لم أتوقع أن قصة تحمل عنوان 'انتقامي' ستعيد ترتيب حساسيتي تجاه العدالة والرحمة بهذا الشكل المدهش. تبدأ الحكاية ببساطة ظاهرة: بطلة تُحرم من كل شيء بسبب خيانة قريبة، تفقد وظيفتها وسمعتها وربما أثمن ما تملكه من علاقات، ويبدو أن الطريق الوحيد أمامها هو الانتقام. لكن ما أحببته فورًا هو أن الانتقام هنا ليس مجرد سلسلة من الحوادث العنيفة أو المخططات السطحية، بل خطة دقيقة تُبنى على فهم عميق لطبيعة الخصم ونقاط ضعفه، مع بذل جهد لتفكيك منظومة الكذب التي أحاطت به.
خطوات الانتقام في 'انتقامي' متدرجة: أولًا استعادة الذات بهدوء، ثم رصد التفاصيل الصغيرة التي أهملت بها الغلبة؛ رسائل صغيرة، شهادات مهملة، وثائق قد تبدو عادية لكنها مفصلية. البطلة لا تعتمد على ضربات مباغتة فقط بل على لعبة طويلة المدى تفضح الشبكات الاجتماعية والمهنية التي بنى عليها خصمه سلطته. أحببت كيف جمعت المؤلفة بين الذكاء العملي والعواطف النبيلة — الانتقام كعملية ذهنية وليست مجرد تفريغ غضب.
الذروة لم تكن فقط في إسقاط الخصم، بل في الكشف عن تكلفة هذا المسار على نفس البطلة: فقدان بعض البراءات، لقاءات مع وجوه إنسانية لم تكن عدوًا بالكامل، واختيار أخير يطرح سؤالًا: هل يكفي الإيقاع بالخصم ليعود توازن الحياة؟ أو هل العدالة الحقيقية تتطلب شيئًا أكثر؟ النهاية كانت مُرضية ومُرة في آن، تمنح انتصارًا لكن لا تتظاهر بأنه بلا ثمن.
تبقى صور مشاهد المواجهة الصغيرة، لحظات الصمت قبل الانقضاض، وتلك المَسامير الصغيرة من التفاصيل التي جعلت كل خطوة من خطوات الغدر مكشوفة بذكاء. هذا العمق هو ما جعلني أعشق 'انتقامي'؛ ليست مجرد ملحمة انتقامية، بل دراسة نفسية وعدالة مجسدة بطريقة ساحرة.
تطفو أمامي صورة صاخبة عن حقبةٍ من الألم والغدر كلما فكرت في مصدر الإلهام لكتاب 'انتقام'.
أرى أن الكاتب استلهم الكثير من التجارب الشخصية والقصص المروية في الحيّ أو العائلة؛ تلك الهمسات التي تجرّح وتُركن داخل الصدور ثم تنقلب إلى رغبة لا تهدأ في تحقيق العدالة أو الانتقام. الكتاب يبدو كمرآة لجرحٍ إنساني عميق، حيث تكمن القوة في وصف مشاعر الاستياء والخيبة بدقة تجعلك تشعر بأن كل حدث صغير كان وقودًا لبناء حبكة مكثفة ومؤلمة.
بالإضافة لذلك، لا أستبعد أن ثيمات تاريخية أو حالات اجتماعية حقيقية لعبت دورًا كبيرًا: قصص ظلم مؤسساتي، فساد، انتهاكات، أو حتى تفاصيل من قضايا جنائية بارزة تحولت إلى مادة سردية. الكاتب ربما جمع بين سيرة شخصية وبعض الأبحاث الصحفية والمقابلات، فأخرج عملًا يلمس النفوس ويُثير تساؤلات أخلاقية عن مفهومي العدالة والانتقام. النهاية بالنسبة لي تترك طعمًا مُرًا لكنه واعٍ، وكأن الكاتب يريد أن يجعل القارئ يتساءل عن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن ينتقم.