Beranda / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 5

Share

تخاريف الفصل 5

last update Tanggal publikasi: 2026-05-22 19:59:06

يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: 

"أراقص طيفا.

ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.

فأنحت حرفا.

بخفقة قلب وصوت خفيف"

وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد:

 "أبقي هناك حيث أنت.

 دعني أقتات من روحي. 

دعني أقتات من جسدي.

 تذبل الوردة على وجنتيك.

 وتغادر بسمتي مع رفاتي."

يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة:

 "المجنونة آتية بالرياح العاتية.

مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. "

 تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها رقد نصيبها رقدته الأخيرة.

أخرج روحه قبل أن يؤذن لها، استلّها عمدا قبل أوانها، نطق نصف شهادة، ونصفها الآخر نطق اسم معبودته.

أضحت شجرة.

ماهي بشجرة! هي مزارا للتبريكات. ومحجّا لنفوس اعتقدت إيمانا وتسليما أن الحياة أدارت وجهها بفعل إنسيّ. 

يسرد بعضهم أن ريح العطر تفوح ليلا، وريح الموت تخرج نهارا، وأنّ بها مصابيح لا تدرك منها سوى نورها ليلا وتختفي نهارا. وليلة معلومة تشتمّ ريح وليمة. كلها براهين أنها شجرة مباركة فلا يغرّنّك يبسها الظّاهر فداخلها مزهر ومثمر ورقه أخضر.

كانوا جمعا من الفتية. كثيرا ما يحجّون إليها. شموع ونار وطيب، وماء وطعام.

 هم يوهمون أهاليهم بأن للشّجرة في قلوبهم منازل. فيرخصون لهم بالزيارة. هي ليست زيارة، لقد جعلوها مسرحا لأحداث حاكوها على مهل

ينقسم الجمع إلى فرقتين.

تقول الفرقة الأولى:

- "نحن أبناء النار."

وتقول الثّانية:

 'ونحن أبناء التراب'.... 

تفرّقا.

أبناء التراب في حلقة مستديرة تحت الشجرة ينشدون

 'نحن أبناء التراب، آدم من تراب، أنت غصن ينبت من تحت التراب، أنت بنت التراب. شقيقة أنت، نحن نرجو مباركة فهل لنا بأمنية' 

يقطع أحدهم ذكرهم فيردد:

- "نحن أبناء النّار، فهموا بالفرار"

يردّ الجماعة:

' لا خير فيكم، فأنتم من الأشرار، لا مسكن لكم ونحن أبناء الدار. تفرقوا ما لكم خيار، مباركة هي شقيقة من تراب تحنّ ولا تخون، لأصلها تصون. فإن أمسكتم أمسكت وإن ظلمتم تثور تدك سطوتكم نصرة للمظلوم"

تنشب معركة لا غالب فيها، لتغادر الجماعة حيث بداية جديدة.

تنتهي به الذاكرة حيث الجذع الميّت. يدنو منه ليودّعه. يلمسه ويلتفّ حوله.

- " ليس بيدي شمع ولا طيب، ليس معي رفقة. لا أرى في الخلف دبيب نملة، ولا بالقرب صوت حياة. أعي جيدا أني مثلك قطعة من خشب جفت عروقه، وأن بي سوادا. يلفّني حبل الوصال قد تقطّع منذ زمن منبتي كان هنا، هو بعض من عروقي، غيّرته وزرعت نفسي حيث الخضرة والماء. نشفت عروقي وعطشت أرضي وتشققت فأنبتت جذعا لا يحمل روحا. الفارق بيننا أنك بقيت مكانك وأني بعت، وأنك مباركة، وأني شقي أحمل من الأسقام ما تعجز الشياطين عن حمله. "

يحمل الحقيبة مجددا، الساعة تميل إلى الظهيرة. كأنه ملّ المكان فهو لم يعد يرغب في البقاء. تسكنه رغبة في أن يعيش عمره الحاضر لا أن تغلبه شطحات الطّفولة فيغرق في منازلها. هو يريد أن يصل إلى تلك المنازل حيث بيته القديم، وحيث يرقد الأحبّة تحت تلك الأحجار.

يمشي، يرفض الصمت فيطلق صيحاته، أغنية تعود به إلى حماس الشباب. يردد بعضها، يبدو أنه نسي اللّحن وغفل عن بعض الكلمات فأسقطها فصارت كلماته نشازا ليسكت بعدها خجلا.

