بيت / مافيا / الظل / ظلال فلورنسا

مشاركة

الظل
الظل
مؤلف: Hassnaa Mahmoud

ظلال فلورنسا

مؤلف: Hassnaa Mahmoud
last update تاريخ النشر: 2026-05-23 02:46:32

كانت فلورنسا في تلك الليلة تبدو وكأنها لوحة زيتية قديمة سُكبت فوقها ألوان قاتمة من الحبر والرماد. لم يكن المطر مجرد ماء ينهمر من السماء، بل كان أشبه بدموع ثقيلة تجري فوق وجنات التماثيل الرخامية المنتصبة في الساحات العتيقة، وتغسل أرصفة الشوارع الحجرية الضيقة التي شهدت على قرون من المؤامرات والدماء. انهمرت السماء بغزارة كأنها تحاول غسل خطايا المدينة، بينما كانت حبات المطر تضرب النوافذ الزجاجية للمباني الأثرية بعنف، مصدرة إيقاعاً رتيباً مرعباً، كأنه نذير شؤم يزحف ببطء نحو القلوب. في هذه الأجواء التي يلفها الضباب الغامق، كانت الأضواء الخافتة لمصابيح الشوارع الصفراء تتراقص على سطح المياه الراكدة في الأزقة، ترسم ظلالاً مشوهة تتحرك مع حركة الرياح العاصفة التي كانت تصفر بين الممرات الضيقة، حاملة معها برودة تقشعر لها الأبدان، ورائحة تراب مبلل يختلط برائحة البارود عن بعد.

في قلب هذا السكون المشحون، وداخل إحدى الردهات الخلفية لملهى ليلي عتيق يقع في أطراف المدينة، كان يمتد عالم آخر تماماً؛ عالم لا تحكمه قوانين الدولة، بل تحكمه كلمة رجل واحد. كانت الغرفة واسعة، جدرانها مغطاة بخشب الجوز الداكن، وتتدلى من سقفها ثريا ضخمة من الكريستال تطلق ضوءاً خافتاً يبعث على الرهبة. في وسط الغرفة، كانت هناك طاولة مستديرة من الخشب المصقول، يجلس حولها رجال يرتدون حُدداً سوداء فاخرة، تعكس ملامحهم القاسية صرامة الحياة التي يحيونها. كانت الأجواء داخل الغرفة محتقنة، والدخان الكثيف المنبعث من السيجار الكوبي الفاخر يتصاعد ليتشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج.

عند رأس الطاولة، كان يجلس (أليساندرو). لم يكن مجرد رجل يجلس على مقعد، بل كان يبدو كملك متربع على عرش من الجمر. كان شاباً في أواخر العشرينيات من عمره، لكن الناظر إلى عينيه يرى فيهما عمراً يمتد لقرون من الأسى والخبرة القاسية. كانت عيناه رماديتين كرماد جثة محترقة، حادتين كشفرة خنجر مسموم، تنظران إلى الحاضرين بركود مخيف، ركود يسبق العواصف المدمرة عادة. ملامحه كانت إيطالية أثيلة؛ فك عريض حاد، أنف مستقيم، وشعر أسود فاحم كقطع الليل تم تصفيفه بعناية إلى الخلف، بينما يزين جانب وجهه الأيسر ندبة صغيرة خفيفة، كانت بمثابة تذكير دائم له بأن الخطأ الأول في عالمه هو الخطأ الأخير.

كان أليساندرو يمسك بين أصابعه الطويلة كأساً من الكريستال يحتوي على سائل ذهبي، يحرقه ببطء ودون مبالاة، بينما كان يستمع إلى الرجل الجالس أمامه، وهو أحد كبار المهربين في الشمال، والذي كان يتحدث بنبرة يمتزج فيها الخوف بالتوتر، ويحاول جاهداً إخفاء ارتعاش يده وهو يعرض أوراق الشحنة الجديدة.

ساد الصمت لبرهة، لم يكن يقطعه سوى صوت قطرات المطر التي تضرب زجاج النافذة الكبيرة خلف أليساندرو. كان هذا الصمت أثقل من الجبال، صمت يجعل الأنفاس تتردد في الصدور خوفاً من أن تثير غضب "الظل"، وهو اللقب الذي أطلقه أعداؤه عليه لأنه يظهر ويختفي دون أن يترك أثراً، ولأن الموت دائماً ما يكون ظله التابع.

