تسجيل الدخولوفي تلك اللحظة، شعر جاسر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، فلم يعد يسمع شيئًا من الأصوات المحيطة به، ولم يعد يرى أمام عينيه سوى كلمات مدحت التي أخذت تتردد داخل رأسه بلا توقف. بينما تزاحمت الأسئلة بصورة جنونية في عقله؛ كيف عرف مكان الشقة؟ ومن الذي أوصله إليها؟ وهل وصل إليها بالفعل أم أنه يحاول فقط خداعه؟ وإذا كان يكذب، فكيف تمكن من معرفة عنوان المنزل؟ حتى شعر بأن أفكاره تتصادم مع بعضها بصورة أربكت قدرته على التفكير، بينما أخذ قلبه يخفق بعنف لم يعهده في نفسه من قبل. ورغم كل ذلك، حاول أن يتمسك بخيط رفيع من الأمل، فأخرج هاتفًا آخر كان بحوزته وضغط بسرعة على اسم رهف، من دون أن ينهي المكالمة مع مدحت، ثم رفع الهاتف إلى أذنه وهو ينتظر الرد بلهفة. لكن الرنين تكرر مرة تلو الأخرى، أولًا ثم ثانية ثم ثالثة، دون أن يجيبه أحد، فاتسعت عيناه أكثر، وأعاد الاتصال مرة أخرى، ثم ثالثة، وفي كل مرة كان يسمع الرنين ينتهي بصمت قاتل. حتى بدأت أنفاسه تتسارع بصورة لا إرادية، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بأن الخوف يشل قدرته على التفكير. أما في الطرف الآخر، فقد ظل مدحت ينصت إلى كل ما يحدث في صمت، قبل أن يطلق ضح
وفي الجهة الأخرى من المدينة، وقف جاسر وسط فريق التحقيق يتابع باهتمام بالغ كل تفصيل جديد ظهر في القضية. بعدما أمضى ساعات طويلة متنقلًا بين التقارير الرسمية وإفادات الشهود، يراجع كل كلمة ويقارن كل معلومة بأخرى، محاولًا أن يجمع القطع المتناثرة من اللغز الذي استنزف وقته وجهده طوال الفترة الماضية. حتى بدأ يشعر أن الدائرة أخذت تضيق شيئًا فشيئًا حول مدحت، وأن النهاية التي انتظرها الجميع بصبر باتت أقرب من أي وقت مضى، ولذلك كان تركيزه شديدًا إلى حد أنه لم ينتبه إلى الهاتف الموجود في جيبه إلا بعدما اهتز معلنًا وصول اتصال من رقم مجهول. أخرج الهاتف بسرعة ونظر إلى الشاشة لثوانٍ قصيرة قبل أن يعيده إلى جيبه دون أن يجيب، فهو كان يقف وسط اجتماع مهم يناقش فيه مع زملائه آخر التطورات التي توصلوا إليها. إلا أن الهاتف لم يمهله طويلًا، إذ عاد للاهتزاز مرة أخرى بإصرار أوحى بأن المتصل لا ينوي الاستسلام، فنظر إليه بضيق واضح، ليجد الرقم ذاته يعاود الاتصال. فتجاهله مجددًا محاولًا متابعة الحديث مع زملائه، غير أن الاتصال انقطع ليعود بعد ثوانٍ قليلة للمرة الثالثة، وكأن الشخص الموجود على الطرف الآخر قد عقد العز
احتاجت رهف إلى ثوانٍ فقط حتى استعاد عقلها صورته كاملة.كان خالد...الضابط الذي جاء إلى المستشفى قبل فترة للتحقيق معها ومع فهد، برفقة عدد من رجال الشرطة، والذي لم تستطع أن تنسى أسئلته الكثيرة ونظرته التي كانت تجعلها تشعر بعدم الارتياح، حتى بعد انتهاء التحقيق.ترددت للحظة قبل أن تفتح الباب، ثم اكتفت بالكلام من خلفه قائلة بحذر: "هل يمكنني مساعدتك بشيء؟"جاءها صوته هادئًا، لكنه يحمل نبرة رسمية لا تحتمل النقاش."مرحبًا... أنا خالد، ضابط الشرطة المسؤول عن التحقيق في قضية مدحت."ازدادت حيرتها، فأمسكت بمقبض الباب دون أن تفتحه."ماذا هناك؟"تنهد خالد وكأنه يحمل خبرًا ثقيلًا، ثم قال ببطء مدروس: "للأسف... أصيب فهد اليوم على يد أحد رجال مدحت."شعرت رهف بأن الكلمات ارتطمت بها بقوة حتى كادت تفقد توازنها.أما خالد فأكمل دون أن يمنحها فرصة لاستيعاب ما سمعته: "تم نقله إلى المستشفى، وحالته الآن حرجة."في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم كله توقف عن الحركة.اختفى كل ما حولها، ولم يبقَ في ذهنها سوى اسم واحد.فهد...تغير لون وجهها، واتسعت عيناها في ذهول، ثم فتحت الباب بسرعة دون أن تشعر بما تفعل، وقد بدأت الدمو
