LOGINلم تكن ليان تؤمن بالحب. ليس لأنها تكرهه، بل لأنها رأت كيف يمكن للمشاعر أن تكسر أصحابها. كانت ترى قصص الحب من حولها تنتهي بالخذلان أو الفراق، لذلك أقنعت نفسها أن قلبها سيبقى بعيدًا عن كل ذلك. كانت فتاة بسيطة تعيش مع أسرتها حياة هادئة. تستيقظ كل صباح لتكمل يومها كأي فتاة أخرى، تحمل أحلامًا صغيرة وتحاول الوصول إليها خطوة بخطوة. لم تكن تتوقع أن يأتي يوم يتغير فيه كل شيء. أما آدم... فكان مختلفًا تمامًا. شاب يملك كل ما يمكن أن يحلم به أي شخص. الوسامة، النجاح، المال، والثقة التي تجعل الجميع يلتفتون إليه أينما ذهب. لكن خلف تلك الصورة المثالية كان يخفي قلبًا متعبًا من الخيبات، وروحًا فقدت القدرة على الوثوق بأحد. في يوم لم يكن مميزًا بالنسبة لأحد... جمع القدر بينهما. لقاء عابر لم يستغرق سوى دقائق. نظرة سريعة. وكلمات قليلة. ثم افترقا. لكن ما لم يعرفاه وقتها هو أن تلك الدقائق القصيرة ستكون بداية قصة ستغير حياتهما إلى الأبد. كل شيء كان ضدهما. الظروف. العائلات. الأسرار. وحتى القدر نفسه بدا وكأنه يختبر قوة مشاعرهما في كل مرة يقتربان فيها من بعضهما. حاولت ليان الهروب من تلك المشاعر مرارًا. وحاول آدم إقناع نفسه أن الابتعاد هو الحل. لكن بعض الأشخاص لا نستطيع نسيانهم مهما حاولنا. يبقون داخل قلوبنا كأنهم جزء منا. ومع مرور الأيام بدأت المشاعر تكبر، وبدأت المسافات تتقلص، لكن العقبات أصبحت أكبر من أي وقت مضى. حتى وصل الأمر إلى لحظة كان عليهما فيها الاختيار... إما التمسك بالحب مهما كان الثمن. أو الاستسلام للمستحيل. لكن الحب الحقيقي لا يعترف بالمستحيل بسهولة. وهكذا بدأت الحكاية... حكاية فتاة لم تكن تؤمن بالحب. وشاب ظن أن قلبه لن ينبض من جديد. وحكاية عشق كُتب له أن يولد في أصعب الظروف. عشق جعل الجميع يقفون ضده. ومع ذلك... أحببتك رغم المستحيل.
View Moreاللقاء الذي غيّر كل شيء
استيقظت ليان على صوت المنبه الذي كان يرن بإلحاح فوق طاولة صغيرة بجوار سريرها. مدت يدها بسرعة وأغلقته قبل أن يوقظ والدتها التي كانت تنام في الغرفة المجاورة. جلست على السرير وهي تفرك عينيها بتعب، ثم نظرت إلى الساعة. السادسة صباحًا. تنهدت ببطء. اليوم هو أول يوم في العام الدراسي الجديد. نهضت واتجهت إلى النافذة. كان ضوء الشمس الخافت يملأ الشارع بهدوء، بينما بدأت بعض المحلات في فتح أبوابها. أحبت ليان هذا الوقت من اليوم، حين يكون كل شيء هادئًا وكأن العالم لم يستيقظ بعد. بعد دقائق دخلت المطبخ. ـ صباح الخير يا ماما. ابتسمت والدتها. ـ صباح النور يا حبيبتي. جلست ليان على الطاولة بينما كانت والدتها تضع لها الإفطار. ـ متوترة؟ ضحكت ليان. ـ شوية. ـ طبيعي. دخل والدها في تلك اللحظة. ـ أول يوم لازم يبقى بداية حلوة. ابتسمت ليان وهزت رأسها. كانت تحب هذه اللحظات البسيطة مع عائلتها. بعد أن انتهت من الإفطار حملت حقيبتها وغادرت المنزل. وصلت إلى الجامعة بعد حوالي نصف ساعة. كان المكان يعج بالطلاب. ضحكات وأحاديث في كل مكان. وقفت للحظة تتأمل المباني الكبيرة التي اشتاقت إليها رغم كل شيء. فجأة سمعت صوتًا مألوفًا. ـ ليان! التفتت بسرعة. كانت مريم. صديقتها المقربة منذ سنوات. ركضت نحوها واحتضنتها بقوة. ـ وحشتيني جدًا. ضحكت ليان. ـ وإنتِ أكتر. بدأتا تتحدثان عن الإجازة. عن الرحلات. وعن المواقف المضحكة. وعن الخطط الجديدة للعام الدراسي. وفجأة انقطع حديث مريم. ـ يا نهار أبيض! ـ في إيه؟ ـ بصي هناك. نظرت ليان إلى المكان الذي تشير إليه. كان هناك تجمع كبير من الطلاب. وفي المنتصف شاب يقف بثقة ويتحدث مع أصدقائه. ـ مين ده؟ فتحت مريم عينيها بصدمة. ـ بجد متعرفيهوش؟ ـ لا. ـ ده آدم السيوفي. ـ ومين آدم السيوفي؟ ـ ابن رجل الأعمال الكبير يوسف السيوفي. نظرت ليان إليه للحظة. ثم قالت ببساطة: ـ تمام. ـ تمام؟! ضحكت مريم. ـ إنتِ مستحيلة. أما آدم... ففي تلك اللحظة كانت عيناه تتجولان بين الطلاب. إلى أن توقفتا عند ليان. لاحظ أنها الوحيدة تقريبًا التي لم تهتم بوجوده. لم تحاول الاقتراب. ولم تلتفت إليه أكثر من ثانية. ابتسم دون أن يشعر. هذا جديد. بدأت المحاضرات. كانت ليان تحاول التركيز في الشرح. لكن مريم لم تتوقف عن الكلام. ـ بقولك إيه. ـ نعم؟ ـ لو آدم كلمك متصدقيش نفسك. ضحكت ليان. ـ هو هيكلمني ليه أصلًا؟ ـ معرفش بس شكلك مختلف عن البنات اللي حواليه. ـ يا مريم ركزي في المحاضرة. ضحكتا معًا. بعد انتهاء المحاضرة الأولى قررت ليان الذهاب إلى المكتبة. كانت تحمل عدة كتب وتسير بسرعة. لكنها لم تنتبه إلى الشخص القادم من الاتجاه الآخر. اصطدمت به بقوة. وسقطت الكتب كلها على الأرض. ـ آسفة جدًا! انحنت بسرعة تجمعها. لكن يدًا أخرى بدأت تساعدها. رفعت رأسها. وتجمدت. آدم. ابتسم وهو يناولها أحد الكتب. ـ واضح إنك مستعجلة. ـ شكرًا. ـ العفو. أخذت الكتب بسرعة. ثم غادرت قبل أن تضيف أي كلمة أخرى. أما آدم فظل ينظر إليها وهي تبتعد. وقال لنفسه: ـ غريبة. مر اليوم سريعًا. وعادت ليان إلى منزلها. لكن الغريب أنها وجدت نفسها تتذكر ذلك الموقف أكثر من مرة. لم يكن هناك شيء مميز. مجرد اصطدام عابر. لكنها لم تستطع تجاهله تمامًا. في اليوم التالي... استيقظت مبكرًا كعادتها. ووصلت إلى الجامعة قبل موعد المحاضرات. جلست في الحديقة تحت شجرة كبيرة وفتحت أحد الكتب. كانت مستغرقة في القراءة عندما سمعت صوتًا. ـ بتحبي الكتب أوي؟ رفعت رأسها. وتفاجأت. آدم مرة أخرى. أغلقت الكتاب. ـ على حسب الكتاب. جلس على المقعد المقابل. ـ أول مرة أشوف حد بيرد بالهدوء ده. ـ المفروض أرد إزاي؟ ضحك. ـ معرفش. شعرت ليان ببعض التوتر. لكنه لم يكن شخصًا مزعجًا كما توقعت. بل كان يتحدث بطريقة طبيعية جدًا. استمر الحديث بينهما لدقائق قليلة قبل أن يأتي موعد المحاضرة. وقفت ليان. ـ لازم أمشي. ـ أشوفك بعدين؟ ترددت للحظة. ثم قالت: ـ يمكن. وغادرت. أما هو فابتسم. لأول مرة منذ فترة طويلة يشعر بالفضول تجاه شخص إلى هذا الحد. مرت الأيام التالية. وبدأ وجود آدم في حياة ليان يتكرر بشكل غريب. مرة عند المكتبة. مرة في الكافيتريا. مرة في الحديقة. وأحيانًا في الممرات. في البداية ظنت أنها مجرد صدف. لكن عدد الصدف أصبح كبيرًا جدًا. في أحد الأيام كانت تجلس مع مريم في الكافيتريا. وفجأة ظهر آدم. ألقى التحية وجلس معهم لدقائق. وبعد أن غادر مباشرة نظرت إليها مريم. ـ لا بقى. ـ إيه؟ ـ في حاجة. ـ مفيش حاجة. ـ ليان! ضحكت. ـ والله مفيش. ـ آدم السيوفي بنفسه بيقعد معانا وإنتِ بتقولي مفيش حاجة؟ هزت ليان رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. في تلك الليلة... كان آدم يجلس في غرفته الواسعة. أمامه اللابتوب. لكن تركيزه لم يكن في العمل. بل في شخص آخر. شخص لم يكن يتوقع أن يشغل تفكيره يومًا. أغلق اللابتوب. ثم استند إلى المقعد. وتذكر ابتسامتها. وطريقتها الهادئة. وعدم اهتمامها بكل ما يبهر الآخرين. لأول مرة شعر أن هناك شخصًا يراه كإنسان عادي. لا كشخص مشهور أو غني. وهذا ما أعجبه أكثر. أما ليان فكانت مستلقية على سريرها تنظر إلى السقف. وتفكر. هل ما يحدث مجرد صداقة؟ أم بداية شيء آخر؟ حاولت طرد الفكرة من رأسها. لكنها لم تستطع. لأن الحقيقة التي لم تكن مستعدة للاعتراف بها بعد... أن آدم السيوفي بدأ يحتل مكانًا صغيرًا داخل قلبها. مكانًا يكبر يومًا بعد يوم. دون أن تشعر. ودون أن تعلم أن الأيام القادمة ستجعل حياتها تنقلب رأسًا على عقب. وأن هذا اللقاء البسيط... لم يكن سوى بداية قصة طويلة مليئة بالحب والأسرار والعقبات.الاختيار المستحيلوقف آدم في مكانه، و عيناه لا تفارقان الرجل الذي اختفى خلف الباب السري."أنا عمك ياسر."كانت الجملة تتردد في رأسه بلا توقف.طوال حياته كان يعتقد أن والده لم يكن له سوى أخ واحد توفي منذ سنوات طويلة، و لم يتحدث أحد عنه مرة أخرى.فلماذا ظهر الآن؟و لماذا في هذا الوقت تحديدًا؟اقترب المحقق سامح منه و وضع يده على كتفه.ـ آدم... متتحركش لوحدك.أنت متعرفش ده مين و لا ناوي على إيه.ظل آدم صامتًا للحظات، ثم قال:ـ لو فعلًا عمي... يبقى عنده إجابات أنا بدور عليها من سنين.رد المحقق بحزم:ـ و ممكن يكون بيحاول يوقعك في فخ جديد.نظر آدم إلى الباب السري، ثم تنهد.ـ أنا هروح... لكن مش لوحدي.هز المحقق رأسه موافقًا.ـ تمام... كلنا هندخل.في الجهة الأخرى...كان ياسر يسير داخل ممر طويل تحت الأرض.لم يكن ينظر خلفه، و كأنه واثق أن آدم سيلحق به.وصل إلى غرفة واسعة تتوسطها طاولة خشبية قديمة.فوق الطاولة...إطار صورة.رفع الصورة بين يديه.ابتسم بحزن.كانت صورة تجمعه بوالد آدم قبل أكثر من ثلاثين عامًا.قال بصوت خافت:ـ سامحني يا أخويا...أنا اتأخرت أوي.عاد المشهد إلى آدم.دخل مع المحقق ورجال
الوجه الذي سقط عنه القناعارتفعت صفارات الإنذار في جميع أنحاء السرداب.كانت الأضواء الحمراء تومض بسرعة، بينما دوى صوت معدني غليظ في المكان:"تم تفعيل نظام الإغلاق."نظر رجال الشرطة إلى الباب الحديدي، و حاول اثنان منهم فتحه بكل قوتهما، لكنه لم يتحرك و لو سنتيمترًا واحدًا.قال أحد الضباط و هو يلهث:ـ الباب مقفول إلكترونيًا!ضرب المحقق سامح الباب بقبضته و قال:ـ دوروا على أي مخرج تاني!