تنحنح الرجل المهرب، وقال بصوت متحشرج: "سيد أليساندرو، الشحنة ستصل إلى ميناء ليفورنو مع بزوغ فجر الغد. كل شيء مؤمن تماماً، ورجال الشرطة في المرفأ تلقوا حصتهم من الأموال، ولن يجرؤ أحد على فتح الحاويات. نحن فقط بحاجة إلى توقيعك على هذه الاتفاقية لنبدأ في عملية التوزيع داخل إقليم توسكانا."

لم يحرك أليساندرو ساكناً. ظل ينظر إلى السائل الذهبي في كأسه، ثم رفعه ببطء إلى شفتيه، ورشف منه رشفة صغيرة، تاركاً الحرارة تشتعل في جوفه، قبل أن يضع الكأس على الطاولة بهدوء أصاب الحاضرين بالقشعريرة. رفع عينيه الرماديتين ببطء، ونظر مباشرة إلى عيني الرجل، الذي شعر وكأن جبلًا من الجليد قد هبط على صدره.

تحدث أليساندرو أخيراً، وكان صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة أرستقراطية باردة تعكس سلطته المطلقة. قال باللغة الفصحى السليمة التي يعشق استخدامها في حواراته الفخمة: "أنت تتحدث عن الأمان يا دوناتو، وكأنك تملك مفاتيح القدر. ألم يتعلم لسانك بعد أن الكلمة التي تخرج قبل أوانها قد تصبح كفناً لصاحبها؟"

ابتلع دوناتو ريقه بصعوبة، وحاول الابتسام لإخفاء رعب المتغلغل في أوصاله: "أنا لا أجرؤ على خداعك يا سيد أليساندرو. عائلة الكامورا تعلم أنني كنت دائماً شريكاً مخلصاً."

تحرك أليساندرو في مقعده بحركة انسيابية تشبه حركة فهد يستعد للانقضاض. شبك أصابعه أمام وجهه، ونبس بنبرة أكثر انخفاضاً، لكنها كانت أكثر رعباً: "الإخلاص كلمة تلوكها الألسن التي تخفي خلفها الخيانة. لقد علمت قبل ساعتين فقط أنك التقيت بممثل عن عائلة (ليون) في سراديب روما القديمة. فهل كان ذلك اللقاء لتبادل أطراف الحديث عن تاريخ الكنيسة، أم لبيع حصتي من الشحنة لهم؟"

شحب وجه دوناتو تماماً، واستحالت ملامحه إلى بياض الموت. نهض من مقعده بحركة لا إرادية، وتراجعت خطاه إلى الخلف، بينما كان الحراس الواقفون عند الأبواب يضعون أيديهم ببطء على مقابض أسلحتهم المخفية تحت ستراتهم.

قال دوناتو وصوته يرتجف كقشة في مهب الريح: "هذا.. هذا افتراء! إنهم يحاولون الوقيعة بيننا يا سيد أليساندرو! أقسم بحياة أطفالي..."

انقطع حبل قَسَمه عندما رفع أليساندرو يده اليمنى حركة طفيفة، كانت كافية لإخراس العالم بأسره. لم يظهر على وجه الزعيم الشاب أي تعبير عن الغضب، بل كان هدوءه هو الجزء الأكثر ترويعاً في المشهد.

وقف أليساندرو ببطء، فبدا طوله الفارع وبنيته العريضة القوية تملأ المكان مهابة. زرّ سترة بذلته الفاخرة بيد واحدة، ثم التفت نحو النافذة المطلة على الشارع الخلفي المظلم، وأعطاهم ظهره، وقال بصوت هامس يحمل حكماً نهائياً لا رجعة فيه: "القسم بالأنقياء لا يحمي الخونة من مصيرهم. اخرج من وجهي يا دوناتو، وصلِّ لعل الجحيم يتسع لروحك الليلة."

