلن نهاية التحدي. رتبت قلمها وحقيبتها، وتوجهت نحو الباب دون أن تنطق بكلمة واحدة، محتفظة بوقارها الأرستقراطي.لكن قبل أن تلمس أصابعها مقبض الباب الفضي، كان جسد ليث المهيب قد قطع المسافة بينهما بصمت مرعب ينم عن سرعة جسد رياضي م
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل الثاني عشر: تفاصيلٌ متمردة

في الصباح التالي، كان الصمت هو سيد الجناح الفخم، صمتٌ لم يكن عاجزاً، بل كان أشبه بوقود بارد يغذي حرب الكبرياء غير المعلنة بينهما. كانت **لمى** تقف أمام مرآة غرفة الملابس الكبيرة لتستعد للخروج إلى العمل. ارتدت فستاناً بسيطاً وراقياً باللون الأخضر الزيتوني الداكن، يتميز بفتحة عنق هادئة على شكل حرف (V)، لكنها كانت واسعة بما يكفي لتبرز بوضوح عنقها الرقيق الممشوق وعظمة ترقوتها البارزة بنعومة بيضاء تحت الضوء. كانت تحاول رفع خصلات شعرها البني الطويل، إلا أن غرتها الحريرية كانت تعاندها باستمرار، متمردةً وتتساقط برقة على جبينها وعينها العسلية. لم تتذمر ولم تظهر أي ضيق، بل كانت تواجه تفاصيل يومها بهدوء تام، متخذة من صمتها درعاً لا يخترق. انفتح الباب الخلفي لغرفة الملابس ببطء. خرج **ليث** بكامل هيبته وجبروته، يرتدي قميصاً أسوداً فاخراً يبرز تفاصيل جسده الرياضي القوي. توقفت خطواته فجأة عندما وقعت عيناه الصقريتان عليها. تطلع إليها ببرود طغى على ملامحه، لكن نظرته تملكتها حدة مفاجئة وهي تدرس تفاصيل فستانها وبشرتها المكشوفة. مشى نحوها بخطوات ثقيلة واثقة، ووقع قدميه كان كافياً لتشعر باقترابه دون
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل الثالث عشر: ارتداد الأمواج

خرجت **لمى** من الجناح وعيناها مصلّبتان على الممر الطويل المؤدي إلى مصاعد القصر. كانت خطواتها متزنة، تبدو للناظرين غاية في الهدوء والوقار الأرستقراطي، لكن في أعماقها، كان هناك إعصارٌ صامت من التوتر المطبق يوشك أن يقتلع جذور تماسكها.لم يكن ما تشعر به حباً على الإطلاق، بل كان ضغطاً عصبياً هائلاً بدأ ينهش أعصابها. حضور **ليث** الطاغي، ولمساته المستفزة لغرتها وفستانها، بدأت تؤثر على جسدها بشكلٍ خانق. كانت تشعر برعشة في أطرافها وثقل في أنفاسها كلما اقترب منها، ليس لعاطفة تولد تجاهه، بل لأن جدار الحماية الذي بنته حول نفسها يتعرض لهجوم شرس من شخص يتعمد اقتحام مساحتها الخاصة. كان قرارها بالابتعاد وتجنب الاحتكاك به نابعاً من رغبة حقيقية في حماية سلامتها النفسية والجسدية من هذا الحصار العصبي.في الشركة.. الطابق التاسع والعشرينطوال ساعات العمل الأولى، فرضت لمى على نفسها حصاراً اختيارياً داخل مكتبها الصغير. لم ترفع عينيها نحو الجدار الزجاجي الذي يفصلها عنه، بل غمرت نفسها بين أوراق التدقيق المالي، متخذة من الأرقام درعاً يبعدها عن مرأى عينيه.لكن **ليث** لم يكن يرى في انسحابها سوى جولة جديدة من ع
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل الرابع عشر: مائدةٌ فوق صفيحٍ ساخن

