Masukعادت ليان إلى الصف بخطوات سريعة حاولت جاهدًا أن تبدو طبيعية، لكن التوتر الذي كان يملأ صدرها جعل أنفاسها غير منتظمة قليلًا، وكأنها كانت تهرب من شيء لا تستطيع حتى أن تمنح له اسمًا واضحًا، فكل ما حدث بينها وبين الأستاذ تيم قبل دقائق بدا عاديًا ظاهريًا، مجرد حديث قصير في أحد ممرات المدرسة، ومع ذلك لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي ظل عالقًا داخلها منذ ابتعدت عنه.
جلست في مكانها قرب النافذة، ثم وضعت كتبها على الطاولة بسرعة قبل أن تخفض رأسها وكأنها تحاول الاختباء داخل نفسها، بينما كانت أصوات الطلاب من حولها تمتزج بضجيج المراوح القديمة وحديث الفتيات في الخلف، إلا أن كل ذلك بدا بعيدًا عنها بشكل غريب، وكأنها معزولة خلف جدار زجاجي لا يسمح لأي شيء بالوصول إليها. حاولت إقناع نفسها بأنها تبالغ فقط، وأن ما تشعر به ليس إلا نتيجة التوتر الذي تعيشه منذ فترة بسبب مضايقات زياد ورفاقه، لكن عقلها كان يعود رغمًا عنها إلى نظرة تيم الأخيرة، إلى الطريقة التي ثبت عينيه بها عليها وكأنه يحاول قراءة شيء داخلها لا تريده أن يراه. تنهدت بهدوء وهي تخرج هاتفها للحظة، ثم نظرت إلى آخر محادثة بينها وبين مهرة، فشعرت بوخزة صغيرة من الاشتياق والضيق معًا. كانت مهرة غائبة عن المدرسة اليوم أيضًا بسبب مرضها، ووجودها وحده كان كافيًا عادة ليمنح ليان شعورًا بالأمان وسط هذا المكان الذي لم تستطع يومًا التأقلم معه بالكامل، أما الآن، فقد أصبحت تشعر بوحدة خانقة تلتف حولها تدريجيًا كلما مرت الساعات. أغلقت الهاتف ببطء وهي تهمس داخلها: "أتمنى أن تعودي بسرعة…" لأنها، ولأول مرة منذ مدة طويلة، بدأت تشعر بالخوف فعلًا. الخوف من المدرسة. الخوف من نظرات بعض الطلاب. والخوف من ذلك الإحساس الغامض الذي يراودها كلما اقترب الأستاذ تيم منها أكثر مما ينبغي. بدأت الحصة الأولى، ثم الثانية بعدها، واستمرت الساعات تمر ببطء ممل كعادتها، بينما حاولت ليان أن تركز في الشرح وتدون ملاحظاتها حتى تبقي عقلها منشغلًا بأي شيء آخر، إلا أن ذهنها كان شاردًا أغلب الوقت، يتنقل بين أفكار متعبة لا تعرف كيف توقفها. حتى عندما دخل تيم إلى الصف لإعطاء حصته، شعرت بتوتر واضح يجتاحها فورًا. حاولت ألا تنظر نحوه كثيرًا، وأبقت عينيها مثبتتين على دفترها طوال الحصة تقريبًا، لكنها كانت تدرك نظراته التي تتوقف عليها بين الحين والآخر، تدركها بطريقة جعلتها أكثر ارتباكًا دون أن تفهم لماذا. أما هو، فكان يشرح كالمعتاد أمام الطلاب بنبرته الهادئة الواثقة، وكأن شيئًا لم يحدث بينهما في الصباح، لكن عينيه كانتا تعودان إليها باستمرار بشكل لا إرادي، يراقب شحوب وجهها الخفيف وصمتها غير المعتاد، ولاحظ فورًا أنها تتجنب النظر إليه عمدًا. وذلك أزعجه أكثر مما توقع. …… انتهت الحصة أخيرًا، فغادر الصف بهدوء بينما بقيت ليان مكانها للحظات طويلة تحاول استعادة أنفاسها، قبل أن يعلن الجرس بداية وقت الاستراحة. ساد الصف ضجيج مفاجئ، وبدأ الطلاب بالخروج جماعات وهم يتحدثون ويضحكون، أما هي فانتظرت قليلًا حتى فرغ المكان نسبيًا، ثم نهضت ببطء وهي تشعر بثقل غريب في رأسها. كانت بحاجة إلى شيء دافئ يهدئ هذا الاضطراب داخلها، أي شيء يخرجها من ذلك الشعور الخانق الذي ظل يرافقها منذ الصباح. لذلك قررت الذهاب