LOGIN8
1985 العشرين من نوفمبر أوريلو/تكساس الأحلام مقبرة الواقع. كنتُ منتشية هذا اليوم، لأنني وقفت أتبادل الابتسامات والنظرات مع مارت، ألطف صبي في المدرسة وبشهادة الجميع. ديفيد هو الحلم الأمريكي لكل فتاة في المدرسة، لكن ولا واحدة منهن آتت لها الجرأة لتحلم به خارج عقلها أو حتى خارج منزلها، أحيانا يخيل لي أن قبل أن تخرج أي طالبة في مدرسة أوستن العليا من بيتها تترك حلم مارت في غرفتها، كي لا يفضحها أي شيء يخطر في عقلها عنه. مارت وسيم ليس الوسامة المنفرة التي تنفر منها الفتيات، وليس الجمال الذي يناسب الفتيات أكثر من الفتيان، بل مارت وسيم ببشرته البيضاء وشعره الأسود وعيناه الخضراء القاتمة بحدقتها السوداء، تلك الوسامة الرجولية التي تخدش المشاعر والتصرفات التي تناسب رجل لا صبي، الثياب البسيطة لا المتأنقة كثيرة الألوان التي تجعل العين تصاب بالانزعاج، الرائحة الجيدة التي تنبعث منه كلما مر بجانبي، تفوقه الدراسي والرياضي وحرصه ألا يدخل في أي مشاكل أو فضيحة، استعداده الدائم للمساعدة، إنه ليس غريب الأطوار ولكنه أيضًا ليس مهرج. باختصار مارت هو الحلم في مدرسة أوستن العليا لسنة 85، لكنه لا يبدو مهتمًا بأي فتاة، أو لا يبدو مهتمًا بفتاة لدرجة أن يغازلها أو يطلب منها موعدًا، وبطبيعة الحال لم أكن أهتم لأن مستقبل أي علاقة معه هو الفشل، ربما ديفيد ليس فقيرًا لكنه أيضًا ليس ثري، هو من الطبقة الوسطى، يملك المال ولديه سيارة لطيفة ووالده طبيب ووالدته محامية لكنهم ليس أثرياء وغير مستعد أن يتولى مهمة خروجي من حياتي البائسة. ربما أفضل ما في مارت أنه حلم، أنني أحيانا أتخيل أنني من ذات الطبقة الذي ينتمي إليها، وأننا معجبان ببعضنا كثيرًا ونتواعد، وأننا نرتب للذهاب لنفس الجامعة وربما سوف نتزوج بعدها، ولدينا أفضل علاقة عاطفية في العالم. حلم جميل، لكنني أفيق في النهاية، أنا لا أريد الذهاب إلي الجامعة، ولا أريد حياة متوسطة، لكن هذا لم يمنع أنني انتشيت حين بادلني الابتسام وأثرت حسد كل فتاة كانت تقف في الرواق بين الصفوف، وغيظهم وهم يشاهدوا يقترب مني يتحدث لي، يلقي علىَّ تحية هادئة لطيفة بصوته الذكوري الذي يداعب العقل. "أريد أن أسألكِ عن شيئا ما، أنتِ قريبة من آريل، وكنت أريد أن أعرف إن كانت تملك صديق أو شيئا من هذا؟" دلو بارد قد سكب على انتشائي، كان لطيف كفاية ليبتسم في وجهي قبل أن يأتي ويسألني عما يريد، وتحول انتشائي لرغبة مميتة في الضحك، لقد كنت أصارح نفسي بأنه الحلم لكنه ليس حلمي، وأظنه متفق معي على هذا. "على حد علمي أنها ليس لديها، يجب أن تسألها بنفسك، لا أظنها سوف تمانع جلوسك بجانبها في أتوبيس المدرسة أثناء العودة أبدًا." "سوف أفعل ذلك، شكرًا لورين." قالها ولوح لي مبتعدًا بابتسامة اللطيفة. استدرت أضع أشيائي في الخزانة قبل أن أذهب لصف الرياضة، كانت هذه من اللحظات التي لا تتكرر كثيرًا، لحظات أترك مشاعري الأنثوية تسيطر تمامًا عليَّ، أريد أن أواعد