كانت عطلة نهاية الأسبوع في قصر "القاسم" لا تعني الراحة بقدر ما تعني المزيد من الالتزامات الرسمية التي تفرضها العائلة. وفي هذا الصباح، كان الجناح هادئاً بشكلٍ كئيب؛ غادر **ليث** مبكراً كعادته متوجهاً إلى النادي الرياضي الخاص بالقصر، مما منح **لمى** مساحة قصيرة لتتنفس الصعداء وتستعد بدنياً ونفسياً لمواجهة الفطور العائلي الكبير الذي يجمع كافة أفراد العائلة في البهو الرئيسي.ارتدت لمى فستاناً من القطن الناعم بلون البيج الهادئ، بياقة دائرية مرتفعة نسبياً ومغلقة تماماً كما يروق لـ "قوانين" ليث، لكنها تركت شعرها البني الطويل منساباً بحرية على ظهرها دون أي قيود، متخذةً من هدوئها درعاً واقياً. كانت تشعر بثقلٍ في رأسها وضغطٍ على أعصابها بسبب قربه المستمر واستفزازاته التي لا تنتهي، وتمنت في سرها لو يمر هذا الفطور دون أي احتكاك مباشر معه.في بهو القصر.. على مائدة الفطورعند نزولها، كان البهو يضج بالأصوات والحركة. المائدة الطويلة المصنوعة من خشب البلوط الفاخر كانت تمتد لتتسع للجميع؛ يترأسها الجد **عاصم** بهيبته المعتادة، وعلى جانبيه يجلس الأعمام والعمات، ومن بينهم العمة **فاطمة** بنظراتها الحشرية
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل الخامس عشر: انقطاع الوتر

بعد انتهاء الفطور العائلي المشحون، عادت **لمى** إلى الجناح وهي تشعر بثقلٍ حقيقي في صدرها. كان الضغط العصبي قد وصل إلى ذروته؛ معدتها منقبضة، وصداعٌ حاد ينهش رأسها. اتجهت مباشرة نحو الحمام الملحق بالجناح، وغسلت وجهها بالماء البارد عدة مرات تحاول استعادة هدوئها وطرد أثر رائحة عطر **ليث** الملتصقة بذاكرتها الحركية.جففت وجهها وخرجت لتقف أمام النافذة الكبيرة المطلة على حديقة القصر الخلفية، محاولةً استنشاق بعض الهواء النقي. كانت تضم ذراعيها إلى صدرها بوضعية دفاعية واضحة، ترتعد أطرافها من فرط التوتر والجهد الذي تبذله لتبدو متماسكة.في هذه اللحظة، انفتح باب الجناح ودخل ليث.كانت خطواته سريعة وصوت وقع أقدامه يحمل غضباً مكتوماً. أغلق الباب خلفه بقوة مسموعة جعلت لمى تتصلب في مكانها دون أن تلتفت. لقد أثار رفضها الصامت لطبقه أمام العائلة، ونظرات الدعم الصامتة التي تلقتها من طارق وفارس، وحش التملك الأعمى في صدره. كان يرى في برودها إهانة مباشرة لهيبته كرجل لا يُكسر له قرار.تقدم نحوها حتى أصبح خلفها مباشرة، ليلفها ظله الضخم وتجبر رغبتها في التجنب على التراجع أمام حضوره القسري."تراجعكِ بالطبق أمام ا
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل السادس عشر: صدى الانهيار