في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن يتحرك أي شخص في الغرفة، دَوَى صوت انفجار عنيف في الطابق السفلي للمبنى، تلاه دوي إطلاق نار كثيف ومتتابع ومتسارع. اهتزت الجدران الخشبية، وتناثرت قطع الكريستال من الثريا الضخمة بعد أن انقطعت التيارات الكهربائية فجأة، لتغرق الغرفة في ظلام دامس، لا يضيئه سوى ومضات النيران المنبعثة من الأسفل، والبرق الذي كان يشق السماء بالخارج.

كانت تلك محاولة اغتيال مدبرة بعناية فائقة. لم تكن مجرد مشاجرة عادية، بل هجوماً شاملاً تشنه عائلة "ليون" المنافسة بهدف القضاء على رأس الأفعى، بهدف اغتيال أليساندرو في عقر داره.

انقلبت الغرفة إلى ساحة حرب في ثوانٍ معدودة. تعالت صرخات الرجال، ودوي طلقات الرصاص من أسلحة أوتوماتيكية ساد المكان، مخترقة الأبواب والجدران. ألقى أليساندرو بنفسه خلف الطاولة الخشبية الثقيلة مستغلاً رد فعله السريع وغريزته القتالية التي صُقلت في معارك الشوارع منذ صغره. سحب مسدسه الفضي من عيار 9 ملم، والذي لا يفارقه أبداً، وبدأ في إطلاق النار بدقة متناهية نحو الأشكال المتحركة في الظلام، والتي كانت تقتحم الغرفة من كل حدب وصوب.

"أليساندرو! انبطح!" صرخ (ماركو)، الذراع الأيمن لأليساندرو وصديقه المقرب، والذي ظهر من وسط الدخان وهو يطلق النار بغضب أعمى لتأمين مخرج لزعيمه.

كانت الدماء تسيل في الممرات، ورائحة البارود المحترق أصبحت خانقة تملأ الصدور وتكتم الأنفاس. تقدم أليساندرو وماركو بحذر وسط النيران المتبادلة، مستخدمين الأعمدة الرخامية للمبنى كدروع بشرية. كان أليساندرو يطلق النار ببرود قاتل، كل رصاصة تخرج من فوهة مسدسه كانت تعني نهاية حياة أحد المهاجمين. لكن الأعداد كانت تفوقهم بكثير؛ فقد كان واضحاً أن الخيانة قد تغلغلت في الداخل، وأن هناك من أرشد الأعداء إلى هذا المكان السري بدقة متناهية.

بينما كانوا يقتربون من باب الخروج الخلفي المؤدي إلى الأزقة الضيقة، برز رجل ضخم البنية من خلف أحد الجدران المتداعية، حاملاً بندقية رشاشة. وقبل أن يتمكن أليساندرو من رفع مسدسه، أطلق الرجل وابلاً من الرصاص. تراجع أليساندرو إلى الخلف بسرعة، لكن رصاصة غادرة اخترقت جانبه الأيمن، لتستقر في خاصرته.

شعر أليساندرو بألم حارق واجتياح مفاجئ لبرودة قاسية، كأن خنجراً من الجليد قد غُرس في أحشائه. تعثرت خطاه، وظل واقفاً بصعوبة، مستنداً بيده اليسرى على الجدار، بينما ضغط بيده اليمنى على جرحه الذي بدأت الدماء الدافئة تتدفق منه بغزارة، لتصبغ قميصه الأبيض الفاخر بلون القرمز القاتم.

"اللعنة! أليساندرو!" صرخ ماركو باندفاع، ووجه سلاحه نحو المهاجم وأرداه قتيلاً برصاصة في جبهته. التفت ماركو وحاول حمل أليساندرو، لكن الأخير دفعه بعيداً بقوة تملؤها الكبرياء والرفض، رغم الألم الفظيع الذي كان يعتصر جسده.

قال أليساندرو بنبرة حادة وصوت متهدج يصارع الألم: "تراجع يا ماركو! لستُ عاجزاً.. خذ الرجال وطهر المكان، لا تدع أحداً منهم يخرج حياً من هنا. هذا أمر!"

"ولكنك تنزف بغزارة، لن تستطيع الصمود بمفردك في هذا المطر!" احتج ماركو وعيناه تملؤهما ملامح القلق الصادق على صديق عمره.

