Masukفي شتاء عام 1941، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تلتهم أوروبا، لم تكن إيلينا تحارب من أجل وطنها، بل من أجل البقاء. بعد أن فقدت والدها وأصبحت المعيل الوحيد لوالدتها وشقيقها الصغير، لم يعد في حياتها متسع للأحلام. في إحدى الليالي، تقودها الصدفة إلى العثور على ضابط ألماني مصاب ينتمي إلى جيش العدو. كان تسليمه يعني إنقاذ عائلتها من الجوع، أما إخفاؤه فكان خيانة قد تكلّفها حياتها. لكنها تختار أن تمنحه فرصة للعيش. ومع مرور الأيام، تكتشف أن الحرب لا تقتل البشر بالرصاص وحده، بل بالحقائق أيضًا. فهو ابن الرجل الذي كان سببًا في تدمير قريتها، بينما يحمل هو سرًا قد يغيّر كل ما كانت تؤمن به. بين الثلوج، والمدن المدمرة، وصفارات الإنذار، تنشأ علاقة لم يكن لها أن تولد في زمن الحرب. لكن عندما يصبح الحب عدوًا للواجب، ويصبح الانتقام أقوى من الغفران، سيكون على كل منهما أن يختار: هل يتبع قلبه، أم يترك الحرب تحدد مصيره؟ رواية رومانسية تاريخية تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يلتقي الحب بالخوف، والأمل بالفقد، وتصبح النجاة أغلى من أي حلم.
Lihat lebih banyak"الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما ينسى الإنسان أن من يقف أمامه إنسانٌ مثله."
كان الشتاء قد بسط سلطانه على قرية فيرينوفا منذ أسابيع، حتى بدا وكأن الثلج ابتلع كل لون في المكان. الأسطح الخشبية اكتست بالأبيض، والأشجار العارية وقفت ساكنة كجنود أنهكتهم السنوات، بينما كانت الرياح الباردة تعبر الأزقة الضيقة مطلقة صفيرًا حزينًا لا ينقطع. في مثل تلك الليالي، كان أهل القرية يطفئون مصابيحهم مبكرًا، ليس توفيرًا للزيت فحسب، بل خوفًا من أن تلمحها الطائرات وهي تحلق في السماء. داخل منزل صغير عند أطراف القرية، كانت إيلينا بتروفا تجلس أمام ماكينة خياطة قديمة فقدت بريقها منذ زمن بعيد. كانت قدمها تتحرك بهدوء فوق الدواسة الحديدية، بينما تخترق الإبرة قطعة قماش صوفية بلون بني داكن. لم يكن المعطف لها. ولم يكن أجرها مالًا. كانت ستتسلم في الصباح كيسًا صغيرًا من الدقيق ورغيفين من الخبز. تنهدت وهي تقص الخيط بأسنانها. قبل سنوات، كانت تحلم بأن تفتح متجرًا صغيرًا للخياطة في المدينة. أما اليوم... فكل ما تتمناه هو أن يعود الجميع سالمين مع شروق الشمس. قطع أفكارها صوت سعال متواصل. رفعت رأسها فورًا. جاء الصوت من الغرفة المجاورة. وضعت المعطف جانبًا ونهضت، ثم دفعت الباب الخشبي برفق. كانت والدتها، ماريا، تجلس قرب المدفأة، تلف كتفيها ببطانية صوفية رقيقة، وتحاول عبثًا إخفاء سعالها. ابتسمت عندما رأت ابنتها. ماريا: "لماذا تنظرين إليّ بهذه الطريقة؟" اقتربت إيلينا ولم تجب مباشرة. وضعت يدها على جبين والدتها. كان دافئًا أكثر من المعتاد. قالت بقلق: إيلينا: "حرارتك مرتفعة." ضحكت ماريا بخفة. ماريا: "ومنذ متى أصبحتِ طبيبة؟" ابتسمت إيلينا رغم قلقها. إيلينا: "منذ أن اختفت الأدوية." ساد الصمت للحظة. ثم أمسكت ماريا يد ابنتها. ماريا: "لا تقلقي عليّ... اهتمي بنفسك قليلًا." خفضت إيلينا عينيها. إيلينا: "سأهتم بنفسي عندما