تجمد **ليث** في مكانه، وأصابعه لا تزال تطبق على فكها، لكن قبضته بدأت ترتخي لا إرادياً تحت وقع دموعها. كانت رؤية تلك الدموع العسلية التي تنحدر ببطء على وجنتيها المشتعلتين تضربه في الصميم بشعورٍ غريب لم يعهده؛ لم يكن شعوراً بالانتصار، بل كان إحساساً بالاشمئزاز من ذاته، خليطاً مسموماً من الندم المكتوم والارتباك الذي لم يسبق له أن اختبره.لكن هذا الشعور تلاشى في لمح البصر ليحل محله غضبٌ أكثر ضراوة عندما ردد صدى كلماتها في أذنه: *"أزل يدك القذرة عني!"*هذه الجملة كانت كافية لتمزيق أي لحظة ضعف تملكته. اشتعلت عروقه، وعادت نظراته الصقرية لتكتسي ببرودٍ مرعب. تذكر في لحظة واحدة كل تلك الابتسامات التي وجهتها لأبناء عمها، وضحكاتها العفوية مع فارس وطارق، وتلك المساحات من الحرية التي تمنحها لهم، بينما تقابله هو بهذا الجدار من الرفض.دفعها بعيداً عنه بحركة حادة، وتراجع خطوة إلى الوراء، يمسح كفيه في بنطاله وكأنه يتخلص من أثر لمسته التي وصفتها بـ"القذارة". انتصب بجسده المهيب أمامها، وقد تضخم غروره المتغطرس ليغطي على أي ذرة إنسانية بدأت تتسرب لقلبه."حقير؟" نطق الكلمة بنبرة منخفضة مرعبة، صوته كان يرتجف
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل السابع عشر: صراع خلف القناع

قضت **لمى** ليلتها في الزاوية البعيدة من الجناح، حيث الظلام هو الرفيق الوحيد. لم تنم، بل بقيت متصلبة في مكانها، تترقب كل حركة، حتى غلبها الإنهاك الجسدي وغفت في وضعية الجلوس.في تمام الساعة الثالثة فجراً، فُتح الباب. دخل **ليث** بخطواتٍ غير معتادة، بدت ثقيلة ومتهالكة. لم يكن في مشيته تلك الكبرياء المعهودة، بل كان الإرهاق يثقل كاهله. توقف عند عتبة الباب، وأغلقت عيناه للحظة وكأنه يحاول طرد مشهد صراخهما من رأسه.اتجه نحو الأريكة، لكن نظره وقع عليها. رآها غارقة في النوم في زاويتها المظلمة، ضامةً ذراعيها إلى صدرها، تبدو كطائرٍ صغير كسر جناحه. توقف قلبه عن النبض للحظة. أحسّ بوخزةٍ حادة من تأنيب الضمير، ندمٌ مرير تسلل إلى صدره مثل السم. لم يكن غاضباً الآن بقدر ما كان مشمئزاً من نفسه، من قسوته، ومن الكلمات الجارحة التي قذفها في وجهها.جلس ببطء على طرف الأريكة، يراقبها في صمت. كان يود أن يقترب، أن يلمس خصلات شعرها المتمردة، أن يهمس بكلمة اعتذار تنهي هذه الحرب العبثية. لكن شيئاً ما في داخله – ذلك الكبرياء المتجذر، والخوف من أن يظهر بمظهر الضعيف – منعه. ظل يراقبها طويلاً، يتأمل ملامح وجهها المرهق
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل الثامن عشر: مسرحُ العزلة

دخلت لمى إلى قاعة الاجتماعات الكبرى خلف ليث، تماماً كما أمرها. كانت ترتدي ثوباً رسمياً بسيطاً، لكن نظراتها كانت غائبة، وكأنها تسير بجسدٍ لا روح فيه. جُلست في الزاوية المخصصة لها، بعيداً عن صدارة الطاولة حيث يجلس ليث بوقاره المرعب.كانت القاعة تعج بأعضاء مجلس الإدارة، وكان فارس يجلس في الجهة المقابلة. بمجرد أن التقت عيناهما، لمح فارس شحوب وجهها وذبول عينيها، فتصلبت ملامحه، ورمى بنظرةٍ حادة وقاتلة نحو ليث الذي كان يتصرف ببرودٍ أرستقراطي وكأن شيئاً لم يحدث."لنبدأ الاجتماع،" قال ليث بصوته الجهوري الذي خيم على القاعة.طوال ساعة كاملة، كان ليث يتعمد إحراجها. يوجه لها أسئلة في تفاصيل مالية دقيقة لا تملك سجلاتها، يطلب منها إحضار تقارير غير موجودة، وكل ذلك أمام الجميع. كان هدفه واضحاً: إظهارها بمظهر الزوجة غير المؤهلة، ليُشعرها أنها لا شيء بدونه، وبأنه السلطة الوحيدة التي تحميها من عجزها.لكن لمى، وبشكلٍ مفاجئ، لم تترتبك. لم ترتجف. كلما حاول إحراجها، كانت ترد ببرودٍ هندسي دقيق، تصحح أخطاءً في أرقامه هو، وتجيبه بنبرةٍ تخلو من العاطفة، وكأنها آلة مبرمجة.في لحظةٍ ما، بينما كان فارس يتحدث عن تطو
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل التاسع عشر: جدران الصمت

