Home / الآخر / تخاريف / الفصل 6

Share

الفصل 6

last update publish date: 2026-06-18 05:12:59

يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ نهاية القصّة فسلك دون تردد أصعب الدروب وأطولها.

البطن يشكو من شدّة الشّبع، والخطوة لا تشكو ترنّحا. أهي ساعة الطّرب بعد قرف، ولحظة ملهاة بعد مأساة؟ أم هي ريح المكان الآسرة والخضرة الساحرة؟ أم عبق التاريخ المنسيّ يعيد للنفس ألقها فيحدوها شوقا لمناجاة من سكنوا علو تلك الهضبة، وأناخوا نوقهم حذو الكلأ؟ 

لقد علم مسكنه ومستقرّه في ليلة تبدو أشدّ برودة. يصل البناء، يتمتم كأنه يسلّم. أو هي تعويذة يطرد بها كل الشياطين الهامّة وشرور ما أحاط بالمكان المهجور.

يأوي إلى زاوية بها قوس. تحت القوس المحفور داخل الجدار يوجد ركن يطلّ على منخفض، هو يشبه المنارة دون ضوء، ترى المشهد بوضوح دون أن يراك صانعو المسرحيّة وممثّلوها.

-"أأوقد نارا؟ 

ليس بعد يبدو الجو ممتعا" 

يرتّب فراشه ويجلس، يشعل سيجارة كأنها الأخيرة. يجذبها بنهم حتى أنّت من قسوته. ليس هناك ما يشغله، هو خالي الذّهن من عبارات الحاضر وقصص الأمس وأحداث اليوم. إنه خارج سيطرة الوعي، إنه بلا عقل، خفيف لا يشكو علّة. يسحب دخان سيجارته مجددا لتصحبها قطرة تعانق قطرة فتدوي دون رعدها. بدأ السيل ينهمر،إنها مطر رضيّة خفيفة الوقع غزيرة الفائدة تداعب بود تربة مشتاقة لدغدغة نقراتها . لا تبدو مطرا ساخطة غاضبة، تضرب الأرض فتخرج أديمها وتعرّي تربتها فتفقرها. هي بين بين. جحود مثل عدو لدود، ولطيفة وخزتها تطرب الأفئدة، فإن نزلت على الأرض الجحود أنزلت ثمرتها وأزهقت تورّدها، وإن هي نزلت في غير ذي أرض انسابت ظريفة تداوي علّة الزرع وتكسو الأرض خضرة بعد بوار. تبدو مثل حوار بين ذوات فرّقتهم فكرة لا يقدر على تقديرها الإنسان.

أطفأ السيجارة محتفظا بها داخل العلبة مؤجلا نهايتها. وانساب مسلّما لزخات المطر في ليلته الطويلة ملطّفة لتلك النسمات الباردة المتسلّلة لعظم تضايقه لسعات الصقيع. تعود الروح إلى مسكنها مجددا لترحل إلى تاريخ المكان تفتّش عن حقائب المارّين من هنا. لقد كان مزارا للصبية، ومقصدا للطلاّب والباحثين، وملتقى للعشاق. وللشيوخ والعجائز في ذاك المكان مآرب أخرى. الكل يسافر إلى هناك يقصد حاجته، يذكر ابن العقدين من العمر هوسه بالتاريخ في جغرافية البلاط المهجور. بحث عن أشباح أفلت لعله يعثر عن علامات. يسمع لكبار الحي وحكاياتهم عن جمال سيّدة صاحبة الشعر المتدلّي يصيب الأرض تاركا أثر طيبه، وعن استدارة وجهها ولعس خدّيها يرتسم فيأسر ذاك المحب العنيف الحامل لصخرة لا يقدر عشرة على تحريكها. يتباهى بقوة ربانية تزعزع الأرض فتركع له ذوي الشوارب تخدمه بإخلاص. وحكايات عن آخر حجر يصعد به أعلى قصره معلنا عن نهاية الرحلة نحو بداية النّسل، وعن عيش سلالة من العمالقة حكموا دون ظلم، وعن نهاية أسطورة شجاع نازل أشدّ الرجال لتغلبه أرضة صغيرة تسللت لجسده فطحنت ما بجوفه ليرحل حيث الخلود مخلفا رواء ظهره نصفه المشرد فعلا والمطرود غصبا من الجماعة لأنها خيّرته عنهم.

