All Chapters of قيد من جمر: Chapter 41 - Chapter 49

48 Chapters

الفصل الحادي والأربعون: سجنُ الحرير

لم تكن الليلة الماضية مجرد صراع كلمات، بل كانت صراع وجود. استلقى ليث خلفها، جسده الضخم يملأ الغرفة بوجوده الطاغي. كانت لمى قد استدارت وأعطته ظهرها، مبتعدةً إلى أقصى طرف السرير، محاولةً أن تبني جداراً غير مرئي بينها وبينه.في منتصف الليل، وعندما ظنّ ليث أنها غطت في النوم، تحرك. مدَّ ذراعه القوية بحركةٍ حازمة، ممسكاً بخصرها ليجذبها بقوةٍ نحو جسده. سحبها لتلتصق بصدره؛ وأصبح ظهرها الآن ملتصقاً تماماً بصدره العريض، وذراعه كالقيد الحديدي الملتف حول خصرها، يثبتها بقوةٍ كأنها جزءٌ من كيانه.في تلك اللحظة، حدث ما لم تتوقعه لمى؛ فقد تسرّب دفءٌ مفاجئ وغريب من صدره إلى ظهرها، دفءٌ لم تستطع مقاومته، بل تسلل إلى أعماقها كالمخدر. للحظةٍ خاطفة، شعرت بنبضات قلب ليث القوية التي كانت تتسارع عند ملامستها، وشعرت بجسده يرتجف طفيفاً في حركةٍ لا إرادية. هذا التقارب الجسدي المفاجئ جعل لمى تغرق في دوامةٍ من الحزن العميق؛ فقد أدركت أن هذا الرجل الذي يعاملها بقسوة، ويجردها من إنسانيتها بوصفه لها بـ "الملكية"، يمتلك جسداً يبحث عنها بلهفةٍ لا تعترف بها كلماته القاسية.بكت لمى في صمت، ليس فقط من خوفها، بل من هذا ال
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل الثاني والأربعون: موازين القوى

دخل ليث المكتب وجذب لمى معه، ثم ركل الباب خلفه بقدمه ليغلقه بقوةٍ جعلت إطار يهتز، وكأنه يغلق خلفهما منافذ التراجع. لم يترك معصمها، بل دفعها لتستند بظهرها إلى سطح المكتب الضخم، ووقف أمامها، يحاصرها بجسده كجدارٍ صلب، وعيناه تقدحان شراً لم تعهده من قبل. "تتحدثين عن التمرد؟" قال ليث بصوتٍ منخفض، بدا فيه أزيز غضبٍ مكتوم. "أنتِ لا تعرفين حتى الآن كيف تدار الأمور هنا يا لمى. تمردكِ هذا ليس إلا إزعاجاً، وإزعاجكِ لا يروق لي." لم تنكسر لمى هذه المرة. لمعت عيناها ببريقٍ عنيد، بريقٌ عكس نيراناً داخلية كانت تشتعل ببطء، وكأنها أخيراً أدركت أن كرامتها هي السلاح الوحيد المتبقي لها. نظرت في عينيه مباشرة، وقالت بصوتٍ متهدج لكنه حاد: "أنت تتوهم يا ليث! تتوهم أنك تملكني، وتتوهم أنني مجرد دمية أُحرّكها حسب هواك. كلما حاولت سحقي، كلما زاد إصراري على الرفض." اقترب ليث حتى تلاشت المسافات، وضع يديه على حافة المكتب محاصراً إياها بين ذراعيه، وقال بنبرةٍ جافة ولا تقبل التأويل: "اسمعيني جيداً، ولن أكرر كلامي. لا يوجد هنا 'حب'، ولا مشاعر، ولا هذه الترهات التي تتوهمينها. هذه القوانين بسيطة جداً: أنا أقول كلمةً،
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل الثالث والأربعون: العاصفةُ الهادئة