"نفذ الأمر يا ماركو! أنا الظل.. والظل لا يموت في الظلام." قال أليساندرو كلماته تلك، ثم اندفع خارجاً عبر الباب الخلفي، ليختفي في جوف الليلة العاصفة، تاركاً خلفه ماركو يواصل المعركة الشرسة في الداخل.

بمجرد أن وطئت قدما أليساندرو الشارع الحجري، استقبلته الرياح العاتية والمطر الغزير بصفعة باردة زادت من حدة ألمه. كان المطر ينهمر على وجهه، يختلط بعرقه ودمائه التي تسيل على الأرض، لتجرفها المياه الجارية في قنوات الصرف الصحي. كان يسير بخطوات ثقيلة ومتعثرة، يجر جسده جراً عبر الأزقة الضيقة والمتعرجة لمدينة فلورنسا الأثرية.

كانت الرؤية شبه منعدمة بسبب الضباب الكثيف وشدة المطر. تحولت الأبنية التاريخية المحيطة به إلى أشباح عملاقة تراقبه في صمت، وكأنها تشهد على ترنح الرجل الذي كان يرتعد منه الشمال بأكمله. كان يضع يده فوق جرحه، محاولاً كتم نزيف دمه الذي يتدفق مع كل خطوة يخطوها، وكل نفس يخرج من صدره كان يتحول إلى بخار أبيض في الهواء البارد، مصحوباً بأنين مكتوم يأبى أن يخرجه عالياً كبرياءً وأنفة.

بدأ وعيه يغيب ببطء، وتضطرب الرؤية أمام عينيه. أصبحت أصوات المطر والرعد تبدو وكأنها تأتي من مكان بعيد جداً، وشعر بأن الأرض تحت قدميه تميد وتهتز. تملكه شعور غريب بالخدر يسري في أطرافه، وبدأت البرودة القارسة تحل محل حرارة الدم النازف.

كان يتساءل في مونولوجه الداخلي، وهو يترنح بين الجدران الحجرية الباردة: "هل هذه هي النهاية؟ هل سأموت هنا في أحد أزقة فلورنسا ككلب ضال؟ أنا الذي قدتُ العائلات وسيطرتُ على المصائر بكلمة مني؟ لا.. ليس الليلة. الموت يعرفني جيداً، وقد تراجع أمامي كثيراً، ولن أسمح له بأن يأخذني في غفلة من رجالي."

لكن جسده لم يكن يشارك عقله نفس القوة والإصرار؛ فقد خذلته قواه تماماً عندما وصل إلى زقاق فرعي شديد الضيق والظلمة، يقع بعيداً عن صخب المركز. كان زقاقاً هادئاً، تصطف على جانبيه بيوت قديمة ذات طراز معماري دافئ، تنبت على شرفاتها نباتات اللبلاب الخضراء التي دمر المطر بعض أوراقها.

شعر أليساندرو بثقل هائل في جفنيه، وكأن جبلاً من الرصاص قد وُضع فوقهما. تعثرت قدمه بحجر ناتئ على الرصيف، فلم يسعفه جسده المنهك لاستعادة توازنه. سقط بكل ثقله نحو الأمام، ليرتطم جسده الضخم والقوي بقوة بجدار مبنى صغير، ثم يترنح ويهبط ببطء مستنداً على الجدار، حتى استقر جسده على الأرض الحجرية الباردة، قريباً جداً من عتبة باب خشبي عتيق، يعلوه مصباح نحاسي صغير يرسل ضوءاً شاحباً خافتاً.

كان الجرح لا يزال ينزف، والدماء تصبغ الحجارة من حوله، ممتزجة بمياه المطر الجارية التي بدأت تحول لون الماء الراكد إلى اللون الوردي. حاول أليساندرو رفع رأسه، وحاول جلب الهواء إلى رئتيه، لكن أنفاسه أصبحت قصيرة ومتقطعة، وصارت ضربات قلبه تتباطأ كدقات ساعة قديمة أوشكت بطاريتها على النفاد.