يفرّ حيث تلك الأسطورة فإذ بها تدنو تطلب سترا من وقع قطرات المطر. شطح خياله بعيدا فصنع من الخرافة حقيقة، هي بجواره يحادثها وتحادثه. 

سألها:

- "تبدو حسناء"... 

ردت فقالت:

'لست شاعرية بما يكفي، لقد فقدت أنوثتي منذ عقود. إنّ بي إعياء مقرفا، وصَدْعا يسلب آدميتي فيُبقي منها الجزء البيولوجي. في الصّوت حشرجة أو خشونة، هو أقرب إلى كلمات يطلقها بائع السمك بحيّنا الشعبي، تدوّي فتصيب، يدي متيبّسة تعلوها بقايا تشقّقات أشبه بحراشف الحوت، وفي الوجه علامات تشهد على أني لست من فصيلة جنسي. تصمت قليلا ثم تطلق تنهيدة عميقة وتنظر إلى حائط المنزل الملطّخ بالطين، وتواصل في سرد الحكاية.

"أنا يا ولدي شيء من طين فاسد خلط بماء آسن، علق به غبار المكان فزاد في تغيّر لونه، وعُجن مع حبات حصى أفسدت ليونته فأنبتت نتوءات شتّى.

نظر إلى كل ركن من حولهما وتأمل ثم نهض واستدار فلم يجد في المكان غيره والعجوز ذات الملامح الفاتنة المعاندة لثقل السنين، هي قطعة سكّر حين تنظم كلمات تعبّر فتُطرب. عن أي خشونة والصوت مثل زخّات مطر تنزل على مهل، أو صوت العنادل تغنّي موشّحها اللّيلي فتسمع من به ألم فيكفّ عن التأوّه ويسْلم فيأمن فيسترخي، بها تجاعيد خفيفة تروي سيل أحداث لا تبدو ثقيلة، هي قدّت من طين صاف بماء عذب مصفّى لا شيء فيه.

-"أليس الوصف لغائب راودتك ذكراه؟" سألها ثم أحجم عن الكلام

 تناولت عكّازها وهمّت بالوقوف، استقامت ونظرت لشجرة التين حيث شجيرة الزقّوم قرب جدار البلاط المحطّم نبتت أشجاره متطفّلة على المكان. ثمّ قالت:

'إني أحدّثك عن داخلي يا ولدي، عن أعماق نفسي، وعن وجع متخفّ يطبق ويترك فلا خلّصني وشفاني من مرض الحياة، ولا أعتقني فصرت خلف ملذّاتها. إني يا ولدي ركام أجترّ حاضري بقلب الماضي. '

تزيد المطر في إيقاعها فيعود إلى واقعه. لا تبدو هناك بوادر رفقة، فذاك الكلب الأبيض والمجنون الحكيم وجمرتان من نار قد خلّفهم في بداية المنحدر وبعده. لا يخامره الذّهن أن يحلّ أحدهم حيث محطّته الجديدة. وأسوء ما في الحكاية أنه أطال في نومه فأخذ جرعة زائدة. أدرك أن ليله سيطول فخرج يطلب حطبا تحت سيل مدرار. كل الأشياء مبلّلة، يحاول بجهد الظفر بشيء منها ليسامر لهيبا ودخانا. يشعل ناره حيث يرقد، لكنّها استعصت وأبت وغالبت وعاندت نفخاته حتى بعثت فيها الروح الملطّخة ببعض الدّخان المتصاعد بين ألسنة اللّهب. لم يقدر على الهرب بخياله هذه المّرة، إنه يرغب في رفقة حقيقية لا ترحل. لا يهم إن كانت سيّئة أو حسنة، فهو لا يقوى على الوحدة.