إلى الكانتين لشراء كوبًا من القهوة. خرجت من الصف بهدوء، بينما كانت الممرات تعج بالطلاب، بعضهم يركض وبعضهم يقف في الزوايا يتبادل الأحاديث والضحكات العالية. أما هي فكانت تسير وحدها كعادتها، تضم سترتها حول جسدها بخفة وكأنها تحاول الاحتماء من شيء غير مرئي. وعلى الجانب الآخر من الممر، كانت هناك عيون تراقبها بصمت. زياد كان يقف قرب الدرج مع أفراد شلته، يحدق في ابتعادها بابتسامة ساخرة باردة، بينما قالت ضحى وهي تعقد ذراعيها: "يبدو أن الأستاذ البطل لن يكون معها هذه المرة." ضحك حمزة بخفة: "من كان يظن أن الآنسة المثالية تخاف بهذه السهولة؟" أشاح زياد نظره نحو ليان التي كانت تبتعد باتجاه الكانتين، ثم قال بصوت منخفض يحمل نية سيئة واضحة: "هذا أفضل وقت." ابتسمت آلاء ببطء، وكأن فكرة ما بدأت تتشكل داخل رأسها، ثم قالت: "لنرَ إن كانت تعرف فعلًا كيف تدافع عن نفسها." في تلك الأثناء، كانت ليان تقترب من الكانتين دون أن تدرك شيئًا مما يُحاك خلفها.وفي الوقت نفسه، كان تيم قد وصل إلى المدرسة في موعده المعتاد، يسير عبر الممرات بخطوات هادئة وواثقة وهو يحمل حقيبته الجلدية وملفات الدروس التي أعدها لطلابه لذلك اليوم. وبالنسبة لأي شخص يراه من بعيد، لم يكن يبدو سوى معلم كيمياء طبيعي يستعد لقضاء يوم دراسي عادي بين الحصص والواجبات والأسئلة العلمية التي اعتاد الإجابة عنها يوميًا. لم يكن في مظهره ما يثير الشكوك ولا في طريقة سيره ولا حتى في تعابير وجهه الهادئة التي أتقن ارتداءها كقناع دائم. لكن ما إن اقترب من جناح الفصول الدراسية حتى شعر بأن الأجواء مختلفة عن المعتاد. كان هناك توتر واضح يملأ المكان. همسات خافتة تنتقل بين الطلاب. ومجموعات صغيرة متفرقة تتبادل الأحاديث بقلق. ووجوه شاحبة تحمل مزيجًا من الخوف والحيرة. عقد حاجبيه قليلًا وكأنه يحاول فهم ما يحدث، رغم أنه كان يعرف الحقيقة أكثر من أي شخص آخر في ذلك المبنى. وعندما وصل إلى الصف الذي سيقدم فيه حصته الأولى، وقع بصره على مهرة الجالسة في أحد المقاعد الأمامية. بدت مختلفة تمامًا عن المعتاد. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ووجهها شاحبًا بصورة مؤلمة، وكأنها لم تنم بالأمس. توقف
لم يكد صوت الباب الخارجي يتلاشى في أرجاء المنزل ويختفي تمامًا خلف الجدران الساكنة، حتى بقيت ليان جالسة فوق سريرها لعدة دقائق طويلة دون أن تحرك ساكنًا، وكأنها كانت ترفض تصديق أن تيم قد غادر بالفعل، أو ربما كانت تنتظر سماع أي صوت عابر، أي حركة بسيطة، أو حتى أدنى إشارة توحي بأنه ما يزال موجودًا في مكان ما داخل المنزل. فمنذ احتجازها، أصبحت شديدة الحذر إلى درجة أنها لم تعد تثق حتى بالصمت نفسه، إذ كان هذا المكان بأكمله يبدو لها وكأنه مصيدة محكمة الإغلاق، فخ هائل يتربص بكل خطوة تخطوها وينتظر منها خطأً واحدًا فقط كي يسحق آخر ما تبقى من محاولاتها للنجاة. حبست أنفاسها وأرهفت سمعها بكل ما تملك من تركيز. مرّت لحظات ثقيلة لم تسمع خلالها سوى صوت نبضات قلبها. لا وقع أقدام يقترب. ولا صوت أبواب تُفتح أو تُغلق. ولا أي حركة تدل على وجود شخص آخر داخل المنزل. وعندما تأكدت أخيرًا من أنها وحدها تمامًا، بدأت نبضات قلبها تتسارع بوتيرة مختلفة. لم يكن ذلك التسارع نابعًا من الخوف هذه المرة، بل من شعور آخر أكثر قوة وأشد إلحاحًا، شعور كانت تتشبث به منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها ذلك الصباح. الأمل. ذلك