مرّت الأيام التالية على غير ما اعتاد الجميع، وكأن العاصفة التي ظلت تضرب حياتهم بلا رحمة قد هدأت مؤقتًا لتمنحهم فرصة قصيرة لالتقاط أنفاسهم.فلم تقع أي تطورات مفاجئة في القضية، ولم يظهر مدحت بأي تحرك يكشف مكانه، الأمر الذي جعل الهدوء يخيم على الأجواء، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن سوى ستار يخفي وراءه أحداثًا كانت تستعد للانفجار في أي لحظة.وخلال تلك الأيام، بدأت المسافة التي كانت تفصل بين جاسر ورهف تتلاشى شيئًا فشيئًا، وأصبحت الأحاديث بينهما أطول وأكثر دفئًا، وأخذ كل واحد منهما يكتشف جانبًا لم يكن يعرفه في الآخر.حتى بات وجود جاسر بالقرب منها يمنحها شعورًا بالأمان افتقدته منذ زمن طويل، بينما وجد هو نفسه يعتاد على وجودها في تفاصيل يومه الصغيرة.فيسأل عنها كلما تأخر في العودة، ويتأكد من أنها تناولت طعامها، ويحرص على ألا تشعر بأنها عبء عليه.أما في الجهة الأخرى، بعيدًا عن ذلك الهدوء الذي كان يزداد رسوخًا بينهما، فقد كانت خيوط لعبة مختلفة تُنسج في الظلام، حيث تواصل خالد مع مدحت أكثر من مرة خلال الأيام الماضية.يتبادلان التفاصيل بدقة شديدة، ويراجعان كل خطوة من الخطة التي اتفقا عليها، حتى يضمنا تن
خيم صمت طويل على المكالمة، صمت امتد إلى درجة جعلت خالد يظن للحظة أن الخط قد انقطع، غير أن الصوت عاد هذه المرة مختلفًا تمامًا. فقد اختفى منه الهدوء وحل محله توتر واضح وخشونة لم يحاول صاحبها إخفاءها، وهو يقول بحدة: "ماذا قلت؟" فأعاد خالد عبارته ببطء وكأنه يتلذذ بأثرها: "قلت إنني أعرف مكان رهف." وصل إلى أذن خالد صوت شهيق عميق أعقبه سؤال خرج متعجلًا: "أين هي؟" ابتسم خالد وقال بهدوء: "ها قد بدأنا نتحدث في الأمر الصحيح." عندها قال مدحت بنبرة غاضبة: "إذا كنت تكذب..." لكن خالد قاطعه دون أن يسمح له بإكمال الجملة قائلًا: "لو كنت أكذب لما أهدرت وقتي بالاتصال بك." عاد الصمت ليخيم بينهما، ثم قال الرجل بصوت أكثر انخفاضًا: "كيف وصلت إليها؟" هز خالد رأسه مبتسمًا رغم أن الطرف الآخر لا يستطيع رؤيته وقال: "يبدو أنك تحب الأسئلة كثيرًا." فاشتدت نبرة الرجل وهو يأمره: "أجبني." إلا أن خالد أجاب ببرود واضح: "ليس من الضروري أن تعرف كيف وصلت إليها، ولا كيف حصلت على رقمك، ويكفيك أن تعلم أن لدي معلومة تحتاج إليها أكثر من أي شيء آخر." مرت عدة ثوانٍ لم ينطق خلالها أي منهما بكلمة، وكأن كل واحد منهما ينت
وفي اليوم التالي، بدأ الصباح بالنسبة إلى خالد في ساعة أبكر مما اعتاده في الأيام الماضية، لا لأن واجباته المهنية كانت تفرض عليه التوجه مبكرًا إلى مقر المخابرات، بل لأن النوم لم يمنحه سوى سويعات متقطعة لم تكفِ لإراحة ذهنه الذي ظل طوال الليل أسيرًا لذلك الرقم الذي حصل عليه في اليوم السابق. إذ كان يتأمله مرة بعد أخرى وكأنه لا ينظر إلى مجموعة من الأرقام الجامدة، وإنما إلى مفتاح خفي قادر على فتح باب ظل مغلقًا لسنوات طويلة. ولم يكن ما يشغل تفكيره في تلك اللحظات هو القبض على مدحت كما يقتضي واجبه كضابط، بل كان منشغلًا برغبة دفينة غذّتها سنوات متراكمة من الغيرة والحقد والشعور المرير بأنه عاش دائمًا في ظل رجل آخر اسمه جاسر، الرجل الذي كان يحصد التقدير بينما يبقى هو مجرد اسم يقف في الخلف. قاد خالد سيارته حتى وصل إلى أحد الشوارع الهادئة التي لا يلفت الوقوف فيها الانتباه، ثم أوقف المركبة على جانب الطريق وأخرج هاتفًا احتفظ به بعيدًا عن أي استخدام رسمي. أخذ يحدق طويلًا في الرقم المحفوظ أمامه قبل أن يسحب نفسًا عميقًا يحاول به تهدئة اضطرابه الداخلي، ثم ضغط زر الاتصال وهو يدرك أن هذه المكالمة قد تكو
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا. مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر
لم تعد الأيام كما كانت. منذ حادثة المطاردة، تغيّر كل شيء داخل رهف… لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح ظلًا يلازمها، يهمس في أذنها مع كل صوت مفاجئ، وكل حركة غير متوقعة. بقيت في غرفتها يومين كاملين. ستائرها مسدلة، والضوء بالكاد يتسلل إلى الداخل. كانت تستيقظ متأخرة، أو ربما لا تنام أصلًا. كلما