كأي فتاة ولا أفكر أنه عليّ أن أختار من سوف يخرجني من حياتي دون أي اعتبارات أخري، لستُ رومانسية لكنني في بضع لحظات أريد أن أكون مجرد فتاة رومانسية سخيفة، المشاعر ضلع مهم في الحياة كي نستطيع تحمل وعكتها لكن ليس في كل حياة، وحياتي بالتأكيد لا تنقصها اضطراب المشاعر، لذا أحرص ألا تتكرر تلك اللحظات من الضعف مرة أخرى. "ما رأيكِ أن نذهب سويًا لتناول المثلجات في ساحة بارك توين." بينما أهم بإغلاق الخزانة سمعت صوت آتي من خلفي، صوت عصبي وحاد عكس ما يتفوه به. أغلقت الخزانة بسرعة ونظرت بعيون متسعة وابتسامة بلهاء على محي. "جيري؟!" هززت رأسي كأنني أوقظها: "أنا لورين، لا كاثرين، لا أعتقد أننا متشابهتان لهذه الدرجة المُربكة لك." جيري هو المعجب العلني والأبدي لشقيقتي، وكاثرين لا تتوارى عن استغلال ذلك لمصلحتها، لا أتذكر كم عدد الواجبات التي كتبها جيري لها، وكم الأشياء التي ابتاعها وكم المرات التي جعلته يدعوها للسينما والمطاعم الغالية، مع علمه التام بأنها تستغله لكنه لم يعترض يومًا أو حتى يرفض طلباتها، لكن اليوم يأتي كي يطلب الخروج معي، فذلك يعني أنه حدث شيئا كبيرًا. "ما الذي حدث مع كاثرين؟" تجاهلت طلبه الأحمق متسائلة. "لورين..." قبل أن يتابع حديثه الأحمق منحته نظرة نافذة للصبر، فأذعن بتمتمة مغتاظة. "شقيقتكِ غادرت بعد الصف الأول، والآن جاكسون تراميل يعيدها بسيارته وتتبادل معه القبلات في الساحة الخارجية للمدرسة." "ماذا؟! يا ألهي كاثرين، أيتها الحمقاء." أغلقت الخزانة واستدرت مسرعة نحو الباب. "يجب أن أذهب إليها قبل أن تفعل ما سوف يتسبب بفصلها." لم أهتم بإجابته ولا بعرضه الذي كان يفكر أنه سوف يجعلها كاثرين تشعر بالغيرة! مني! شقيقتها ولأجله! في الخارج كانت كاثرين تتبادل القبلات مع جاكسون أمام جماعته الذين يتمركزون حول سيارته الحمراء المكشوفة، يحاولون مغازلة فتيات المدرسة العليا. ابتعدت عنه أخيرًا، تلتصق به وتهمس في أذنه بكلمات وهو تلمس صدره!، في ساحة المدرسة وأمام الجمي، والسيء أن عيناه كانت مثبت تجاهي، كنت على وشك مواجهتها وجذبها كي تسير معي للداخل، لكنني توقفت في منتصف الطريق غير راغبة في أثارة عرض أمام الجميع لأن شقيقتي الغبية لن تعود معي طواعية. رأتني ولكنها بقَيت لدقيقتين قبل أن تتحرك هي وثلاثة فتيات أخريات كانوا يحومون حول السيارة، ابتعدت معهن نحو المنطقة الغربية من الساحة، والتي أعرف أنها مجلسهن لتدخين سيجارة أو الثرثرة. عاد نظري نحو جماعة جاكسون الذي يستعدون للمغادرة، لكنه وقف ينظر نحوي دون أن تتحرك عيناه. "لازلتِ لا تريدين الخروج معي؟" نطقها بشفتيه واستطعت فهمها، لَم أبدي أي ردة فعل، فرفع يده وهز كتفيه بابتسامة لم تُريحني وشفتاه تتحرك ببطء لتشكل ثلاث كلمات. "حسنًا، لدي طريقة." جاكسون لن يملَّ، المدللين اعتادوا أن يحصلوا على كل ما يرغبون حينما يرغبون، والتمنع لا يزيدهم إلا رغبة، المطاردة ممتعة. جاكسون وجماعته هم حفنة من المشكلات، لما لا تستطيع كاثرين رؤية ذلك؟ "كاثرين." صرخت عليها قبل حتى أن أصل إليها وصديقاتها. "أريد أن أتحدث معكِ." كانت تعرف ما أريد أن أتحدث بشأنه ولكنها لم تهتم، لم تكن لتسمع حتى لو عادت أمي لتخبرها، لم يكن أحد قادر على جعلها تسمع ما لا توده.1986السادسة والعشرين من يونيوأوريلو/ أوستن مدرسة أوريلو العلياحفل التخرجكانت الصالة الرياضية لمدرسة "أوستن العليا" مغطاة بالكامل بأشرطة الزينة الزرقاء والبيضاء، والبالونات المتأرجحة في السقف بفعل الهواء، مرايا الضخمة المعلقة في الزوايا. صوت الموسيقى الراقصة لفرقة "دوران دوران" كان يملأ الأرجاء، ممزوجًا بضحكات عشرات الطلاب وعائلاتهم الذين تكدسوا فوق المقاعد الخشبية المرتفعة. كان الجميع يبتسم، ويلتقط الصور التذكارية بكاميرات البولارويد التي تطلق وميضًا خاطفًا كل بضع ثوانٍ. الكل كان يحتفل ببداية حياته الجديدة، إلا أنا؛ كنتُ أقف في ركن مظلم بجوار الباب الجانبي، مرتدية عباءة التخرج الزرقاء الفاخرة التي لم تفلح في إخفاء الفستان الأبيض الحريري الطويل الذي اشتريتُه قبل يومين من متاجر أوستن الفاخرة باستخدام بطاقة جاكسون الائتمانية.أمسكتُ بقبعتي المربعة بين يديَّ، وأصابعي تضغط على حوافها بقسوة جعلت أظافري تغرس في الكرتون المقوى. طوال الساعتين الماضيتين، كنتُ أشبه بجدار عازل يتحرك وسط الحشد. لم يقترب مني أحد، ولم يجرؤ أحد على تهنئتي؛ كانت نظرات الخوف وعدم الفهم تلاحقني من بعيد، والهمسا
لهذا السبب قررت ما عليه فعله، قبل أن يستقبلني السائق في السيارة الفارهة ليعيدني إلى المزرعة، مشيتُ بخطوات سريعة نحو زاوية منسية في الشارع الخلفي للمحطة، حيث يقع بنك "تكساس التجاري الصغير" مبنى طوبي قديم تفوح منه رائحة الأوراق المصفرة وعفن الخشب، مكان لا يرتاده سوى المزارعين والعمال البسيطين، وبعيد تمامًا عن أعين محاسبي هريسون تراميل. جلستُ أمام موظف البنك العجوز الذي كان يضع نظارته الطبية على طرف أنفه ويتحرك ببطء شديد. أخرجتُ من حقيبتي الأوراق النقدية؛ خمسمائة دولار كاملة، وهي أول دفعة استطعتُ اختلاسها بذكاء من الأموال التي منحتني إياها ليا تراميل لشراء أشياء جديد لي. كانت الأوراق النقدية الخضراء تفوح برائحة قصرهم، لكنها الآن ستتحول إلى نواتي الأولى للحرية. سألني الموظف وهو يفتح دفتر الحسابات الضخم ببرود تام: "الاسم الكامل لفتح الحساب يا أنسة؟" نظرتُ إلى النافذة المغبرة، وتذكرتُ أن لورين كيتري سوف تصبح قريبًا لورين تراميل، طوقًا حديديًا سيربطني بالرجل الذي دمر أختي. سحقتُ تأنيب الضمير في صدري، وقلتُ له بصوت حاسم وجاف "لورين ماكين." منحته اسم أمي، أخيرًا منحتني شيء قد أستفاد يه