بقيت ليان مستلقية فوق السرير حتى بعد أن أغلق تيم الباب خلفه وغادر الغرفة، وكأن جسدها فقد القدرة على الحركة تمامًا، بينما كانت الدموع تنساب على خديها بلا توقف، متتابعة ومتواصلة كأنها تحاول أن تغسل عنها كل الخوف والصدمة والرعب الذين تراكموا داخلها منذ اللحظة التي استعادت فيها وعيها ووجدت نفسها فجأة في ذلك المكان المجهول البعيد عن كل ما تعرفه.كانت تبكي بحرقة حتى بدأت عيناها تؤلمانها من شدة الإجهاد، وحتى صار صدرها يضيق مع كل شهقة تخرج منها، لكن رغم الألم ورغم الإرهاق لم تستطع التوقف، لأن كل محاولة منها للهدوء كانت تصطدم بالحقيقة ذاتها.الحقيقة التي كانت تعود إليها في كل مرة كطعنة جديدة.هي ليست في منزلها.ليست بين أفراد عائلتها.ولا أحد يعلم أين اختفت أو ماذا حدث لها.وكانت تلك الأفكار وحدها كافية لتحطم أي محاولة للتماسك أو التفكير بعقلانية.مر وقت طويل وهي على تلك الحال، لا تسمع سوى صوت بكائها وأنفاسها المتقطعة، قبل أن يخترق الصمت أخيرًا صوت الباب وهو يُفتح من جديد.في اللحظة نفسها انتفض جسدها بعنف، ورفعت رأسها بسرعة وقد عاد الخوف يسيطر عليها بالكامل، وما إن وقعت عيناها على تيم وهو يدخل
ظل تيم واقفًا في مكانه للحظات بعد انهيار ليان بالبكاء، بينما كانت كلماتها الغاضبة وصرخاتها المرتجفة ما تزال تتردد داخل الغرفة كصدى ثقيل يضغط على أعصابه، إلا أنه أجبر نفسه على التزام الهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يمرر يده على وجهه بإرهاق واضح، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية رغم التوتر الذي يملأ الأجواء: "دعينا من كل هذه الأسئلة الآن... يمكنكِ أن تسألي ما تشائين لاحقًا." حدقت فيه غير مصدقة. أما هو فأشار إلى صينية الطعام الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة. "هيا، تناولي شيئًا. لا بد أنكِ جائعة." كانت الدموع تملأ عينيها ونظرتها إليه لم تحمل سوى الذهول والخوف. في تلك اللحظة بدا لها وكأنه فقد صلته بالواقع تمامًا. كيف يمكن لشخص أن يختطفها من حياتها، ويقيدها داخل غرفة مجهولة، ثم يتحدث عن الطعام وكأنهما زوجان يقضيان مساءً عاديًا داخل منزلهما؟ كيف يستطيع التصرف بهذه البساطة بينما عالمها كله ينهار؟ شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أما تيم فاقترب من الطاولة الصغيرة وأخذ الطبق بين يديه. "كفاكِ عنادًا يا ليان." قالها بهدوء، ثم أضاف: "إذا لم تأكلي ستتعبين." لم ترد، بل استمرت في النظر إليه بن
ثم تابع تيم: "كان الجميع يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بينما كنت أنا أحسب أيامي بناءً على وجودك فيها. إذا رأيتكِ بخير كان يومي جيدًا، وإذا بدوتِ حزينة كنت أبقى أفكر بسبب ذلك ساعات طويلة." هزت ليان رأسها بعدم تصديق: "هذا ليس طبيعيًا." تنهد ببطء. "ربما." ثم مال قليلًا إلى الأمام. "لكن ما شعرت به لم يكن طبيعيًا أبدًا." ارتجفت أصابع ليان. وأكمل هو: "كنت أرى الناس يتحدثون إليكِ وكأن ذلك أمر عادي، بينما كنت أشعر أن لا أحد يفهمكِ كما أفعل، ولا أحد يلاحظ التفاصيل التي ألاحظها." "أنت لا تعرفني أصلًا." صرخت به. لكن