مرَّ باقي المساء ببرودٍ ثلجيّ. لم يلمسها ليث ولم يسحبها كعادته، لكن نظراته كانت تلاحقها في كل زاوية، نظراتٌ تزنُ خطواتها وتراقب كل إيماءةٍ صدرت عنها تجاه داني. حاولت لمى أن تتجاهله تماماً؛ انغمست في الحديث مع العمة هدى، وتبادلت بعض النكات الخفيفة مع فارس الذي لم يرفع عينيه عنها، وكأنها كانت تحاول، بوعيٍ أو بدون وعي، أن تستمد الدفء من الآخرين لتعوض الجليد الذي يحيط بها.كان ليث يجلس في زاوية الغرفة، يحتسي قهوته ببطء، ملامحه جامدة كقناعٍ من الرخام، لكنه في داخله كان يحصي كل ابتسامةٍ أهدتها لغيره.عندما حان وقت النوم، دخلت لمى جناحها. كانت ترتجف من الداخل، ليس من البرد، بل من "الهدوء" الذي يسبق العاصفة. خلعت أقراطها ووقفت أمام المرآة، تحاول أن تقنع نفسها بأنها قوية، وأن تجاهلها له قد أثبت أنها ليست "ممتلكات" سهلة الانقياد.لم يمر وقت طويل حتى سمعت صوت خطواته الواثقة خلف الباب. دخل ليث الغرفة، أغلق الباب بهدوءٍ مريب، ثم خلع سترته وألقاها على الكرسي. لم يقترب منها فوراً، بل سار نحو النافذة وبقي يراقب انعكاسها في الزجاج."كانت سهرةً ممتعة، أليس كذلك؟" سأل ليث بصوتٍ هادئ جداً، هدوءٌ جعل لمى
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل الرابع والأربعون: صمتُ الجليدِ وتجاهلُ الحبر

مرَّ اليوم التالي كأنه دهرٌ من الصمت المطبق. لم يتبادل ليث ولمى أي حديث، كان القصر يعيش تحت وطأةِ نظراتٍ باردة وحركاتٍ محسوبة. ليث، الذي كان يرفض الاعتراف بتأثير نظراتها، كان يقضي معظم وقته في مكتبه، يغرق في أوراقه، بينما كانت لمى تحاول استعادة هدوئها في أرجاء القصر.وعندما حلَّ الليل، دخل ليث الجناح وكان التعب يبدو جلياً على ملامحه، لكن قناع الكبرياء ظلَّ ثابتاً. لم يتحدث، ولم يقترب منها؛ بل سار بخطواتٍ ثقيلة نحو السرير، ورمى نفسه على الطرف الآخر منه، معطياً إياها ظهره، وكأنه يضع جداراً غير مرئي يفصل بينهما. ساد صمتٌ خانق، ولم يجرؤ أيٌّ منهما على كسر حدوده، حتى غلبهما النوم وسط هذا التوتر الجليدي.في صباح اليوم التالي، قررت لمى أن تتبع "قانون التجاهل". جلست في ركنها المفضل في المكتبة، وفتحت روايتها الرومانسية، غارقةً في تفاصيلها، تحاول أن تعيش في عالمٍ لا مكان فيه لـ "نظام" ليث أو تقلباته.مرَّ ليث من أمامها في البهو المؤدي للمكتبة.. لم ترفع رأسها.عاد ليث بعد ساعة.. توقف للحظة عند باب المكتبة، يراقب انحناءة رأسها وتركيزها الشديد في الصفحات.. لم تلتفت، وكأنها لا تشعر بوجوده.كان ليث
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل الخامس والأربعون: خلفَ الأبوابِ الموصدة

غادر داني القصرَ على عجلٍ في الصباح الباكر، بعد أن تلقى اتصالاً طارئاً تطلب وجوده في المدينة المجاورة فوراً. لم يودعه ليث، ولم يعره اهتماماً، بل كان يشعر برغبةٍ عارمة في أن يخلو القصر من أثر أي شخصٍ قد يشتت انتباهه عن صراعه الداخلي مع لمى.في المساء، كان الهدوء يلفُّ أرجاء الجناح. دخل ليث الغرفة وهو يظن أن لمى لا تزال في حالة حزنٍ أو انشغال برحيل ابن عمها. لكن ما رآه جعله يتوقف في مكانه وكأن الأرض قد ابتلعت صوته.كانت لمى تجلس أمام المرآة، وقد استبدلت ملابسها العادية بقميصٍ من الحرير الرقيق، كان أكثر جرأة مما اعتاد رؤيته عليها؛ مكشوف الكتفين، يبرز تفاصيل عنقها ببساطةٍ مغرية، وشعرها ينسدل كشلالٍ داكن على ظهرها. كانت تمسك بفرشاة شعرها، وتمررها ببطءٍ مدروس، تعكس أنوثةً طاغية جعلت أنفاس ليث تضطرب فوراً.كان ليث يراقب المشهد من انعكاس المرآة. غرق في خياله وهو يرى كيف تتساقط خصلاتها فوق كتفيها العاريين. تخيل نفسه يقترب منها، يزيح خصلات شعرها ليقبل تلك البقعة الحساسة في عنقها، وتخيلها في مواقف حميمية لم يجرؤ يوماً على أن يطلق لعنان خياله فيها. صُدم من قوة تلك التخيلات؛ لم تكن مجرد رغبة، كانت
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل السادس والأربعون: صاعقةُ الغيرة