تنتهي الحرب." قبل أن ترد ماريا... انفتح باب الغرفة. دخل ميخائيل وهو يحمل ورقة بين يديه. كان وجهه متوردًا من شدة البرد، لكن الابتسامة لم تفارق ملامحه. ميخائيل: "إيلي! انتهيت." ابتسمت أخته. إيلينا: "انتهيت من ماذا؟" ركض نحوها ومد الورقة بحماس. كانت رسمة بسيطة بالفحم. منزلهم. شجرة تفاح. وسور خشبي. ورجل طويل يقف أمام الباب مبتسمًا. توقفت إيلينا عند الرسم. شعرت بوخزة في قلبها. إيلينا بصوت خافت: "أبي..." ابتسم ميخائيل. ميخائيل: "أردت أن أتذكر وجهه." اقتربت الجدة كاتارينا، التي كانت تراقبهم بصمت من كرسيها الهزاز. تناولت الرسمة برفق. ابتسمت بحزن. كاتارينا: "لقد رسمت عينيه تمامًا." رفع الصغير رأسه بفخر. ميخائيل: "حقًا؟" هزت الجدة رأسها. ثم نظرت إلى صورة أليكسي، المعلقة فوق المدفأة. ظل الجميع صامتين. لم يكن اسم الأب يُذكر كثيرًا داخل المنزل. ليس لأنهم نسوه... بل لأن ذكراه كانت مؤلمة أكثر من أن تُحكى. ابتعد ميخائيل عن المدفأة، ثم جلس القرفصاء على الأرض وهو يراقب ألسنة اللهب الصغيرة. قال بصوت خافت، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: ميخائيل: "أمي... هل كان أبي يخاف؟" رفعت ماريا رأسها ببطء. نظرت إلى صورة زوجها المعلقة على الجدار، ثم أغمضت عينيها للحظة. ماريا: "كل إنسان يخاف يا صغيري." تردد ميخائيل قليلًا. "إذن... لماذا ذهب إلى الحرب؟" ساد الصمت داخل الغرفة. حتى صوت احتراق الحطب بدا أوضح من المعتاد. تقدمت الجدة كاتارينا، وجلست بجانب حفيدها. وضعت يدها المجعدة فوق كتفه الصغير. كاتارينا: "لأنه كان يعتقد أنه يحمي عائلته." نظر إليها الصغير بعينين حائرتين. "وهل نجح؟" تنهدت العجوز ببطء. ثم ابتسمت ابتسامة يختلط فيها الألم بالرضا. "نحن ما زلنا هنا... أليس كذلك؟" لم يجب ميخائيل. اكتفى بالنظر إلى النار. أما إيلينا، فعادت إلى ماكينة الخياطة. كانت تعلم أن المعطف يجب أن ينتهي قبل الصباح. فالخبز الذي ستحصل عليه يكفي يومين فقط. سادت لحظات من الهدوء. هدوء نادر. حتى الريح في الخارج بدت وكأنها هدأت قليلًا. وفجأة... سمع الجميع طرقًا على الباب. تبادلوا النظرات. لم يكن أحد يزور أحدًا بعد حلول الظلام. اقتربت إيلينا بحذر. أمسكت مقبض الباب. ثم فتحته قليلًا. وقف أمامها رجل مسن يرتجف من البرد. كان يحمل قبعة صوفية بين يديه. "مساء الخير يا إيلينا." عرفته فورًا. إنه العم ياكوب. ابتسمت برفق. "تفضل يا عم ياكوب." هز رأسه رافضًا. "لن أدخل... جئت فقط لأطمئن أن المعطف أصبح جاهزًا." نظرت إلى القماش فوق الطاولة. "بقيت بعض الغرز فقط. ستحصل عليه مع شروق الشمس." ابتسم الرجل بامتنان. ثم أخرج من جيبه قطعة خبز صغيرة. ناولها لها. "خذيها... لا أظن أنكم تناولتم عشاءً جيدًا." تراجعت خطوة. "لكننا اتفقنا أن تدفع غدًا." ضحك الرجل بخفة. **"ومن يدري ماذا سيحمل الغد؟" تجمدت ابتسامتها. لم تجد ما تقوله. أخذت قطعة الخبز على مضض. "شكرًا." أومأ العجوز، ثم غادر وسط الثلوج. أغلقت الباب ببطء. قسمت قطعة الخبز إلى أربع قطع متساوية. وضعت واحدة أمام والدتها. وأخرى أمام ميخائيل. وثالثة أمام الجدة. أما القطعة الأخيرة... فتركتها