مشيتُ مبتعدة عنها نحو الممر الداخلي المؤدي للمخزن. دخلت الغرفة الخلفية المظلمة حيث كنا نكدس صناديق الأقمشة وبقايا الأكسسورات، الأثواب ذات العيوب. لمستُ الطاولة الخشبية الخشنة بأصابعي، وتأملتُ الزاوية التي كنا أجلس فيها أنا وكاثرين مع آريل نرتدي الأثواب ونتخيل أننا فتيات أخريات في أماكن أخرى. شعرتُ بكتمة في صدري؛ كنتُ أودع هذا المكان، أودع لورين القديمة، الفتاة الفقيرة البائسة التي كانت تبيغ الثياب الأثرياء لتكسب دولارات معدودة. الآن سأرتدي أفخر الثياب، لكنني سأدفع روحي ثمنًا لها. استغرقتُ دقائق طويلة في تأمل كل ركن، كأنني أحفر تفاصيل ماضيَّ في ذاكرتي قبل أن يمحوه القادم. عندما خرجتُ مجددًا إلى صالة المتجر الرئيسية، تجمدت الدماء في عروقي. كان هناك شخص آخر يقف بجوار آريل عند واجهة المحل الزجاجية. كان مارت! الصبي الرياضي الوسيم، ألطف صبي في المدرسة، الشاب الذي خضتُ معه تلك القبلات الحارة والمندفعة في سيارته الموستانج كوسيلة لتخدير عقلي من الخوف في الليلتين الأوليين لاختفاء كاثرين. كان مارت يقف هناك، يرتدي سترته الرياضية الزرقاء والبيضاء، ويمسك بيد آريل بنعومة، وأصابعهما متش
ساد صمت مرعب في الباحة الخلفية، سقطت الحقيبة المدرسية من يد ديفيد على الأرض الترابية، وتراجعت خطوته خطوتين إلى الوراء كأنني مسختُ أمامه إلى وحش مشوه. تملكه الذهول التام، وعيناه تعكسان صدمة عاطفية ونفسية لم يستطع استيعابها. "لا تفعليها يا لورين.. أرجوكِ لا تفعلي ذلك." همس بصوت مكسور وممتلئ بالإدراك والألم، وتقدم نحوي مجددًا يمسك بذراعي بقوة يحاول زلزلتي للعدول على ما أنتويته. "هذا انتحار! سوف تتزوجين الشخص الذي دمر توأمكِ؟ كيف سوف تنظرين إلى وجهه كل صباح؟ كيف ستنامين في سرير واحد مع شيطان نهش أختكِ؟ هذا ليس إنقاذًا، هذا بيع لروحكِ! ارفضي هذا الاتفاق اللعين، يمكنكِ اكتشاف طريقة لمساعدة كاثرين، هناك مصحات خيرية ومتواضعة السعر، لكن لا تفعلي هذا بنفسكِ!" نظرتُ إلى يده الممسكة بذراعي ببرود، ثم رفعتُ عينيَّ لتلتقي بعينيه الممتلئتين بالدموع. شعرتُ بتأنيب الضمير يمزق أحشائي، وبأن الصراع الداخلي ينهش ما تبقى من عقلي، لكنني كنتُ أعلم يقينًا أن قرار النفعية قد اتُّخذ، وأنه لا مجال للتراجع. سحبتُ ذراعي من بين يديه ببطء وقسوة، وقلت له ببرود تام: "لقد وافقتُ يا ديفيد، والقرار أُخذ تمامًا
والآن مرت أربعة أشهر كاملة منذ أن وطئت قدمي أرض مزرعة آل تراميل الشاسعة في ضواحي هيوستن، تبدلت الفصول، الأيام والأسابيع والشهور؛ أربعة أشهر تحولتُ فيها من فتاة منبوذة في قاع "أوريلو" إلى أسيرة داخل قفص ذهبي غريب. طوال تلك الفترة، لم أكن أخرج من الجناح المخصص لي في المزرعة؛ كان جاكسون يحضر لي كل شيء إلى هناك عبر خدمه؛ الكتب، الملابس الفاخرة، الطعام الذي لم أكن أحلم برؤيته، وحتى المعلمين الخصوصيين الذين تولوا شرح ما فاتني من المنهج الدراسي لشهور الدراسة الأخيرة. لم يكن لي غطائي الاجتماعي، لم يحاول أحد حقًا البحث عني أو السؤال عني، الافتراض الدائم أنني مثل أمي هربت، ولكن تلك الشهور فرضت علينا العزلة التامة حتى تكتمل شروط اتفاقنا الصادم بالزواج الرسمي فور تخرجي لضمان نفقات علاج كاثرين مدى الحياة. جلكن اليوم، كان عليَّ الخروج ومواجهة العالم الحقيقي؛ اليوم بدأت امتحانات التخرج النهائية في مدرسة "أوستن العليا"، المكان الذي شهد بداية كل هذا الكابوس.وصلتني السيارة الفارهة التي أرسلها هريسون تراميل معي، لكنني رفضت أن تظهر أمام أى شخص، لا أحب إثارة شيء هنا عني. كانت المدرسة تبدو حية أكثر في