غاص في ركود شبه تام، تلاشت الصور من أمامه، ولم يعد يسمع سوى صوت ضربات المطر العنيفة التي بدا وكأنها تدق مسماراً في نعشه. وفي تلك اللحظة التي استسلم فيها جسده تماماً للظلام، والتي اعتقد فيها أن روحه ستفارق جسده لتلتحق بظلال الماضي، تحرك شيء ما خلف الباب الخشبي العتيق الذي كان يستند بظهره عليه.

سُمع صوت قفل حديدي يُفتح ببطء من الداخل، صوت خفيف كاد أن يبتلعه صخب العاصفة بالخارج، لكنه بالنسبة لأليساندرو كان آخر صوت يسجله وعيه قبل أن يغوص في غيبوبة مطبقة، غيبوبة سوداء لا ملامح لها، تاركاً جسده الهامد تحت رحمة المطر والقدر، وعلى أعتاب حياة جديدة لم يكن ليتخيل يوماً أنه سيمر بها، حياة ستغير مسار "الظل" إلى الأبد، وتحوله من وحش كاسر كسرته الخيانة، إلى عاشق تائه يرتجي النجاة بين يدي فتاة لم يرها بعد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الظل   الخروج من عنق الزجاجة

    الساعة الجدارية الصامتة في وعي الأبطال لتتحول الثواني الضيقة إلى دهر يغلي فوق صفيح ساخن من الرعب الصرف، بينما استمر الضباب الأبيض البارد والكاثف للغاز الهالوجيني المنوم في الزحف السريع، ملتفاً حول الأعمدة الرخامية ومحاصراً الأنفاس والخطوات داخل عنق الزجاجة المطبق المعزول عن العالم بالخارج. كان الهواء يزداد ثقلاً في الصدور، والرائحة الكيميائية الواخزة بدأت تفرض سيادتها المطلقة على الرئتين المنهكتين، مهددة بـشل الحركة التامة وتحويل القبو التاريخي للمكتبة الوطنية إلى مقبرة جماعية منسية تحت ركام التاريخ.تحرك ماركو بـآلية عسكرية تكتيكية فائقة الدقة والسرعة، لم تشبها شائبة من التردد؛ وضع جسده الصلب كـالدرع الصخري الشامخ أمام كلارا المنكمشة، وجذب جهاز التشويش النبضي الصغير من حزامه الجلدي الأسود، لـيدفعه بـعنفوان وقسوة بالغة في قلب الدوائر الإلكترونية للوحة التحكم الرقمية المخفية داخل تجويف الجدار الحجري المتآكل. انطلقت شرارات كهربائية زرقاء متتالية أصدرت طقطقة حادة هزت جدران القبو، تلاها صوت طنين حاد وممتد أعلن تحطم التشفير اللاسلكي للخصوم وانفجار الصمام الرئيسي صامتاً، لـتنفتح الأبواب ال

  • الظل   فخ بين الرفوف

    تجمّد الصمت في فضاء القبو الحجري العتيق كغشاء رقيق يوشك أن يتردد صداه بعنفوان مع أي حركة طائشة أو نفس مضطرب. استقرت أصابع إيلينا النحيلة، المرتعشة بارتعاشٍ خفيف، فوق الأقراص الميكانيكية الثلاثية للصندوق الصدئ، متجاهلة بالكامل قعقعة السلاح الخافتة وأصوات الخطوات الحذرة التي بدأت تتردد في الممر العلوي للمكتبة الوطنية، والظلام المطبق الذي ابتلع معالم المرسم السفلي المعزول. كانت تداعب البروزات الفولاذية الدقيقة بحس مرممةٍ محترفة تلتمس النبض المفقود في جسدٍ مات منذ قرون؛ تحرك القرص الأول مليمترات محسوبة نحو اليمين لـيصدر صوتاً ميكانيكياً مكتوماً، تلاه تحريك القرص الثاني بزاوية حادة توافقت تماماً مع الرمز القوطي المحفور على الحافة المتآكلة. وفي تلك اللحظة بالذات، انبعث وميض خافت ودقيق من مصباح أليساندرو اليدوي الصغير، والذي وجهه القيصر الشاب بدقة متناهية نحو أصابعها لـيوفر لها الحد الأدنى من الرؤية الضرورية دون إثارة انتباه الفصيلة المتسللة في الأعلى أو كشف موقعهم السري.تحرك الغطاء الحديدي الثقيل ببطء شديد أصدر صريراً حاداً مزق سكون القبو، لينفتح الصندوق الصدئ بالكامل ويفرز في الفضاء المحي