على الطاولة. لاحظت ماريا ذلك. ماريا: "وأنتِ؟" ابتسمت إيلينا. "أكلت أثناء الخياطة." نظرت إليها الجدة مباشرة. كانت تعرف أنها تكذب. دفعت قطعتها نحو حفيدتها. كاتارينا: "أنا لا أشتهي الطعام." اعترضت إيلينا بسرعة. "لا يا جدتي." لكن العجوز قاطعتها. "عندما تكبرين ستفهمين... الجدة لا تشبع من الخبز، بل من رؤية أحفادها بخير." ابتسمت إيلينا رغم الدموع التي بدأت تلمع في عينيها. في تلك اللحظة... اخترق سكون الليل صوت طويل وحاد. وووووووووووووووو... توقفت الجدة عن الحركة. وسقطت قطعة الخبز من يد ميخائيل. أما ماريا... فأغمضت عينيها. كانت تعرف هذا الصوت. صفارات الإنذار. ثم جاء صوت ثانٍ... وثالث... قبل أن يهتز زجاج النوافذ بعنف. وفي الخارج، دوى صوت رجل يركض بين البيوت وهو يصرخ بكل ما أوتي من قوة: "الطائرات الألمانية! إلى الملجأ... بسرعة!" تجمدت إيلينا في مكانها. ثم، من دون تردد، أمسكت معطف والدتها، وأمسكت يد أخيها بقوة. كانت تعلم أن حياتهم، منذ هذه اللحظة، لن تعود كما كانت أبدًا. اندفعت إيلينا نحو الباب قبل أن يسبقها الذعر. لفّت المعطف الصوفي حول كتفي والدتها، ثم انحنت أمام ميخائيل وأغلقت أزرار سترته المرتجفة. إيلينا: "اسمعني جيدًا... لا تترك يدي مهما حدث، مفهوم؟" ابتلع الصغير ريقه وأومأ. "مفهوم." أخذت الجدة عصاها الخشبية ووقفت بصعوبة. ورغم سنها، كانت نظراتها ثابتة أكثر من الجميع. قالت بهدوء: كاتارينا: "افتحي الباب." فتحت إيلينا الباب، فاندفعت ريح جليدية إلى الداخل. كانت القرية قد استيقظت على الفوضى. رجال يركضون في كل اتجاه. نساء يحملن أطفالهن. كلاب تنبح بجنون. وأصوات صفارات الإنذار لا تزال تمزق السماء. أمسكت إيلينا يد أخيها بيد، وأسندت والدتها باليد الأخرى. وبينما كانوا يبتعدون عن المنزل، دوّى فوق رؤوسهم هدير ثقيل. رفعت رأسها. رأت نقاطًا سوداء تخترق الغيوم. كانت الطائرات. اقترب صوتها بسرعة حتى بدا وكأن السماء نفسها ترتجف. صرخ أحد الرجال: "اركضوا!" ثم... دوّى الانفجار الأول. اهتزت الأرض بعنف. تطايرت كتل الثلج من فوق الأسطح، وتحطم زجاج النوافذ في لحظة واحدة. شهق ميخائيل وأغلق أذنيه بكلتا يديه. احتضنته إيلينا وهي تركض. إيلينا: "لا تنظر خلفك!" لكن الصغير التفت رغم ذلك. ورأى منزلًا يشتعل بالنيران. تجمد للحظة. "إيلي..." شدته بقوة. "اركض!" وصلوا إلى ساحة الكنيسة، حيث كان أهل القرية يتدافعون نحو الملجأ الحجري. كان المكان مكتظًا. الأطفال يبكون. ورجل يحاول تهدئة زوجته. وشابة تصرخ باسم شقيقها الذي لم يصل بعد. سمعوا انفجارًا آخر، أقرب من الأول. اهتز مدخل الملجأ، وتساقط غبار من السقف الحجري. ضمت ماريا الصليب الصغير المعلق في عنقها وهمست بصلاة لم يسمعها أحد. أما ميخائيل، فكان ينظر إلى أخته. "سنموت؟" ركعت إيلينا أمامه رغم ضيق المكان. وضعت يديها على كتفيه. وأجبرته على النظر إليها. إيلينا: "انظر إليّ." رفع عينيه إليها. **"لن أسمح لأي شيء أن يحدث لك." هز رأسه ببطء، وكأنه صدقها. رغم أنها لم تكن متأكدة من صحة كلماتها. مرت الدقائق ببطء شديد. كل انفجار كان يجعل القلوب تقفز من أماكنها. ثم... ساد