مرت ثلاثة أيام على تلك المواجهة في قاعة الاجتماعات، ثلاثة أيام لم تكن أشبه بالحبس فحسب، بل كانت أقرب إلى الموت البطيء داخل قصر القاسم. ليث نفذ تهديده بحرفية؛ عزلها عن العالم الخارجي، وأصدر أوامر مشددة للحراس والسكرتارية بأن أي معاملة أو اتصال يخصها يجب أن يمر عبر مكتبه.داخل الجناح، تحول ليث إلى طيفٍ صامت. كان يأتي في وقت متأخر، ينام على الأريكة، ويغادر قبل أن تستيقظ هي. هذا الصمت المطبق كان أشد رعباً من غضبه؛ كان صمتاً يُشعرك بأنك غير موجود، وكأنه يمارس عليها عقاباً نفسياً بارداً ليجبرها على الانهيار.في مساء اليوم الثالث، دخل ليث الجناح حاملاً معه حقيبة عمله، وشيئاً في ملامحه كان يوحي بأن "الهدنة" قد انتهت. وضع الحقيبة على الطاولة دون أن ينظر إليها، ثم مشى ببطء نحو النافذة حيث كانت تقف لمى. وقف خلفها مباشرة، حتى شعرت بحرارة جسده تتسلل إليها، لكنه لم يلمسها، وكأنه يتعمد إشعارها بضيق المساحة."الجد عاصم سيعود من رحلته غداً،" قال بصوتٍ خافت ومشحون بالتوتر. "سيكون هناك عشاء عائلي كبير، وأنتِ مطالبة بالحضور."التفتت لمى إليه. لأول مرة منذ أيام، التقت عيناهما. كانت عيناه مرهقتين، لكن نظرت
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more

الفصل العشرون: زلةُ القصر

كانت أجواء العشاء في قصر "القاسم" تسير في مسارها التقليدي المعتاد، صوت الأواني الفضية يرتطم بالخزف الفاخر، وأحاديث الجد **عاصم** تملأ المكان بهيبة. كانت **لمى** تجلس بجانب **ليث**، تحاول الحفاظ على مسافة أمان، لكن ليث كان يلاحقها بحضوره الطاغي، يوزع نظراته بينها وبين أفراد العائلة، كأنه يعلن للجميع أنها تحت سيطرته الكاملة.بعد العشاء، انتقل الجميع إلى الردهة الكبرى لتناول القهوة. نهضت لمى لتساعد الخدم في ترتيب بعض الأطباق الجانبية بعيداً عن أنظار ليث لثوانٍ. وبينما كانت تمر من خلف كرسيه، تعثرت فجأة بطرف السجادة العجمية الثقيلة؛ ربما كانت بسبب توترها من وجوده القريب، أو لأن الحظ قرر أن يتخلى عنها.بسرعة البرق، وبحركة غريزية، مالت لمى لتسقط. وفي لمح البصر، التقطها ليث.لم تكن التقاطة عادية، بل كانت مشهداً أوقف أنفاس الجميع. سقطت لمى، لكنها لم تقع على الأرض، بل وجدت نفسها تترنح لتستقر بكامل ثقلها فوق فخذي ليث وهو جالس على كرسيه الوثير.ساد صمتٌ مطبق في البهو.بقيت لمى للحظة في حالة ذهول، يداها مستقرتان بشكل لا إرادي على كتفي ليث، ووجهها قريباً جداً من وجهه. ما جعل الموقف مشحوناً ليس وقوع
last updateLast Updated : 2026-07-14
Read more
PREV
12345
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status