كانت الباحةُ واسعةً، والشمسُ تلقي بظلالها الدافئة على المكان. كانت لمى تمشي بخطواتٍ متثاقلة، غارقةً في ذكريات ليلة البارحة، حين تعثرت فجأة بطرف ثوبها الطويل. لم تكن سقطةً قاتلة، لكنها كانت كافية لتفقدها توازنها وتنتشر صرخةٌ خافتة من شفتيها.ليث، الذي كان يقف في أقصى الطرف الآخر من الباحة يراجع بعض الأوراق مع أحد الحراس، رفع رأسه فوراً. اتسعت عيناه وهو يرى لمى تتهاوى نحو الأرض. في تلك اللحظة، تحركت قدماه لا إرادياً ليركض نحوها، لكن المسافة كانت شاهقة، وكان هو الأبعد.وفي ثوانٍ، حدث ما لم يتوقعه—وما لم يحتمله.لم يكد جسدها يلامس التراب حتى انطلق أربعة من أولاد عمومتها—الذين كانوا أقرب بكثير—كالسهم نحوها. لم يركضوا فقط، بل تسابقوا بلهفةٍ وقلقٍ فاضح. رأى ليث المشهد ببطءٍ مرعب؛ أحدهم أمسك بكتفها ليرفعها، والثاني أمسك بيدها، والثالث كان يطمئن عليها بصوتٍ مرتجف، والرابع يغطيها بجسده كأنه يحميها من الهواء.تسمر ليث في مكانه. لم يعد قادراً على التقدم خطوةً واحدة، ليس بسبب المسافة، بل لأن الدم في عروقه تجمد. كان يرى أيديهم—الغرباء بالنسبة له في تلك اللحظة—وهي تلامسها، يرى لهفتهم في عيونهم، يرى
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل السابع والأربعون: بركانُ الوعيد

مرّت الساعاتُ التالية كأنها دهرٌ من الجمر. لم يعد ليث إلى الجناح، ولم يرسل في طلبها، لكن القصر بأكمله كان يشعر بوطأة غضبه. كانت لمى تجلس في غرفتها، والكلمات التي قالتها له في الباحة تتردد في رأسها، تارةً تشعرها بالقوة، وتارةً يغمرها خوفٌ مبهم من القادم. في المساء، وبينما كانت الشمس تغيب مخلفةً وراءها حمرةً كدمِ القلوب، دخل ليث الجناح. لم يكن يشبه ليث الذي عرفته، كان يرتدي قناعاً من الهدوء المريب الذي يسبق الإعصار. أغلق الباب بهدوءٍ مستفز، واتجه نحوها بخطواتٍ ثابتة، وعيناه لا تحيدان عنها. وقفت لمى محاولةً الحفاظ على رباطة جأشها، لكن نبضات قلبها خانتها. "ليث.." بدأت، لكنه قاطعها بيده التي ارتفعت في الهواء، كأنه يمنعها من الكلام. "لقد تحدثتِ كثيراً اليوم، لمى." قال بصوتٍ خافتٍ يحمل برودةً تقشعر لها الأبدان. "أثبتِ لي أنكِ بحاجةٍ إلى درسٍ لن تنسيه، درساً يذكركِ بمن تكونين، ومن أنا في هذه المعادلة." اقترب منها حتى حاصرها في ركن الغرفة. لم يصرخ، لم يغضب، بل كان يتحدث بهدوءٍ مدمر. "قلتِ إنهم ساعدوكِ، وقلتِ إنني كنتُ بعيداً. حسناً.. سأجعل المسافات بيننا تتقلص حتى لا تعودي ترين أحداً غيري.
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل الثامن والأربعون: عاصفةُ الهذيان