إنّه العائد من مكان غريب حيث موطن أشدّ غرابة. يقول:

- "هل مازال في الحي من يعرفني؟ هل سأظفر بصحبة قديمة تتجدّد؟ "

يواصل مشيته فتطلّ عليه أولى المساكن هي على مشارف الحي تليها رحلة لا تبدو يسيرة.

يقترب من كوخ صنع من قشّ وقصب كان يسمّيه قديما عشّ الغراب. كان يجلس داخله شيخ أسماه الغراب. في ذاك الزّمن لا تبدو ملامحه كذلك، طويل القامة ضخم، فيه حمرة زائدة وبه حول، مترف لا يعاني الخصاصة. هو من أثرياء الحي. له مزرعة قريبة مثل قطعة من الجنّة بها من الخيرات ما يكفي الحي والأحياء المجاورة.

 رآه ممدّدا يغطّ في نومه، هكذا بدت له الصورة وهو يستعيد شريط الماضي.

- "أظن أنه لا يزال على قيد الحياة" حدّث فقال.

 صمت وتوقف ثم تملّكه الفضول فسار إلى عش الغراب، كوخ القشّ نظر داخله فذهل حين رأى شيخا ممدّدا. إنّه هرم، طويل القامة به هزال. نحيف تلوح من وجهه حمرة نفس الحمرة، وبه حول، ذات الحول. همّ لسؤاله فقال بعد أن سلّم:

- "هل أنت العمّ فلان".

 أجاب بصوت غائر:

'أسمع بهذا الاسم!! ربما أكون، لا أعلم. '

 يقترب صوبه وينظر إليه مطوّلا ويسأل:

' من تكون؟ '

-"أجيبك بعد قصة أرويها، هل أجلس؟".

'نعم اجلس'، ردّ الشيخ. 

جلس بالقرب منه، كست الدموع عينيه ثم قال:

-"يحكى أن ولدا في عمر الزهور ذات الأشواك، كثير اللّهو لا يملّ مغازلة الشيطان يقلّد مكره. أمسك الحجر بيديه ورصد فريسته ثم صوّب نحوها. لحظتها مرّ الرّجل ذو المشية المتفاخرة قاطعا طريقه مقتحما مرماه فأصابه الحجر في أسفل جبينه أعلى عينه فسقط. همّ يلملم بعضه. استيقظ وشيء من الدّم ينحدر يزيّن لحيته ذات السواد الكثيف الممزوج وسط بياض قليل. يقف برهة ويلوّح بعصاه للصبي ونبرة من الغضب تخرج من حنجرته ذات الحشرجة الخشنة.

 'أيّ فعل منكر أتيته'. 

يردّ الصبي:

- "للفعل الدّنيء سبقتني، قطعت حجري فأخطأت مرماها فطارت الفريسة بعيدا. قد يكفيك هذا امض مسامحا ما دامك قبلت بدور الفريسة". 

 تمتم الشيخ بكلمات هي أشبه بطلاسم صوتية تخرج متتالية من شفاه متدلّية مترهّلة أشبه بتضاريس بقاع مرتفعة حفرها السيل فأحدث فيها نتوءات شتّى. صورة لا تتطابق مع عمره.

تابع الفتى لهوه وعبثه حتى فرغ من أمره وأقفل راجعا بمشية تفقد استقامتها، يتمايل جهة اليمين حتى يكاد الجرف أن يأويه لبرهة، ويعود شمالا حتى تعتقد أنه متعثر حتما، حافي القدمين تعلوها بقايا أتربة تغطي لونها، وفي الأصابع قليل من الزّرقة المائلة للحمرة، وبين الأظافر تخرج إفرازات إصابة لا يعي بفعلها ولا يكترث لشدّة وجعها، يرتدي ثوبا كأنّه زي مقاتل حديث العهد بساحة الحرب، ممزّق، مقطّع إلى أشلاء، متغيّر اللّون باهت السطوع، هو لون المادة الخام التي لا تقبل انصهارا أو تحولا إلى خلطة ألوان براقة خاطفة. لا يهتم فالحياة حسبه قطعة خبز محشوة بقطرة زيت، وشربة ماء من صنبور الحي، وحجر يركله حين يقطع مساره مشرّد لا ينشد غاية ولا يعي من الأحداث سوى لحظتها اللاّهية، ولا يستوعب فكرة المستقبل لأن الحاضر حسبه ساعة صيد أو عراك أو ركض خلف مطاردة لا منتصرا فيها. هو يعي حقيقة لا غير. ذهن لا تشغله ترّهات الكبار، وزمن يتملّكه لا مكان فيه سوى للطّرب، وبطن تقبل حشوا حين تئن معدتها وتعزف على أوتار جوعها. هو المتحرر أبدا والراحل دائما، والواقف برهة يرقب أنين كبير شغل النفس بتراجيديا الحياة الرتيبة.