كنتُ في تلك اللحظة طماعة للغاية؛ طماعة في المال، الشهرة، واللجوء إلى القوة للخروج من مستنقع حياتي القديمة. كان هذا المشهد بالنسبة لي أشبه بفيلم كرتوني قديم سوف ينتهي بالنهاية السعيدة التقليدية لِلفتاة الفقيرة، عدا أن هذا الفيلم بالذات كان ملوثًا، قذرًا، ولا يصلح للأطفال أبدًا.كنتُ في تلك اللحظات العصيبة أفكر في نفسي ومستقبلي أكثر من أي شيء آخر في الكون؛ وأخرجني من تفكيري وعودي المتلاحقة كلمات والده الغاضبة وصمت والدته المطبق. كم هي السيدة ليا بحاجة ماسة لبقاء علاقتها سرًا؛ لأن معرفة زوجها بالأمر ستجعلها عرضة للابتزاز والطرد والحرمان من الثروة بشكل كبير جدًا، وهي تعرف أنني لن أتردد في التحدث. هززتُ رأسي بهدوء وثقة، فجعلتُ الأب يتوقف فورًا عند قوله لحلوله السخيفة والبديلة لضمان مالي، وهتفتُ بجملة هادئة، قصيرة ومسيطرِة تنهي الجدال:"وفر عليك العناء يا سيد تراميل؛ هذه هي الطريقة الوحيدة والشرعية للمرور من هذا الأمر بسلام، وإلا فميعادنا في مجلات المجتمع غدًا، ومن يعلم من سوف يتحدث بعدي عن أحداث مشابهة."الصمت الثقيل الذي حلَّ فجأة على أرجاء المكان جعلني واثقة تمامًا في موافقتهم وإذعانه
"ماذا تعني بالظبط؟!" قاطعته بنحيب مرتفع وصراخ مكتوم مزق هدوء الممر الموحش. واصل الطبيب كلامه مستطرداً ببرود طبي: "هي لا تتحدث الآن، وغير قادرة على نطق غير كلمات قليلة ومبهمة نتيجة أضرار بالغة في العصب السابع واضطراب حاد في وظائف النصف الأيسر من المخ، ولا تستطيع التعرف على أي شخص يحيط بها، حتى أن
هزّ الطبيب رأسه بأسى وألقى نظرة أخيرة على وجه شقيقتي الشاحب، وأدلى للممرضة بمجموعة من التعليمات المختصرة والمكتوبة، ثم أشار لي بيده نحو الخارج. ألقيتُ نظرة ألم أخيرة على شقيقتي قبل أن أغادر الغرفة متقدمة أمامه، ومن جديد، استقبلني ذلك الممر الموحش البارد. كانت حركات الطبيب متوترة وملحوظة، وقبضته تق
1985عشرزن من ديسمبر أوريلو/ تكساس بعد ذلك الحديث المقتضب والمبهم الذي دار بيني وبين الشريف، والذي لم أفهم منه أي شيء على الإطلاق، لم يكن الأمر غريباً؛ فليس وكأنه قال لي يوماً ما يمكن لعقلي أن يستوعبه أو يجد فيه تفسيراً منطقياً.كان الشريف في تلك اللحظات مضطرباً للغاية، يبتلع كلماته باختصار شديد،
اليوم الثامن مساءًا وعندما انقضى وقت العمل، عدتُ إلى جحيم المنزل الحقيقي، تجاوزتُ والدي الذي كان قابعًت في غرفة المعيشة، مغيبًا تمامًا عن الوعي وسط زجاجات الكحول الرخيص التي تملأ المكان برائحتها العفنة. دخلت إلى غرفتنا المشتركة، وأغلقتُ الباب لأجد نفسي وحيدة في مواجهة الفراغ. ارتميتُ على سري