  • الظل   مهمة في قلب الظلام

    لم تكن سماء فلورنسا تلك الليلة سوى رداء أسود ممزق، حيث تجمعت السحب الرعدية الثقيلة فوق القباب التاريخية والجسور العتيقة، لتمحو أي أثر للضوء القمري الذي كان يمنح المدينة سحرها المعهود. كانت العاصفة قد بدأت لتوها، بحبات مطر تشبه في حدتها شظايا الزجاج، تصطدم بجدران السيارات المصفحة انسيابية الصنع، بينما كانت القافلة المؤلفة من سيارتين سوداوين تخترق أزقة المدينة الضيقة بخطوات خفية، كأنها أشباح من حديد ترفض أن يلحظها كائن. داخل السيارة الرئيسية، كان أليساندرو يجلس وإيلينا بجانبه، يداه تقبضان على مقود السيارة بقوة أرستقراطية صامتة، وعيناه الرماديتان ترصدان كل ظل يتحرك خلف الزجاج المظلم، بينما كانت إيلينا تغرق في أفكارها، وتتلمس بأصابعها تلك الحقيبة الجلدية التي تحمل أدوات الترميم الدقيقة التي قد تكون هي المفتاح لإنقاذ إمبراطورية الكامورا من الانهيار.في السيارة الثانية، كانت الأجواء أكثر مشحونة بالترقب والهدوء المريب. كلارا كانت تجلس في المقعد الخلفي، تحدق من النافذة إلى شوارع المدينة التي تعرفها جيداً، لكنها الليلة بدت وكأنها أروقة في كابوس مجهول؛ فقد تحولت فلورنسا التي تعشقها إلى مسرح لصر

  • الظل   السر

    انبعث وهج أزرق بارد من الشاشات الرقمية الشاسعة الممتدة على طول الجدار الرئيسي لغرفة العمليات المحصنة تحت الأرض، لـيكسر عتمة المساحة الفولاذية التي لم تكن تطؤها سوى أقدام النخبة من عائلة الكامورا. تحرك ماركو بخطوات عسكرية سريعة ورنانة فوق الأرضية المعدنية الصقيلة، متوقفاً أمام طاولة التخطيط البلورية الضخمة التي كانت تعرض خريطة طبوغرافية ثلاثية الأبعاد لمدينة فلورنسا القديمة بأزقتها وشوارعها الحجرية الملتوية. وقف أليساندرو بجانبه بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية المهيبة، واضعاً كفيه القويتين فوق حافة الطاولة، وعيناه الرماديتان اللتان تشبهان الرخام البارد تحدقان في التقاطعات المضيئة بتركيز صارم، بينما كانت إيلينا وكلارا تقفان في الزاوية الخلفية للغرفة، تحت حراسة مشددة، والذعر والوجل باديان على ملامحهما الشاحبة إثر استدعائهما المفاجئ وسط أجواء الاستنفار.تحركت أصابع ماركو بسرعة فوق لوحة التحكم، لـتختفي الخرائط العسكرية وتحل محلها صور لوثائق ومخطوطات أثرية قديمة مكتوبة بحبر لاتيني باهت ومختومة بأختام شمعية حمراء تحمل شعار العقرب الممتد. ونبس ماركو بصوته الرخيم المنخفض الذي تردد صداه الحا