-"هل تذكرت. " 

'لا أفهم كلامك، من تكون؟'

-"أنا صاحب الحجر، وأنت الفريسة، هل أدركت؟  "

'ماذا أدركت؟ كأنك تهذي' يرد الشيخ. 

يدخل طيف خفيف فيبادره بالسؤال. 

-"أهو العم فلان؟ "

يشير برأسه نعم هو ويغادر.

 يعود إلى الحديث معه.

- "ماذا فعلت بك الدنيا؟ كأنها عبثت ولهت وبعثرت جميع أوراقك؟ 

 لو تحكي لي."

يسترسل الشيخ في الكلام فيردد:

 'في ذاك البيت أناس طيّبون هم لي بمثابة الأبناء، يطعمونني ويلبسونني. لي داخل الدار غرفة غير أني أعشق هذا المكان. بالغرفة صورة لرجل يشبهني، نختلف في الأوزان، أحيانا يصحبوني حيث بستان كثيف الأشجار كثيرة ألوانها، بها مسكن حين أراه أنجذب نحوه في عجل. أحس بدمع العين تفيض دون توقف. أجلس وأصوم عن الكلام طويلا. أشعر بأن ساكنه يبتلعني، يلبسني دون أن أقدر على نزعه. تراودني سجلات أحداث تشبه الرواية ذات الفصول، شخصياتها لا تبدو ظاهرة كأنها أشباح متحرّكة داخل غيمة تحجب اكتمال صورتها، أو هي كوابيس مضنية لا أقوى على طردها. أدخلها فأختار واحدة من غرفها. لا ألتفت سوى إليها، تأسرني فأترجّل نحوها مسلّما. أشمّ ريح عشّاق، وأسمع دوي كلمات تخرج من حلق ناعم، وأصغي إلى صراخ فتية تشابكت أيديهم فأنهرهم، أشعر بدفء الجوّ. كل الأشياء مألوفة، إني أرى جبّارا يمشي متكبّرا، به هيبة وعليه ملامح سيّد. يمسك بعكّاز ليس لحاجة بل ليكتمل مشهد الهيبة. تطالعني وفود كأنها تشتكي، وغيرها تطلب حاجة، وبعضها تسعى لفضّ خصومة. 

أرى فيه سيدا يمتهن كل المهن، هو قاضي الحي، وهو الحاكم المصدّر لفرماناته، كأنه الدّاعية. والخطيب، وهو الطبيب المداوي، وهو المقرض الدّائن، وهو العائل زمن الشدائد. لست أدري كأني أعي من يكون. لكن على يقين أنه صاحب الحي وفتوّته. هم يعلمون من يكون كما يعلمون من أكون؟ 

يسكت قدرا من الزّمن ويقول: 

'من أنت؟ ما العبرة من حكايتك؟ من صاحب الحجر والفريسة؟ 

 ثمّ يمسك عن الكلام مجدّدا وبعد صمت دامت مدّته يتحدّث قائلا:

 'يمكنك النوم إن أردت....'

 يتمدد في صمت يغلق عينيه ويغفو بسرعة تاركا سؤاله دون جواب. يسافر افتراضا، وينظر إلى عش الغراب إن كان قد تغيّر عن سابق عهده به أم حافظ على صورته القديمة، أم تجدّد كما تجدّد ساكنه.

كل شيء تغير من الداخل مرتبا بعناية، وبداخله فضول غريب أبى أن يغادره. 