الصمت. صمت غريب. لم يعد يُسمع سوى صوت الريح. تبادل الناس النظرات. فتح أحد الرجال باب الملجأ بحذر. خرج أولًا. رفع رأسه نحو السماء. ثم قال بصوت خافت: "لقد رحلوا..." خرج الجميع بحذر. لكن فيرينوفا... لم تعد فيرينوفا. تصاعد الدخان من عدة منازل. وانهار سقف المخبز. واحترقت الحظيرة القريبة من النهر. وقفت إيلينا في مكانها. لم تستطع الكلام. شعرت بأن الحرب دخلت قريتهم أخيرًا. وأعلنت أنها لن تغادر بسهولة. عادوا إلى المنزل مع أول خيوط الفجر. كان الباب مخلوعًا، وإحدى النوافذ تحطمت، لكن المنزل بقي صامدًا. أشعلت إيلينا المصباح الزيتي. ساعدت والدتها على الجلوس. ثم غطت أخاها ببطانية حتى غلبه النوم من شدة التعب. أما هي... فلم تستطع النوم. جلست قرب النافذة المكسورة. كانت الغابة مغطاة بالثلج، ساكنة على غير عادتها. أغمضت عينيها للحظة. ثم... سمعت صوتًا. خفيفًا جدًا. كأن شخصًا يتألم. فتحت عينيها. أنصتت. عاد الصوت مرة أخرى. أنين... قادم من جهة الغابة. وقفت ببطء. رفعت الفانوس الزيتي. لاحظت الجدة حركتها. كاتارينا: "إلى أين؟" همست إيلينا دون أن ترفع عينيها عن النافذة: "هناك أحد في الخارج." تنهدت الجدة. ثم قالت بصوت منخفض يحمل خبرة سنوات طويلة: "في زمن الحرب... لا تثقي بكل من يطلب النجدة." بقيت إيلينا صامتة. لكن الأنين تكرر مرة أخرى... هذه المرة كان أضعف. وأكثر ألمًا. قبضت على مقبض الباب. ثم فتحته ببطء. خرجت إلى الليل... دون أن تدري أن الخطوة التالية ستغيّر حياتها إلى الأبد.ظلت إيلينا تحدق في الشابة الواقفة أمام الباب وكأنها لا تصدق ما تراه. تسللت أشعة الصباح الباهتة عبر الغيوم، وانعكست فوق الثلج المتراكم أمام المنزل، بينما كانت أنفاس آنا تتصاعد بخفة من شدة البرد. ابتسمت آنا وهي ترفع حاجبيها. آنا: هل ستبقين تنظرين إلي هكذا؟ أم نسيتِ صديقتك؟ رمشت إيلينا عدة مرات. ثم اندفعت نحوها فجأة. إيلينا: آنا! احتضنتها بقوة حتى كادت الحقيبة تسقط من كتفها. ضحكت آنا. آنا: مهلاً... ستكسرين أضلعي. ابتعدت إيلينا قليلًا وهي تبتسم لأول مرة منذ أيام. إيلينا: ظننت أنك لن تعودي قبل الربيع. آنا: وأنا ظننت أنك ستستقبلينني بابتسامة لا بعينين مليئتين بالدموع. ضحكتا معًا. وقفت ماريا تراقبهما وهي تبتسم براحة. أما كاتارينا، فاكتفت بالنظر إليهما بصمت، ثم أغلقت الباب بسرعة حتى لا يدخل هواء الشتاء إلى المنزل. داخل البيت، كانت المدفأة تشتعل بهدوء، ورائحة الحطب المحترق تمتزج برائحة الخبز الذي أعدته ماريا في الصباح. خلعت آنا معطفها الثقيل ونفضت عنه الثلج. ماريا: اقتربي من النار، لا بد أنك تجمدت في الطريق. آنا: الطريق كان أطول مما توقعت... والثلوج ازدادت هذا العام. ناولته