دخلت لمى مكتب الجد بخطواتٍ مثقلة، كانت ملامحها الشاحبة وعيناها الغائرتان ترويان قصة انكسارٍ لا يُجبر. بمجرد أن رآها الجد، نهض من خلف مكتبه بلهفةٍ وقلقٍ واضح، لكنها لم تنتظر استفساره. وقفت أمامه، وأطلقت زفرةً ممزوجةً بمرارةٍ لا تُحتمل. "جدي.." قالت بصوتٍ مخنوقٍ يقطرُ وجعاً، "ليتني لم أتزوج.. ليتني بقيتُ كما كنت، امرأةً لا يملكها أحد. ليث.. ليث قاسي جداً، لا يملك أدنى فكرةٍ عن كيفية التعامل مع البشر، هو يعاملني كشيءٍ، كأداةٍ يمتلكها ويتحكم بها كيفما يشاء." صمتت للحظة، وكانت الدموع تنهمر بصمت، ثم أضافت بنبرةٍ يملؤها القهر: "لماذا هو؟ لماذا اخترت ليث؟ أي رجلٍ آخر كان ليكون أرحم.. لماذا لم يكن فارس، أو أي أحدٍ غيره؟ أيُّ إنسانٍ كان سيحترم وجودي، بدلاً من أن يدوس على كرامتي في كل لحظة!" لم تكن تطلب "فارس" كشخص، كانت تطلب "الخلاص" من قسوة ليث، كانت تبحث عن نقيض هذا الجحيم. ولكن، وبمحض الصدفة القاتلة، كان ليث يقف خلف الباب الموارب، يهم بالدخول ليفرغ غضبه مجدداً، فتجمدت أنفاسه حين سمع اسم "فارس" يتردد على لسانها. دفع ليث الباب بعنفٍ حتى ارتطم بالحائط، ودخل كإعصارٍ هائج. لم يكن هذا هو "ليث"
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more

الفصل التاسع والأربعون: كبرياءٌ يختنق

ساد القصر صمتٌ ثقيل، صمتٌ ليس هدوءاً بل هو انحباس أنفاس. في الجناح، كانت لمى تجلسُ مكومةً على نفسها، لا تزال أصابعها تتحسس شفتيها اللتين لم تفقدا بعد وخزَ قبلته العنيفة. كانت محتارةً لدرجة الألم؛ تلك القبلة التي بدأت كإعلانِ سيطرة وانتهت كاستغاثةٍ منكسرة، جعلتها تعيد ترتيب أفكارها. هل هذا الرجل الذي يمارس القسوة هو نفسه الذي ارتجفت يداه حين لامس جبيني؟ هل هو عاشقٌ مخبول أم مجرد متسلط لا يعرف وسيلةً للاتصال بالبشر سوى القبضة؟ التناقض كان ينهشها، ولم تكن تجد إجابة سوى أن ليث رجلٌ من حجرٍ، لكنه حجرٌ يشتعل من الداخل بنيرانٍ لا يعرف كيف يطفئها.على الجانب الآخر، في مكتبه الذي تحول إلى زنزانةٍ من الضيق، كان ليث يغلي من الداخل. بالنسبة لليث، فكرة "الحب" هي ضعفٌ لا يغتفر، هي نقصٌ في الشخصية، وهو الذي بنى حياته على منطق السيطرة والنفوذ. كان يرفض—بكل ذرةٍ في كيانه—أن يعترف بأنه "يحب".*أنا لا أحب،* كان يردد في سرّه وهو يمرر يده على وجهه بحدة، *أنا فقط... لا أحتمل فكرة أن تكون ملكيةً لغيري.*لكن، وبالرغم من إنكاره المتعصب، كان الانقسام في قلبه قاتلاً. لقد انقهر، انقهر لدرجة الغثيان حين سمعها تذك
last updateLast Updated : 2026-07-15
Read more
PREV
12345
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status