-"أرغب في مزيد من التفاصيل فهذا الكيان كان خارقا، أي خرف أصابه؟ وما صنعت له تلك الثروة؟ إنه يجلس وحيدا في كوخ لا يدرك هويته ولا يعي من زمنه سوى شذرات ضئيلة من الأحداث العابرة. "

 سبق الأحداث وبحث عن نفسه، تحدّث فقال سرّا: 

- "أنا المسافر في زمن لم تحن ساعته بعد. تسكنني رغبة في أن أشرد بخيالي لأشاهد كياني عند العجز والكبر. إنّي أرى درويشا يتماي، يرتدي بقايا ألبسة بالية، يضع خلف ظهره كيسا محشوّا بأشياء جمعها من قمامة الحي، وبيده قرن كبش مثقوب الجانبين كثيرا ما ينفخ فيه فيخرج صوت عواء أو صياح. 

غزير شعر اللّحية، أقرع شعر الرأس، يهب لنفسه كل يوم رحلة، سعي بين قمّة الجبل، ومنحدر الوادي. رحلة الشّك واليقين. يعود وبداخله عبد منهك العزم شديد المكوث، مشدود إلى ركن قصيّ أنبت حبات سنابل شهدت على قدومه ونشأته، هو سليل إنسان، أو قطعة من شبيه إنسان. حين يتمدّد يضجر منه فراشه المنسوج من سعف الحلفاء المشدودة للرباط شدّا قويّا. يسند رأسه إلى بقية وساد قدّ من صوف غنم محبوسة داخل زريبة شبيهة ببناء حلزوني تراكمت إثره أكداس السّدر ذات الأشواك العنيدة. يمدّ يداه ليبعد حجيرات تتطابق أحجامها تكسوها ترسّبات سوداء صنعتها ألسنة اللّهب المغلّفة بخيوط دخان تسرق بعض البياض، يزيحها بكعب رجليه ذات الحراشف وكأنها أخاديد أو هي صورة أرض تفجرت شقوقها بعد يوم مطير كسى تربتها بعد سنين عجاف. تمدّد وعيناه تجول في مكان يألفه يرتّب أشياء صارت عتيقة. ثمّ يغفو وشيء من عينيه يظهر، أو هو خلل يحول دون غلقها، وكذا الشفاه لا تلطم بعضها، لتتسارع النغمات تعجب لها كلّ النوتات. لا ميزان يضبطها ولا آدميّ يقوى على إيقافها. 

تمرّ الساعات الثّقال ينهض إثرها كيان خائر القوى متكاسلا يجرّ النفس جرّا أين يلوح ذاك الجبل، وتحت قدميه حبل، ذات الحبل! فيربط البغل سليل البغل الأول ويجرّه أين المنحدر. يمشي ويضرب الأرض تحته فتُخرج غبارها، ذات الغبار؟ حافي القدمين ليأكل النبات ذو الإبر جزءا من لحمه. ينظر للأعلى فإذ بالسماء تميل إلى الصفرة فتزيد كدر أديم الأرض المتجعّدة. تلوح منها بقايا عجوز أنهك الزمن صورتها. يقف برهة ويأبى البغل أن يتوقف. كيان وبغل! لم يظفر بشبيه الإنسان يحاوره ويجادل حماقته. هو ينظر البغل بدل الجبل حيث منطق البغال يعجز عن فهمه شبيه إنسان.

رحل عن حاضره بخياله الجامح، ورحل أسير إغماء كأنه تناول مخدّرا فلم تعد تسمع له حركة سوى صوت نفس خفيف، لا يتقلّب البتّة ناحية يمين أو شمال. ربما أحسّ بشيء من السّكينة أو قد يكون هو نفسه ذاك الغراب قد آوى إلى عشّه كما أسماه.

لا تبدو عليه ملامح قلقة، ولا تظهر تفاصيلها المستبدّة بالنفس. المغتصبة لكلّ فسحة مرح. يمرّ الزّمن وهو على حاله، يحسّ بيد تغطّيه فيصحو على صورة الشيخ وهو يبتسم، يفزع كأنه ذاك الصّبي الذي تعثّر قدره بالرّجل المهاب ذو الوقار فيقفز حيث الباب. هي ذي شمس المساء تهرب تمتطي البراق يحملها إلى الشطر الآخر من الكون، ليجد نفسه السائر مجدّدا إلى حيث الخلاء ينشد أحداث ليلة أخرى لا يعلم مع من يتقاسمها. يودّع شيخه ويقبّل جبينه ثم ينصرف دون أن يكلمه. يكتفي بابتسامة تبدو لطيفة. 

يتبع 

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status