يوصي النفس أن تصبر فقد تتوقف قطرات المطر ويحلّ الضّيف، أيقن أخيرا أنه كان يهرب منهم. لم يكن يريد أن يستحضرهم، وأن يقف عند بابهم، وأن يجمعهم في نفس القبو الصغير، وأن يروي ما حصل ليلتها. يحاول أن يكفّ عن تذكّر الواقعة، والعودة بالذاكرة إلى زمن متشرّد لا يكتب فيه سطرا يصالحه مع الحياة الجادّة. إنها تدنو منه، تكتمل الصورة بقدومهم. رفقة الأمس الشّقية.

- "هل أحضرت الشواء؟"

-" وأنت، ضع العلب هناك حيث ظلّ الجدار حتّى نفرغ من إشعال النار ثم نقضي ليلتنا في إشعال عقولنا حدّ التسليم أو الجنون". 

تعلو الضحكات، وتتردد مواويل طويلة وأغاني تغري سامعها بالتمايل مع إيقاعها. تبدأ رحلة الانقضاض على المؤنسة الصافية. صهباء ذات خدود ذهبية، فعلها كقهوة تقبر هموما علقت دهرا وترسّبت، وصوتها نسيم، إذا تنفّستها تنشقّ الصدور لتحيي سقيم متكدّر. إنها ليلة بهية الطلعة، صافية مثل صحبة لا تنقطع. لا تسمع فيها لغو الكلام ولا عتابا، ولا يطربك سوى صوت الرّضا عن نديم ينطق حكمة في زمن اختار الصّحو فنطق بالكفر وحدّث فكذب، إنها لحظة الهروب حيث المتعة أين الوجه الآخر من الدّنيا، أين سلامة العقل، فيها الكؤوس تغازل الزّجاجة فتغري جليسا ألف مراودتها فيعلق فيها ويذوب. إنه يلاطفها كأنها حبيبة تتمنّع، أو يحملها برفق كبعض ولده فيقبّلها ويسقي من رحيقها فتبتلّ العروق فيسعد. أو يضعها فوق الرأس تاجا ويرقص خفيف الرّوح يحتفل بولادته، فالعمر بدأ العدّ حين جالسها ليس إلا. لم تتكدّر الأنفس ولم تنطق سوى حلو الكلام. لم تتخاصم، ولا تسمع لها لوما أو سخطا على معيش مضني، لا يشغل بالهم ليلا ينجلي وصبحا يحلّ. 

إنّهم هناك حيث الجنان لا تألم الرّوح من صنائع البشر ولا من صنائع القدر. يعجبهم صاحبهم حين يردد شعرا فيتغزّل أو يمازح بكلمات تشتم بعضها. يؤلفها سجع يخفي عللها، ويطلق نغمات ترددها أفواههم برفق، عيون مفتوحة ووجوه ضاحكة وعقول مغمضة تلفّ تلك المنازل المقرفة. إنها لحظة الصّخب يرددها نديم ألف الفاكهة. يحادثك عن نفسه كيف غامر ونازل الشيطان فغلبه، ونازل والده فعاد مذموما مدحورا. يحكي كيف يتسحّب ليلا وهو يزحف كجنديّ يقطع حقل ألغام ليصل آخره فيصيده أحدهم. يزحف حتى يصل حيث النجاة لتصيبه يد لا تشبه الأيادي الآدميّة تتناوله مثل قطعة قماش فيعلّقها أعلى الباب الخشبي فتتدلّى ساقاه ويرفع بصره فإذا بشارب أشبه بشريط خشن صنعته يد ماهر من سعف الحلفاء اليابس شديد الأشواك، وفي الأعلى حاجبان تعانقا وتزاوجا فزادت وفرة نسليهما حتى بدت أشبه بكثبان رمال قرب سباسب يانعة

 'هل هما شفتان، أم مدخل جهنّم حين يفتحهما للزائر الضّال؟' 

'وأي صوت إذا حدّث كأنه يخاطب قوما تفصله عنهم مسير يوم وليلة. أعي يقينا أني مسافر إلى غيبوبة ففي تلك الأكف الوحشية مخدّر يهوي بك إلى الدرك الأسفل فتغادر دنيا لست عليها بمبال. ومن الخلف أم تترجى في أغوار نفسها ولا تصدر صوت الرجاء. '

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    تخاريف الفصل 5

    يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status