تيم ابتسم ابتسامة باهتة. "أعرف أنكِ عندما تكونين متوترة تعبثين بخاتمك أو بأطراف دفترك." تجمدت ليان. "وأعرف أنكِ عندما تحاولين إخفاء حزنكِ تبتسمين أكثر من المعتاد." اتسعت عيناها أكثر. "وأعرف أنكِ عندما تفكرين بعمق تنظرين إلى النافذة حتى لو لم يكن هناك شيء يستحق النظر." شعرت ليان بأن أنفاسها تتعثر. أما هو فأكمل وكأنه يسترجع ذكريات عزيزة عليه. "كنت ألاحظ كل شيء، أنا أعرفكِ أكثر من أي شخص آخر، وحتى أكثر من نفسك." "توقف." همست بها. لكنه تابع: "هل تعرفين ما كان يؤلمني أكثر م
وقف تيم لعدة ثوانٍ في مكانه بينما كانت ليان تحدق إليه بعينين متسعتين من الصدمة وعدم التصديق، وكأن عقلها يرفض بصورة غريزية الاعتراف بأن الشخص الواقف أمامها هو نفسه الرجل الذي عرفته طوال الأشهر الماضية داخل المدرسة؛ ذلك المعلم الهادئ والمتزن الذي كان يساعدها دائمًا، لذلك بدا وجوده الآن داخل هذه الغرفة الغريبة، بينما هي مقيدة اليدين والقدمين، أمرًا يفوق قدرتها على الفهم والاستيعاب. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وحذرة، كما لو كان يخشى أن يؤدي أي تصرف مفاجئ إلى زيادة رعبها، ثم انحنى قليلًا ووضع صينية الطعام فوق طاولة صغيرة بجانب السرير، قبل أن يرفع نظره إليها من جديد. أما ليان فكانت تتنفس بسرعة واضحة، بينما راحت دموعها تتجمع في عينيها دون أن تشعر. قالت بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها: "ماذا... ماذا يحدث هنا؟" لم يجبها فورًا. ظل واقفًا لثوانٍ طويلة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم قال بهدوء غريب: "أعلم أنكِ خائفة الآن... وأعلم أنكِ لا تفهمين شيئًا مما يحدث." شهقت ليان وهي تنظر إليه. "بالطبع لا أفهم! لماذا أنا هنا؟ لماذا فعلت هذا؟ ولماذا أنا مقيدة؟" ارتفع صوتها مع كل سؤال حتى تحولت
في أحد الأحياء الهادئة من المدينة، حيث تتشابك تفاصيل الحياة اليومية مع نسيم الصباحات الدافئة، كانت الأيام تمضي بإيقاع بسيط، لا صخب فيه ولا استعجال. هناك، كانت الشمس تشرق برفق، كأنها تعرف سكان هذا الحي جيدًا، فتختار أن توقظهم على مهل، لا على عجل. في ذلك المكان تحديدًا، كانت تعيش عائلة ليان… عائلة
عادت ليان إلى المنزل عند المساء، لكن خطواتها بدت أثقل من أن تحملها قدماها فعلًا. فمنذ خروجها من المستشفى وحتى وصولها، لم تنطق بكلمة واحدة تقريبًا، وكأن الصدمة سحبت منها القدرة على التفكير أو الحديث أو حتى الإحساس بما يدور حولها. كان المنزل هادئًا بصورة غريبة، هدوء لا يشبه دفء الليالي المعتادة، بل
حين اقتربت الساعة من العاشرة مساءً، كان المنزل قد امتلأ بذلك الهدوء الدافئ الذي يأتي دائمًا بعد يوم طويل مليء بالضحك والحركة والأحاديث المتواصلة، حتى إن ليان شعرت للمرة الأولى منذ أسابيع أن صدرها أصبح أخف قليلًا، وكأن الضغوط التي تراكمت فوقها خلال الفترة الماضية بدأت تتراجع أخيرًا ولو بشكل مؤقت.فط
وبعد فترة قصيرة، ظهرت ليان أخيرًا على الشاشة.دخلت غرفتها وهي تبدو أكثر ارتياحًا بعدما عادت إلى المنزل، ثم أخذت بعض الملابس واختفت نحو الحمام.ظل تيم يراقب الباب الفارغ حتى عادت مجددًا بشعر مبلل وملابس منزلية مريحة، قبل أن ترتب بعض الأشياء بسرعة وتخرج من الغرفة مرة أخرى.وهنا شعر بانزعاج أشد.بالطب