تحرك مقبض الباب ببطء...ثم انفتح.اندفع هواء بارد إلى داخل الطاحونة، فتراقصت ذرات الغبار في ضوء الفانوس الذي يحمله أول جندي.ارتطمت خطواتهم بالأرضية الخشبية، فارتد صداها في أرجاء المبنى المهجور. كانت الأعمدة الحجرية الضخمة تلقي ظلالًا طويلة، بينما ظل الطابق العلوي غارقًا في العتمة.لم يتحرك أحد.كان إريك يقف خلف أحد الأعمدة، ممسكًا بمسدسه دون أن يوجهه نحو أحد. إلى جواره انحنت إيلينا وهي تحبس أنفاسها، أما أندريه فاختبأ خلف أكوام الأكياس القديمة، وبندقيته مثبتة نحو المدخل.دخل الجندي الأول.ثم الثاني.ثم الضابط.وقف الضابط في منتصف الطاحونة وأدار فانوسه ببطء.توقف الضوء على البراميل...ثم على العجلة الخشبية...ثم ارتفع نحو السقف.قال بصوت منخفض:الضابط: لا بد أنهم مروا من هنا.انحنى أحد الجنود فوق الأرض.الجندي: سيدي... الآثار واضحة.اقترب الضابط.الضابط: كم عددهم؟تفحص الجندي الثلج الذي دخل مع الريح عند العتبة.الجندي: اثنان...ثم توقف.قطب حاجبيه.الجندي: لا...ثلاثة.تبادل إيلينا وإريك نظرة سريعة.أما أندريه...فضغط على بندقيته حتى ابيضت مفاصل أصابعه.قال الضابط:الضابط: فتشوا المكان
ابتلعت الغابة خطاهما كما لو أنها أخفتهما عن العالم. كان الثلج يتساقط بخفة بين أشجار الصنوبر الشاهقة، فتنعكس خيوط ضوء القمر على الأرض البيضاء، وتمنح المكان هدوءًا مخادعًا. لم يكن يُسمع سوى صوت الريح وهي تمر بين الأغصان اليابسة، وصوت خطواتهما التي تغوص في الثلج الرطب ثم تختفي سريعًا تحت طبقة جديدة من البياض. سارت إيلينا في المقدمة، تمسك بيدها غصنًا طويلًا تزيح به الأغصان المنخفضة عن الطريق. كانت تعرف هذه الغابة منذ طفولتها، تعرف أين يضيق الممر، وأين توجد الصخور التي يخفيها الثلج. أما إريك... فكان يتبعها بخطوات أبطأ. جرحه لم يعد ينزف كما في الأيام الأولى، لكنه كان يشعر بوخز حاد كلما اضطر إلى رفع قدمه فوق كومة من الثلج. توقفت إيلينا فجأة. التفتت إليه. إيلينا: يؤلمك، أليس كذلك؟ ابتسم وكأنه اعتاد إخفاء الحقيقة. إريك: أقل مما تتوقعين. نظرت إلى آثار خطواته. كان أثر قدمه اليمنى أعمق من الأخرى. تنهدت. إيلينا: ما زلت تكذب بطريقة سيئة. رفع حاجبيه. إريك: وهل أصبحتِ خبيرة في اكتشاف الكذب؟ إيلينا: منذ أن دخلت حياتي... نعم. ضحك بخفة. إريك: يبدو أنني علمتك شيئًا. إيلينا: علمتني أن
مرّ أسبوع منذ آخر حملة تفتيش.لم تكن فيرينوفا قرية كبيرة، لكنها خلال أيام قليلة بدت وكأنها هرمت عشرات السنين. اختفت ضحكات الأطفال من الأزقة الضيقة، وأصبح الناس يغلقون أبوابهم قبل غروب الشمس بوقت طويل، فلا يُسمع بعد ذلك سوى صفير الريح وهي تتسلل بين البيوت الخشبية، أو نباح كلب بعيد يقطعه صمت ثقيل.كانت الثلوج قد غطّت كل شيء تقريبًا؛ الطرق، الأسوار، وحتى الأغصان اليابسة التي أحنت رؤوسها تحت ثقل البياض. وعلى أطراف القرية، وقفت أشجار الصنوبر شامخة كحراس صامتين يراقبون الحرب دون أن يستطيعوا إيقافها.أما داخل منزل عائلة بتروفا، فقد كان الدفء المتصاعد من الموقد هو الشيء الوحيد الذي يقاوم ذلك الشتاء القاسي. تصاعدت رائحة الحساء البسيط في الغرفة، بينما جلست ماريا تخيط معطف ميخائيل الممزق، وكانت كاتارينا تفرغ ما تبقى من الدقيق في وعاء خشبي وهي تحاول أن تخفي قلقها.أما إيلينا...فكانت تقف أمام النافذة، تحدق في الغابة التي وجدته فيها قبل أسبوع.ما زالت تتذكر تلك الليلة.الثلج...الدم...وذلك الرجل الذي رفع مسدسه نحوها وهو بالكاد يستطيع الوقوف.سمعت حركة خلفها.استدارت.كان إريك يحاول الوقوف دون أن






Ulasan-ulasan