انتشر رجال الشرطة في أنحاء الغرفة، يفتشون كل زاوية، بينما ظل آدم واقفًا في مكانه، و عيناه معلقتان بالصورة القديمة التي وجدها.كانت الصورة تضم والده، و عمر، و سليم... و الرجل المجهول.لم يكن وجهه غريبًا.بل كان مألوفًا بشكل صادم.همس آدم:ـ مستحيل...اقترب منه المحقق.ـ آدم... مين الراجل ده؟رفع آدم الصورة ببطء.و قال بصوت متردد:ـ اسمه... فؤاد.قطب المحقق حاجبيه.ـ فؤاد مين؟ابتلع آدم ريقه.ـ كان المستشار القانوني للشركة.و أقرب صديق لوالدي.بل... كنت بناديه "عمو فؤاد".ساد الصمت.لم يصدق أحد ما سمعه.في الجهة الأخرى...داخل فيلا فاخرة خارج المدينة...كان رجل يجلس أمام شاشة ضخمة، يتابع كل ما يحدث داخل السر
اعتراف زيادكانت سيارات الإسعاف و الإطفاء قد غادرت المكان منذ ساعات، لكن رائحة الدخان ما زالت عالقة في الهواء، و كأنها ترفض أن تغادر مع أسرار ذلك المنزل.جلس آدم في غرفته بالمستشفى، و ذراعه ملفوفة بالضمادات، بينما كان ينظر بصمت إلى النافذة.كل ما حدث في الأيام الماضية كان يدور في رأسه بلا توقف.سليم... خالد... دفتر المذكرات... و الانفجار.و قبل كل ذلك...الورقة التي كُتب عليها: "الأخ الأكبر."طرق أحدهم الباب.دخل المحقق سامح يحمل ملفًا سميكًا.ابتسم ابتسامة خفيفة.ـ عامل إيه؟رد آدم وهو يعتدل في جلسته:ـ أحسن.بس دماغي مش واقفة.جلس المحقق أمامه.ثم قال:ـ عندي خبر ممكن يغير القضية كلها.نظر إليه آدم باهتمام.ـ إيه هو؟فتح المحقق الملف.ثم قال بهدوء:ـ زياد طلب يقابلك بنفسه.تجمد آدم.ـ يقابلني؟ـ أيوة.و قال إنه مش هيتكلم مع أي حد غيرك.بعد ساعة...دخل آدم غرفة التحقيق.كانت الإضاءة خافتة.و في الجانب الآخر من الطاولة...جلس زياد.بدا مختلفًا تمامًا.لحيته أصبحت أطول.و عيناه مرهقتان.و لأول مرة...لم يكن في ملامحه أي غرور.رفع رأسه عندما دخل آدم.و قال بصوت هادئ:ـ اتأخرت.جلس آدم أ
الفخكانت عقارب الساعة تتحرك ببطء شديد، وكأن الزمن نفسه قرر أن يختبر صبر آدموقف أمام المنزل المهجور الذي وصل إليه بعد تتبع آخر خيط يقوده إلى سليم. كان المكان يقع في أطراف المدينة، بعيدًا عن الضوضاء، تحيط به أشجار يابسة وسور حديدي صدئ، بينما كانت النوافذ المكسورة تجعل المبنى يبدو كأنه مهجور منذ عشرات السنين.أوقف سيارته على بعد أمتار، وأطفأ المحرك.ظل ينظر إلى المنزل للحظات.كل إحساس بداخله كان يخبره أن هناك شيئًا غير طبيعي.لكن بعد كل ما مر به...لم يعد يخاف.ترجل من السيارة، و أغلق الباب بهدوء، ثم بدأ يتقدم بخطوات حذرة.كانت الرياح تحرك أغصان الأشجار، فتُصدر أصواتًا مخيفة تزيد المكان رهبة.وصل إلى الباب الرئيسي.كان مفتوحًا قليلًا.تبادل نظرة سريعة مع المكان، ثم همس:ـ يا رب...و دفع الباب ببطء.صدر صرير قوي كسر صمت المنزل.دخل آدم.كانت الأرضية مغطاة بالغبار، و آثار الأقدام القديمة تظهر في أكثر من اتجاه.انحنى قليلًا، و مرر يده فوق أحد الآثار.همس:ـ حد كان هنا من وقت قريب...رفع رأسه، و بدأ يتجول داخل المنزل.في الطابق العلوي...كان رجل يقف خلف نافذة مكسورة، يراقب آدم منذ دخوله.












reviews