  • الظل   نذر العاصفة

    غادرت كلارا قاعة الموسيقى الفسيحة مع اقتراب خيوط المساء الأولى، حاملة في أعماق وعيها أطياف تلك المعزوفة الشجية والوعود السرية الصامتة التي غزلها ماركو بعينيه الدافئتين في عتمة الزوايا التي خلت من وعيد السلاح. عادت بخطوات متباطئة إلى الجناح الملكي الغربي حيث كانت إيلينا تنتظرها بشغف حذر، جالية أمام المدفأة الحجرية الضخمة الشاهقة الارتفاع، والتي أُشعلت فيها بعض حطب الصنوبر المعتق لـتطرد برودة الليل التوسكاني القاسية المتسللة عبر الشرفات العريضة ذات الستائر المخملية الثقيلة. كانت الإضاءة داخل الجناح خافتة ودافئة، تقتصر بالكامل على لهيب النار البرتقالي المتراقص في جوف الحجر وعبر وميش الشموع المعتقة الموضوعة فوق حوامل فضية طويلة ومزخرفة بنقوش أثرية، مما أضفى على الأرجاء الشاسعة أجواء مشحونة بالترقب والهدوء الحذر الذي يسبق العواصف الهوجاء. جلست كلارا بجانب إيلينا فوق الأريكة المخملية الوثيرة ذات اللون القرمزي الداكن، والتفتت إليها إيلينا بنظرة عسيلية حادة وصافية، تفحصت بها ملامح وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين بذكاء المرممة المحترفة التي تقرأ ما بين السطور وتستشف خفايا

  • الظل   ترانيم البيانو

    كانت الممرات المؤدية إلى الجناح الملكي للموسيقى في الطابق الأوسط من القصر تمتاز بظلالها الممتدة وأرضيتها المصنوعة من خشب الباركيه الداكن الذي يعود للقرن الثامن عشر، والذي كان يصدر صريراً خفيفاً شبه غير مسموع تحت الخطوات المتوجسة. سارت كلارا بجانب إيلينا، وكانت يداها لا تزالان ترتجفان ببطء جراء وطأة المواجهة التي دارت على مائدة الإفطار؛ فالأجواء المرعبة المحيطة بأسوار الكامورا لم تكن شيئاً يسهل على فتاة اعتادت الحياة البسيطة في أزقة فلورنسا أن تتأقلم معه بين ليلة وضحاها. فتحت إيلينا الأبواب المزدوجة الشاهقة ذات المقابض النحاسية المزخرفة، لتكشف عن قاعة الموسيقى التي غمرتها خيوط الشمس الذهبية المنسابة من النوافذ الطولية المطلة على الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الليمون والورد الجوري تتراقص مع نسمات الصباح.في منتصف القاعة الفسيحة، تربع بيانو ضخم من طراز "ستاينواي" باللون الأسود اللامع، يعكس بريقه جدران القاعة المكسوة بالحرير الدمشقي المقصب. ارتمت كلارا على المقعد المخملي الطويل المخصص للعزف، وأسندت جبينها البارد على حافة الخشب الصقيل، مستنشقة رائحة الشمع والورق القديم المنبعثة من نوتات

  • الظل   ترانيم القرميد والنور

    بدأ الليل يرخي سدوله الثقيلة فوق تلال "فيسولي"، ملتسقاً بقمم أشجار السرو العتيقة كعباءة مخملية سوداء مطرزة ببريق النجوم الشاحبة. كان الضباب الفلورنسي القديم قد انقشع تماماً، تاركاً هواء توسكانا بارداً، جافاً، ونقياً ينبض بنبرة من السكون الأرستقراطي الذي يلف قصر الكامورا المحصن. انبعث ضوء الق

  • الظل   الانقاذ الثاني

    انقشعت عتمة الليل القاسية عن تلال فلورنسا ببطء شديد، ليحل محلها فجر شاحب يحمل لون الرماد والفضة الباردة. كان رذاذ المطر قد توقف تماماً، لكن الضباب الكثيف ظل يلف أشجار السرو العتيقة المحيطة بالقصر، كأنه كفن طبيعي يخفي خلفه مؤامرات رجال الدم. داخل الجناح الشرقي، كانت إيلينا لا تزال مستلقية فوق

  • الظل   هدنة بطعم الدموع

    انسلّ نهار فلورنسا الذهبي ببطء شديد من بين شقوق الستائر المخملية العريضة للجناح الشرقي، ليترك مكانه لغسق قرمزي حزين يصبغ التلال المحيطة بقصر الكامورا بلون يشبه مساحيق الدم الجاف. كان الصمت داخل الغرفة الملكية ثقيلاً، مشحوناً برائحة حطب الصنوبر المشتعل في المدفأة الحجرية الكبيرة، والذي كان يت

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status